- زاد إيران - المحرر
- متميز
- 816 Views
كتب: ربيع السعدني
في تصريحات صادمة، كشف وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، عن تفاصيل محاولة اغتيال استهدفته خلال الحرب القصيرة والمكثفة التي استمرت 12 يوما بين إيران وإسرائيل، مشيرا إلى سوء تفاهم خطير أدى إلى تصعيد التوترات قبل الوصول إلى وقف إطلاق النار، هذه التصريحات، التي أدلى بها الأحد 27 يوليو/تموز 2025 لوكالة “مهر” الإيرانية، تسلط الضوء على لحظات دراماتيكية عاشتها إيران خلف الكواليس، وتكشف عن قرارات استراتيجية اتخذتها طهران في مواجهة التحديات العسكرية والدبلوماسية.
محاولة اغتيال
في سرده لوكالة أنباء “مهر” الحكومية، روى عراقجي تفاصيل اللحظات التي كادت تودي بحياته خلال الصراع، وقال: “في خضم الحرب، دوَّى انفجار هائل هز المنطقة التي كنا نقيم بها، لقد تم تفجير قنبلة في المنزل المقابل لمقر إقامتنا، وكان ذلك بمثابة رسالة تهديد واضحة، لحسن الحظ، تمكنت قواتنا الأمنية من القبض على الجناة بسرعة”.
وأضاف بأسف: “لم تتوقف التهديدات عند هذا الحد، فقد كنا نرصد طائرات مسيرة تحلق فوق رؤوسنا بشكل متكرر أثناء تحركاتنا بين المواقع، وحتى خلال رحلاتنا إلى تركيا”، مؤكدا في الوقت نفسه أنه “لم يتلقَّ أي اتصال هاتفي من جانب إسرائيل”.
وكان عراقجي، كشف أن بلاده لم تكن تريد الحرب لكنها كانت مستعدة لها، وقال في مقابلة مع شبكة CGTN الصينية في وقت سابق من الشهر الجاري، إن إيران لم يكن لديها “أي خيار إلا ممارسة حق الدفاع عن النفس”، كذلك تابع قائلا: “لم نكن نريد هذه الحرب، لكننا كنا مستعدين لها، لا نريد استمرار هذه الحرب، لكنني أكرر: نحن مستعدون لها تماما”.
هذه الحادثة، وفقا لعراقجي، لم تكن مجرد عمل عدائي معزول، بل جزءا من سلسلة تصعيدات شهدتها الحرب، التي كادت تتحول إلى مواجهة إقليمية أوسع نطاقا لولا القرارات الحاسمة التي اتخذتها القيادة الإيرانية.
قرار استراتيجي من موقع القوة
في سياق حديثه عن وقف إطلاق النار، كشف عراقجي عن قرار استراتيجي اتخذه المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، والذي وصفه بـ”الذكي والقوي”، وأوضح: “في اليوم الثامن أو التاسع من الحرب، قرر المجلس، بموافقة علي خامنئي، قبول وقف إطلاق النار غير المشروط إذا تقدمت إسرائيل بطلب رسمي بذلك.
كان هذا القرار يعكس ثقة إيران بقوتها العسكرية والسياسية، حيث أردنا إظهار أننا لا نسعى للحرب، لكننا جاهزون للرد بقوة إذا استمر العدو في عدوانه، وأضاف: “في الساعة الأولى من فجر أحد الأيام، تلقينا اتصالات عبر وسطاء من دول مختلفة، تفيد بأن إسرائيل مستعدة لوقف هجماتها بدءا من الساعة الرابعة صباحا، قمت بالتشاور مع قائد الحرس الثوري وجهات أخرى للتأكد من صحة المعلومات، وأكدنا موقفنا: لن نهاجم إذا توقفوا عن الهجوم، لكننا لن نقبل وقفا رسميا للحرب إلا بشروطنا”.
سوء تفاهم أشعل التوترات
لكن الأمور لم تسر بسلاسة كما كان مخططا، كشف عراقجي عن سوء تفاهم داخلي بينه وبين القوات المسلحة الإيرانية تسبب في استمرار الهجمات حتى الساعة 7:30 صباحا بتوقيت طهران، بدلا من الساعة 4:00 بتوقيت غرينتش كما كان متفقا، وأوضح: “بسبب هذا الخطأ في التوقيت، واصلت قواتنا استهداف مواقع إسرائيلية، مما دفع إسرائيل إلى اتهامنا بانتهاك اتفاق وقف إطلاق النار”.
وفي لحظة أخرى من التوتر، زعمت إسرائيل في فترة ما بعد الظهر من اليوم نفسه أن إيران أطلقت صاروخا، وهو ما نفاه عراقجي بشدة، وقال: “أرسلت رسالة واضحة عبر الوسيط الأمريكي ستيف ويتكوف، مفادها أن إسرائيل تختلق الأعذار لتبرير هجماتها، أكدت أن أي تحرك عدائي سيواجه برد إيراني فوري وقوي، وأن إيران ليست لبنان، حيث لا يمكن لإسرائيل أن تكرر ما فعلته هناك”.
دور أمريكي في التنسيق
في تصريح لافت، أشار عراقجي إلى دور الولايات المتحدة في تهدئة الوضع، وقال: “بعد رسالتنا الحازمة، غرد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب طالبا من الطيارين الإسرائيليين العودة، مما أوقف التصعيد. تبين لاحقا أن كل شيء كان منسقا مع الأمريكيين منذ البداية”، هذا التصريح يفتح الباب أمام تساؤلات حول طبيعة التنسيق بين واشنطن وتل أبيب خلال الصراع.
رد عراقجي على مفاوضات ما بعد الحرب
صرح عراقجي: “في أوقات النصر، عندما تكون رايتكم عالية، عليكم التفاوض لأننا أظهرنا قوتنا للعالم. ظنّ النظام الإسرائيلي أن عمل إيران سينتهي خلال أسبوع، لكن هذا لم يحدث، وفي غضون ساعات قليلة، عُيّن القادة وقُدّمت الإجابات، طلب العدو وقف إطلاق النار، ووجّهنا الضربة القاضية”.
وحول خداع إيران من خلال المفاوضات مع أميركا قبل الحرب مع إسرائيل، قال وزير الخارجية الإيراني: “لم نخسر شيئا من المفاوضات، بل ربحنا كثيرا، أهمها إثبات أحقيتنا أمام الشعب والمجتمع الدولي. من يقول إنه لولا التفاوض لما كانت هناك حرب؟ ربما الحرب كانت لتندلع أسرع”، واختتم عراقجي تصريحاته بالتأكيد على أن إيران أظهرت توازنا بين القوة العسكرية والحكمة الدبلوماسية، وقال: “لقد أثبتنا أننا قادرون على الدفاع عن أنفسنا بقوة، لكننا أيضا مستعدون لقبول السلام إذا كان ذلك يخدم مصالحنا الوطنية، قراراتنا كانت مدروسة ومنسقة على أعلى المستويات، وجاءت من موقع قوة لا ضعف”.
تكشف تصريحات عراقجي عن شبكة معقدة من الاتصالات الدبلوماسية التي جرت عبر وسطاء دوليين خلال الحرب، الدور الذي لعبته دول مثل تركيا وغيرها في نقل الرسائل بين طهران وتل أبيب يبرز أهمية الدبلوماسية الخفية في نزع فتيل الصراعات، كما أن إشارته إلى مشاورات مكثفة مع قادة الحرس الثوري وغيرهم من المؤسسات تؤكد على التنسيق الداخلي الذي ساهم في اتخاذ قرارات حاسمة.
إيران في مواجهة التحديات
تأتي هذه التصريحات في وقت تشهد فيه المنطقة توترات متصاعدة، حيث تستمر إيران في مواجهة تحديات أمنية وسياسية معقدة، محاولة الاغتيال التي استهدفت عراقجي، إلى جانب سوء التفاهم حول توقيت وقف إطلاق النار، تبرز المخاطر التي تواجهها القيادات الإيرانية في أوقات الأزمات ومع ذلك، فإن قدرة طهران على احتواء التصعيد وفرض شروطها تعكس استراتيجية تجمع بين القوة العسكرية والمناورة السياسية.
وفي يونيو/حزيران الماضي، كشف مستشار عراقجي، محمد حسين رنجبران، في تغريدة على حسابه في “إكس” أن بلاده أحبطت مؤامرة كبيرة خطّطت لها إسرائيل من أجل استهداف وزير الخارجية في العاصمة طهران، وكتب قائلا: “منذ الإعلان عن توجه وزير الخارجية إلى جنيف للتفاوض مع الترويكا الأوروبية.
تلقيتُ اتصالاتٍ عديدة لضمان عدم استهدافه من قِبل النظام الإسرائيلي، نعم، كان ولا يزال هذا التهديد قائما، لكن عباس عراقجي يعتبر نفسه جنديا من جنود الوطن أكثر من كونه رئيسا للسلك الدبلوماسي”، إلا أنه أكد أن “المؤامرة” فشلت بفضل الإجراءات الأمنية الدقيقة التي نفذها جنود المخابرات الإيرانية.
يذكر أنه في 13 يونيو/حزيران 2025 شنت إسرائيل حملة قصف على إيران، حيث ضربت مواقع عسكرية ونووية إيرانية، فضلا عن اغتيال قادة عسكريين كبار وعلماء نوويين، في حين ردت إيران بإطلاق طائرات مسيرة وصواريخ على إسرائيل.
فيما أدت الحرب إلى تدخل أمريكي في الصراع، إذ قصفت الولايات المتحدة في 22 يونيو/حزيران 2025، موقع تخصيب اليورانيوم تحت الأرض في فوردو جنوب طهران، ومنشأتين نوويتين في أصفهان ونطنز (وسط)، لترد طهران مستهدفة قواعد عسكرية في قطر والعراق، من دون تسجيل أية إصابات، قبل أن يعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب، في 24 يونيو/حزيران 2025 وقف النار بين إسرائيل وإيران.
في النهاية، تظل هذه الرواية شاهدة على لحظات حاسمة عاشتها إيران خلال حرب الـ12 يوما، حيث نجحت في تجاوز محاولات الاغتيال والتحديات العسكرية، مع الحفاظ على موقف قوي في مواجهة خصومها.
تصريحات عراقجي ليست مجرد سرد للأحداث، بل رسالة واضحة إلى الأطراف الإقليمية والدولية: إيران جاهزة للدفاع عن نفسها، لكنها لن تتردد في مد يد السلام إذا كان ذلك يتماشى مع مصالحها.

