وسط جدل اقتصادي وسياسي واسع.. إيران تحذف أصفار عملتها

تشهد الاقتصادات الوطنية حول العالم تحولات مستمرة في بنيتها المالية والنقدية، مدفوعة بتغيرات السياسة والظروف الاقتصادية الداخلية والخارجية، ومع تسارع الأزمات وتبدل أولويات الدول، تتجه الحكومات إلى اتخاذ قرارات جوهرية لإعادة ترتيب أنظمتها النقدية والمالية بما يتلاءم مع متطلبات المرحلة المقبلة. في هذا السياق، تتقاطع الاعتبارات الاقتصادية مع الأبعاد السياسية والاجتماعية، لتصوغ ملامح قرارات مؤثرة تمس حياة المواطنين اليومية، وتنعكس مباشرة على الثقة العامة بالعملة الوطنية ومتانة النظام المالي، الأمر الذي تنتهجه إيران الآن، بعد سلسلة من خيبات الأمل الاقتصادية.

ففي واحدة من أكثر الخطوات إثارة للجدل في التاريخ المالي الإيراني الحديث، صادق البرلمان الإيراني الأحد 5 أكتوبر/تشرين الأول 2025، وذلك بعد موافقة مجلس الخبراء، على مشروع قانون يقضي بحذف أربعة أصفار من العملة الوطنية وإعادة تعريف وحدة النقد الرسمية، القرار الذي أُقر بأغلبية 144 صوتا مقابل 108 معارضين وثلاثة ممتنعين، يفتح الباب أمام مرحلة انتقالية تستمر ثلاث سنوات تُتداول فيها العملتان القديمة والجديدة معا، بينما منح البنك المركزي مهلة عامين قبل ذلك للتحضير الفني والتنظيمي لهذا التحول.

تفاصيل اللائحة وآليات التنفيذ

ينص القانون الجديد على أن وحدة العملة الرسمية هي الريال الجديد، الذي يعادل عشرة آلاف ريال من العملة الحالية، مقسما إلى مئة قران، الوحدة الفرعية الجديدة والتي تساوي ألف ريال، كما يلزم البنك المركزي الإيراني بتنفيذ الخطة على مرحلتين أساسيتين، أولاهما مرحلة تحضيرية تستمر عامين يجري خلالها إعداد البنية الفنية والأنظمة المصرفية الجديدة، تليها مرحلة انتقالية تمتد ثلاث سنوات يتم فيها تداول العملتين القديمة والجديدة معا، وبعد انتهاء هذه المدة، تلغى صلاحية الأوراق القديمة ويصبح الريال الجديد العملة الوحيدة المتداولة في السوق.

ويفرض القانون على البنك المركزي إعداد اللائحة التنفيذية خلال ثلاثة أشهر من تاريخ إقرار القانون نهائيا، على أن تصدّق عليها الهيئة العليا للبنك المركزي، ثم تقرها هيئة الوزراء، وسيعلن عن بدء المرحلة الانتقالية رسميا عبر الجريدة الرسمية ووسائل الإعلام والإذاعة والتلفزيون، في محاولة لتجنب أي ارتباك شعبي أو تجاري خلال فترة التغيير، كما ستعدل جميع العقود والموازنات الحكومية لتتلاءم مع النظام الجديد، بحيث تعكس القيم الحقيقية دون تغيير في القوة الشرائية.

كذلك، فقد كانت إحدى النقاط إثارة في القرار هي احتفاظه باسم الريال كوحدة نقدية رسمية، رغم أن الإيرانيين يستخدمون التومان في تعاملاتهم اليومية منذ عقود، فقد كان مقترح الحكومة والبنك المركزي أن تحل وحدة التومان محل الريال، باعتبارها الأكثر تداولا وسهولة في الحساب، على أن البرلمان رفض هذا التغيير متمسكا بالريال، استنادا إلى قانون البنك المركزي الجديد الذي حدد الريال كوحدة قانونية وحيدة.

وتشير الدراسات الأولية إلى أن تنفيذ خطة حذف الأصفار سيكلف نحو 50000 مليار ريال، ما يعادل 51 مليون دولار، تشمل طباعة أوراق جديدة وتحديث الأنظمة المصرفية والمحاسبية وتوعية المواطنين، ويؤكد البنك المركزي أن هذه التكلفة تعتبر استثمارا طويل الأجل سيوفر مستقبلا نفقات الطباعة والتخزين، لكن معارضين يرون أنها عبء إضافي على موازنة الدولة المثقلة أصلا بالعجز، كما يتوقع بعض الخبراء أن تواجه المصارف والشركات فترة من الارتباك التقني في أنظمة الدفع والفوترة أثناء الانتقال إلى العملة الجديدة.

خلفية طويلة لقرار مؤجل منذ التسعينيات

لم تكن فكرة حذف أصفار العملة وليدة اللحظة في إيران، فقد طرحت للمرة الأولى في أوائل تسعينيات القرن الماضي، خلال فترة رئاسة الرئيس الأسبق أكبر هاشمي رفسنجاني، حين كان الاقتصاد الإيراني يعاني آثار الحرب الطويلة مع العراق وما تبعها من تضخم مرتفع، في ذلك الوقت، رأى محافظ البنك المركزي آنذاك محسن نور بخش أن الأرقام الضخمة في المعاملات اليومية تضعف الثقة بالعملة وتربك الحسابات، لكن ضعف الاستقرار المالي وتذبذب الأسعار حالا دون تنفيذ المشروع.

وفي عام 2006، أعاد المحافظ طهماسب مظاهري طرح الفكرة رسميا، مقترحا حذف ثلاثة أصفار من العملة، إلا أن ارتفاع معدلات التضخم والعقوبات الاقتصادية التي بدأت تتصاعد حينها دفعت الحكومة إلى تأجيلها مرة أخرى، ثم عادت المسألة إلى الواجهة في عام 2017 عندما قدمت حكومة حسن روحاني مشروعا متكاملا لإصلاح النظام النقدي، يتضمن حذف أربعة أصفار وتغيير وحدة العملة من الريال إلى التومان، والذي يساوي 10 ريالات، ورغم أن البرلمان الحادي عشر صادق عام 2020 على المشروع من حيث المبدأ، فإن مجلس صيانة الدستور رفضه بدعوى غموض بعض البنود القانونية، خصوصا في ما يتعلق بالالتزامات الدولية أمام صندوق النقد الدولي وتعريف الوحدة الفرعية للريال.

حذف الأصفار.. بين إعادة الثقة واتهامات الإصلاح الشكلي

هذا وقد كان هذا القرار مسارا لإثارة الجدل منذ التصديق عليه تحت قبة البرلمان، حيث يرى مؤيدو القرار أنه يمثل ضرورة تنظيمية قبل أن يكون قرارا اقتصاديا، فمع تفاقم التضخم وتراجع قيمة العملة، باتت أرقام المعاملات اليومية ضخمة إلى حد يصعب التعامل معها، فشراء سيارة أو شقة مثلا يتطلب اليوم كتابة أرقام تضم عشرات الأصفار، حتى أن بعض الآلات الحاسبة المصرفية لم تعد تتحمل طول الأرقام في بعض العمليات. من هنا، يسعى حذف الأصفار إلى تبسيط المحاسبات اليومية، وتسهيل العمل المصرفي والتجاري، فضلًا عن خفض تكاليف طباعة الأوراق النقدية وتخزينها.

كما يؤكد بعض النواب أن للقرار بعدا نفسيا ورمزيا، إذ إن إعادة إصدار عملة جديدة يمكن أن تعيد الثقة المفقودة بالريال، الذي تراجعت قيمته أمام الدولار بشكل غير مسبوق، والذي وصلت قيمته الآن إلى أكثر من 100 ألف تومان للدولار الواحد، الأمر الذي ذكره النائب غلام رضا تاجكردون، رئيس لجنة الخطة والموازنة، حين أكد أن القرار لن يخفض التضخم، لكنه سيترك أثرا نفسيا إيجابيا في المجتمع، لأنه يزيل الأصفار التي ترمز للضعف، وأضاف: “لا يمكننا اعتبار حذف الأصفار علاجا اقتصاديا، لكنه عملية تجميل ضرورية لنظامنا النقدي المرهق”.

كذلك، فقد أوضح رئيس لجنة الاقتصاد في البرلمان شمس‌ الدين حسيني أن القرار جاء لتوحيد القوانين النقدية وتجنب ازدواجية الأسماء، مضيفا أن كثرة الأصفار في التعاملات صارت تمثل عبئا إداريا ومصدرا للفوضى الإحصائية، وأشار إلى أن حذف الأصفار سيجعل العمليات المحاسبية أكثر دقة، ويقلل الأخطاء في الأنظمة الإلكترونية والبرامج المصرفية، ويخفف من تكلفة طباعة الأوراق النقدية ذات الفئات الكبيرة.

من جانبه، دافع محافظ البنك المركزي، محمد رضا فرزين، عن المشروع بوصفه إجراء تقنيا وليس سياسة اقتصادية شاملة، وقال في مؤتمر صحفي إن الهدف من حذف الأصفار هو تبسيط المعاملات والمحاسبات المالية، لا السيطرة على التضخم أو رفع قيمة العملة، مضيفا أن استمرار الوضع الحالي مستحيل؛ فالأرقام الضخمة تربك النظام المالي وتؤثر على كفاءة المعاملات”.

كما أكد فرزين أن الحكومة ستشكل هيئة وطنية عليا برئاسة رئيس الجمهورية للإشراف على تنفيذ القرار، بمشاركة وزارات الاقتصاد والتخطيط والبنك المركزي، وأوضح أن التجربة الإيرانية ستستفيد من خبرات دول أخرى نجحت في خطوات مشابهة، مثل تركيا والبرازيل، معتبرا أن النجاح يعتمد على انضباط مالي واقتصادي طويل الأمد.

على الجانب الآخر، يرى كثير من الاقتصاديين أن حذف الأصفار إجراء سطحي لا يعالج جذور الأزمة، فبحسب حسين صمصامي، عضو لجنة الاقتصاد البرلمانية، فإن الدول التي نفذت هذه الخطوة كانت تعاني تضخمات مفرطة وصلت إلى مئات في المئة، بينما لم يبلغ التضخم في إيران مثل تلك المستويات، كما يعتقد أن حذف الأصفار لن يرفع قيمة العملة ولا مكانتها الدولية، لأن الحالة النقدية الجيدة لا تتحقق بتغيير الأرقام، بل بتقوية القيمة الفعلية عبر الإصلاحات الاقتصادية.

وأضاف صمصامي أن “استخدام النقد الورقي نفسه يتراجع في العالم، ومع انتشار المدفوعات الإلكترونية، لم تعد كثرة الأصفار تعيق المعاملات”، كما حذر من أن القرار قد يؤدي إلى موجة تضخمية طفيفة نتيجة تقريب الأسعار إلى الأعلى أثناء التحول إلى العملة الجديدة، خصوصا في السلع الصغيرة كالمواصلات أو الأغذية. واعتبر أن القرار يأتي في غير وقته، لأن البلاد تواجه تحديات أولى مثل الركود الإنتاجي، والعقوبات، وضعف الاستثمارات.

تجارب العالم.. دروس النجاح والفشل

لم تعد سياسة حذف الأصفار من العملة الوطنية فكرة جديدة في عالم الاقتصاد، إذ خاضتها أكثر من ستين دولة خلال العقود الماضية في محاولات لإعادة التوازن إلى أنظمتها النقدية، لكن التجارب أثبتت أن نجاح هذا الإجراء لا يتوقف على عدد الأصفار المحذوفة، بل على مدى الاستقرار الاقتصادي والإصلاحات العميقة التي ترافقه.

فتعد تركيا واحدا من أبرز النماذج الناجحة، إذ حذفت عام 2005 ستة أصفار من عملتها واستبدلت الليرة الجديدة بالقديمة، بعد عقد من التضخم تجاوز 80 في المئة سنويا، غير أن نجاح التجربة لم يكن نتيجة القرار النقدي وحده، بل جاء ثمرة برنامج إصلاح مالي شامل شمل ضبط الميزانية، والحد من الدين العام، وتطبيق سياسات صارمة لمكافحة التضخم. ونتيجة لذلك، استعاد المواطنون ثقتهم بالليرة واستعادت العملة استقرارها في الأسواق.

أما البرازيل فقد مرت بسلسلة طويلة من المحاولات منذ ثمانينيات القرن الماضي، غيرت خلالها عملتها الوطنية ست مرات وحذفت ثمانية عشر صفرا من دون نتيجة تذكر، حتى أطلقت عام 1994 خطة شاملة عرفت باسم خطة الريال، هذه الخطة أعادت هيكلة النظام المصرفي والضريبي وفرضت انضباطا ماليا صارما، فهبط معدل التضخم من 2500 في المئة إلى أقل من 10 في المئة، وأصبح الريال البرازيلي من أكثر العملات استقرارا في أمريكا اللاتينية.

في المقابل، فشلت دول مثل زيمبابوي وفنزويلا في تحقيق أي استقرار رغم حذف عشرات الأصفار. ففي زيمبابوي، بين عامي 2006 و2009، أزيل أكثر من 25 صفرا من الدولار المحلي حتى انهارت قيمته بالكامل، ووصل الأمر إلى إصدار ورقة فئة 100 تريليون دولار بلا قيمة حقيقية. وفي فنزويلا، تكررت التجربة ثلاث مرات في أعوام 2008 و2018 و2021، لكن التضخم انفجر مجددا بسبب غياب الانضباط المالي واستمرار طباعة النقود بلا غطاء نقدي.

تجارب دول أخرى مثل بولندا وروسيا ورومانيا أظهرت نتائج أكثر استقرارا، بعدما ربطت هذه الدول الخطوة بإصلاحات اقتصادية واضحة، ففي بولندا عام 1995 حذفت أربعة أصفار بعد تحقيق درجة من الاستقرار المالي، ما ساعد على تبسيط المعاملات وتعزيز الثقة بالعملة الجديدة، أما روسيا فاختارت عام 1998 حذف ثلاثة أصفار لتحديث نظامها المالي، بينما قدمت رومانيا عام 2005 نموذجا مشابها بإطلاق عملتها الجديدة ليو.

خطوة رمزية في انتظار إصلاح حقيقي

في نهاية المطاف، يمثل حذف أربعة أصفار من العملة الإيرانية خطوة إدارية ذات بعد نفسي، أكثر منها تحولا اقتصاديا جوهريا، فهي تسعى إلى تبسيط النظام النقدي وإعادة الثقة بالريال، لكنها لا تعالج جذور الأزمة المتمثلة في التضخم، وضعف الإنتاج، والعجز المالي. نجاحها يعتمد على ما إذا كانت ستترافق مع إصلاحات هيكلية أوسع تشمل ترشيد الإنفاق الحكومي، وضبط السيولة، وتحسين بيئة الاستثمار.

وإذا استطاعت الحكومة السيطرة على التضخم وتحقيق استقرار اقتصادي، فقد يصبح الريال الجديد رمزا لحقبة مالية أكثر انضباطا، أما إذا استمر الوضع الحالي من دون إصلاحات جذرية، فقد تعود الأصفار المحذوفة بعد سنوات، لتؤكد مجددا أن الاقتصاد لا يصلح بالأرقام وحدها.