- زاد إيران - المحرر
- 177 Views
في ظل تصاعد التوترات بين واشنطن وطهران، تتخذ المواجهة بين الطرفين أشكالا أكثر تعقيدا وتشابكا، تتجاوز حدود الصراع التقليدي لتدخل مرحلة جديدة من أدوات الضغط المتعددة. وبين تحركات ميدانية وإجراءات اقتصادية ورسائل سياسية متبادلة، يبدو المشهد مفتوحا على احتمالات متباينة، تعكس صراعا طويل الأمد على النفوذ والتوازن في المنطقة. هذا التصعيد لا يقتصر تأثيره على الطرفين فحسب، بل يمتد ليطال أسواق الطاقة العالمية وحركة التجارة الدولية، ويضع العديد من القوى الإقليمية والدولية أمام تحديات متزايدة في ظل بيئة استراتيجية غير مستقرة تتسم بالغموض وسرعة التحول.
العقوبات الأمريكية الجديدة… أدوات الضغط وتفاصيل الاستهداف
شهدت الفترة الأخيرة تصعيدا واضحا في وتيرة العقوبات الأمريكية المفروضة على إيران، في إطار سياسة متجددة تهدف إلى تضييق الخناق الاقتصادي والمالي على طهران، فيما تظهر المعطيات أن هذه العقوبات لم تعد مجرد إجراءات تقليدية، بل أصبحت جزءا من منظومة ضغط مركبة تستهدف مفاصل حيوية في الاقتصاد الإيراني، بما يعكس تطورا في أدوات واشنطن لمحاولة تحقيق أهدافها الاستراتيجية.
وفي هذا السياق، أعلنت وزارة الخزانة الأمريكية، عبر مكتب مراقبة الأصول الأجنبية (OFAC)الجمعة الأول من مايو/ آيار 2026، فرض حزمة جديدة من العقوبات طالت عشرات الأفراد والكيانات المرتبطة بإيران. وقد شملت هذه العقوبات نحو 28 إلى 30 شخصا طبيعيا واعتباريا، إضافة إلى ثلاث شركات صرافة إيرانية وعدد من الشركات المرتبطة بها، فضلا عن إدراج سفينة ضمن قائمة العقوبات. وتوزعت الكيانات المستهدفة جغرافيا بين الصين والإمارات والمملكة المتحدة وإيران نفسها، في إشارة إلى أن واشنطن تسعى لتوسيع نطاق الضغط خارج الحدود الإيرانية المباشرة، عبر استهداف الشبكات المالية والتجارية المرتبطة بطهران.

هذا ويكشف التركيز على شركات الصرافة، حسب خبراء، عن توجه أمريكي واضح لضرب القنوات المالية غير التقليدية التي تعتمد عليها إيران في ظل العقوبات الممتدة منذ سنوات. فهذه الشركات، بحسب الرواية الأمريكية، تلعب دورا محوريا في تحويل عائدات النفط، خاصة تلك التي تسوى باليوان الصيني، إلى عملات قابلة للاستخدام في تمويل الأنشطة الاقتصادية والعسكرية. ومن خلال استهداف هذه الحلقة، تحاول الولايات المتحدة تعطيل ما تصفه بالشبكات المصرفية التي تعمل في الظل التي تمكن إيران من الالتفاف على القيود المالية الدولية.
كما لم تقتصر العقوبات على الأفراد والشركات، بل امتدت إلى البنية اللوجستية لقطاع الطاقة، من خلال إدراج ناقلات نفط ضمن قوائم الحظر. ويعكس هذا التوجه رغبة أمريكية في ملاحقة سلسلة التوريد النفطية الإيرانية من المنبع إلى المستهلك، بما في ذلك عمليات النقل والتأمين والتسويق. ويعد هذا النوع من العقوبات أكثر تعقيدا وتأثيرا، لأنه يرفع تكلفة التعامل مع النفط الإيراني ويزيد من المخاطر القانونية على الشركات الدولية.

من ناحية أخرى، تتضمن هذه العقوبات رسائل تحذيرية مباشرة للشركات الدولية، لا سيما في قطاع الشحن، حيث حذرت وزارة الخزانة الأمريكية من أن دفع رسوم لإيران مقابل المرور عبر مضيق هرمز قد يعرض تلك الشركات للعقوبات. وهذا التحذير يعكس محاولة لتوسيع نطاق الضغط ليشمل حتى الأنشطة التجارية المرتبطة بالممرات البحرية، وليس فقط التعاملات المالية التقليدية.
ورغم هذا التصعيد، تشير تحليلات متعددة إلى أن تأثير العقوبات، رغم شدته، لا يؤدي بالضرورة إلى تحقيق الأهداف السياسية المرجوة بشكل مباشر. فقد أظهرت التجارب السابقة أن الاقتصاد الإيراني قادر على التكيف مع الضغوط، عبر تطوير قنوات بديلة للتجارة واستخدام شبكات غير رسمية لنقل الأموال. كما أن استمرار تدفق النفط الإيراني إلى بعض الأسواق، وخاصة الصين، يحد من فعالية هذه العقوبات، ويجعلها أداة ضغط جزئية وليست حاسمة.

في المحصلة، يمكن القول إن العقوبات الأمريكية الجديدة تمثل امتدادا لسياسة الضغط الأقصى، لكنها في الوقت ذاته تعكس تطورا نوعيا في أدوات التنفيذ، حيث باتت أكثر استهدافا للشبكات المعقدة التي يعتمد عليها الاقتصاد الإيراني، بدلا من الاقتصار على العقوبات العامة واسعة النطاق.
الحصار البحري… الضلع الثاني في استراتيجية الضغط الأمريكي
إلى جانب العقوبات الاقتصادية، برز الحصار البحري كأحد أهم أدوات الضغط التي تعتمد عليها الولايات المتحدة في تعاملها مع إيران في المرحلة الراهنة. ويعد هذا الحصار تطورا لافتا في طبيعة المواجهة، إذ ينقل الصراع من المجال المالي إلى المجال الجغرافي الاستراتيجي، مستهدفا أحد أهم شرايين الاقتصاد الإيراني، وهو تصدير النفط عبر البحر.
وتشير المعطيات إلى أن هذا الحصار يتركز بشكل أساسي على مضيق هرمز، الذي يعد أحد أهم الممرات البحرية في العالم، حيث يمر عبره نحو 20% من تجارة النفط والغاز العالمية. ومن خلال التحكم في هذا الممر أو تعطيل الحركة فيه، تسعى واشنطن إلى تحقيق تأثير مزدوج: الضغط على إيران اقتصاديا، وإشراك المجتمع الدولي في تحمل تبعات الأزمة.

وبحسب التصريحات الأمريكية، فقد أدى هذا الحصار إلى حرمان إيران من عائدات نفطية تقدر بنحو 4.8 مليار دولار، وهو رقم يعكس حجم التأثير المحتمل على الاقتصاد الإيراني. كما أفادت تقارير بأن القوات الأمريكية أوقفت عشرات السفن التجارية منذ بدء العمليات، في محاولة لفرض واقع جديد على حركة الملاحة في المنطقة.
غير أن الحصار البحري لا يقتصر على الجانب العسكري، بل يتخذ أيضا بعدا سياسيا ودبلوماسيا، من خلال محاولة واشنطن تشكيل ما يعرف بتحالف حرية الملاحة. ويهدف هذا التحالف إلى تدويل الأزمة، بحيث لا تظهر الولايات المتحدة كطرف منفرد في المواجهة، بل كقائد لجهد جماعي لحماية التجارة الدولية. وهذا التوجه يمنح واشنطن غطاء سياسيا أوسع، ويخفف من كلفة المواجهة المباشرة.

مع ذلك، يثير هذا الحصار تساؤلات قانونية معقدة، إذ إن فرض حصار بحري دون إعلان حرب رسمي أو تفويض دولي قد يعد انتهاكا للقانون الدولي. كما أن ردود الفعل الإيرانية، التي تستند إلى مبدأ حق الدفاع المشروع، تزيد من احتمالات التصعيد، خاصة في ظل التهديدات المتبادلة بإغلاق الممرات البحرية.
وعلى أرض الواقع، لم ينجح الحصار في شل قطاع النفط الإيراني بشكل كامل، فقد أظهرت بيانات شركات تحليل الطاقة أن صادرات النفط الإيراني، رغم تراجعها، لا تزال مستمرة، وأن طهران تعتمد على استراتيجيات بديلة مثل استخدام ناقلات قديمة، وتخزين النفط في مخازن عائمة، وتصديره عبر مسارات غير تقليدية.

كما أن لهذا الحصار تداعيات واسعة تتجاوز إيران، إذ يؤثر على أسواق الطاقة العالمية ويؤدي إلى ارتفاع أسعار النفط، ما ينعكس سلبا على الاقتصاد العالمي، بما في ذلك حلفاء الولايات المتحدة أنفسهم. وقد أدى هذا الوضع إلى زيادة المخاوف من ركود اقتصادي عالمي، في ظل ارتفاع تكاليف الطاقة واضطراب سلاسل الإمداد.
بالتالي، يمكن النظر إلى الحصار البحري كأداة ضغط قوية، لكنها تحمل في طياتها مخاطر كبيرة، سواء على مستوى التصعيد العسكري أو على مستوى التأثيرات الاقتصادية العالمية، ما يجعلها سلاحا ذا حدين في الاستراتيجية الأمريكية.
من القصف إلى الضغط المركب… هل تغيرت الاستراتيجية الأمريكية؟
يثير التصعيد الأخير في العلاقة بين واشنطن وطهران تساؤلا جوهريا حول طبيعة التحول في الاستراتيجية الأمريكية، هل انتقلت الولايات المتحدة فعليا من منطق الحسم العسكري المباشر إلى نموذج أكثر تعقيدا يقوم على الضغط متعدد الأدوات؟ أم أن ما يجري ليس تحولا بقدر ما هو إعادة تموضع تكتيكي يهدف إلى تحقيق الأهداف نفسها بوسائل أقل كلفة وأكثر مرونة؟
تشير القراءة المتأنية للمشهد، استنادا إلى القراءات التحليلية، إلى أن الولايات المتحدة لم تتخل عن خيار القوة، لكنها أعادت ترتيب أولوياته ضمن ما يمكن تسميته استراتيجية الضغط المركب. فواشنطن، من جهة، لا تزال تدرس سيناريوهات عسكرية، بما في ذلك تنفيذ ضربات «سريعة وقوية» تستهدف البنية التحتية أو مواقع حساسة، ومن جهة أخرى، تعتمد بشكل متزايد على أدوات غير مباشرة مثل العقوبات الاقتصادية، والحصار البحري، وبناء تحالفات دولية لتدويل الضغط على إيران. هذا التوازي بين المسارين يعكس إدراكا أمريكيا بأن الحسم العسكري لم يعد خيارا سهلا أو مضمون النتائج.

فالتجربة الأخيرة للمواجهة، أظهرت أن الحرب، وحتى إن توقفت بعد أسابيع، لم تحقق حسما واضحا لأي طرف، بل أدت إلى تعقيد المشهد ورفع كلفة الاستمرار في التصعيد. لذلك، يبدو أن واشنطن تسعى اليوم إلى تحقيق ما يمكن تسميته نتائج الحرب دون خوضها، أي استخدام أدوات الضغط الاقتصادي والجيوسياسي لإجبار إيران على تقديم تنازلات كان يفترض انتزاعها بالقوة العسكرية.
في هذا السياق، يصبح الحصار البحري والعقوبات المالية ليسا مجرد أدوات ضغط، بل بدائل وظيفية عن الحرب. فالحصار، على سبيل المثال، لا يستهدف فقط تقليص عائدات النفط، بل يهدف أيضا إلى خلق بيئة ضغط مستدامة تربك الحسابات الاقتصادية الإيرانية وتضع صانع القرار أمام معادلة صعبة، إما التكيف مع تراجع الموارد أو تقديم تنازلات سياسية. وبالمثل، فإن العقوبات التي تستهدف شبكات الصرافة والنقل البحري لا تقصد لذاتها، بل كجزء من عملية خنق تدريجي للقدرة الإيرانية على إدارة اقتصادها في ظل العزلة.

غير أن هذا التحول في الأدوات لا يعني بالضرورة نجاح الاستراتيجية، فقراءة المشهد تشير بوضوح إلى أن أحد أبرز التحديات التي تواجه واشنطن هو قدرة إيران على التكيف مع الضغوط، فطهران لا تزال قادرة على تصدير النفط، ولو بطرق غير تقليدية، كما طورت شبكات مالية بديلة، واستفادت من علاقاتها مع قوى مثل الصين لتخفيف أثر العقوبات. بل إن بعض التقديرات تشير إلى أن الضغط النفطي لم يصل إلى مستوى الضغط الحاسم الذي يدفع إلى تغيير سياسي.
الأهم من ذلك أن هذه الاستراتيجية قد تحمل في طياتها تناقضا بنيويا، فمن جهة، تسعى الولايات المتحدة إلى إبقاء باب التفاوض مفتوحا، بل وتربط بعض إجراءاتها بهدف إعادة إيران إلى طاولة الحوار. ومن جهة أخرى، فإن تصعيد الضغوط، سواء عبر العقوبات أو الحصار، يضعف الثقة ويجعل التفاوض أكثر صعوبة. هذا التناقض يفسر إلى حد كبير حالة الجمود التي وصلت إليها المفاوضات، حيث لا يملك أي طرف حافزا كافيا للتراجع، ولا قدرة على فرض شروطه بالكامل.

كما أن هناك بعدا آخر لا يقل أهمية، يتمثل في كلفة هذه الاستراتيجية على النظام الدولي نفسه. فالحصار البحري، على سبيل المثال، لا يؤثر فقط على إيران، بل ينعكس على أسواق الطاقة العالمية، ويرفع أسعار النفط، ويضغط على اقتصادات حليفة للولايات المتحدة. وهذا ما يجعل استمرار هذه السياسة مرهونا بقدرة واشنطن على إدارة تداعياتها الدولية، وليس فقط تحقيق أهدافها الثنائية مع إيران.
في ضوء ذلك، يمكن القول إن الولايات المتحدة لم تستبدل الحرب بالعقوبات والحصار بقدر ما أعادت صياغة أدوات الصراع ضمن نموذج أكثر تعقيدا وتدرجا، فإنها تحاول أن تأخذ بالعقوبات والحصار ما لم تحققه بالحرب، لكن دون أن تضمن أن هذه الأدوات ستقود إلى النتيجة المرجوة. فالتجربة، كما تعكسها المعطيات، تشير إلى أن الضغط الاقتصادي حتى حين يكون شديدا، لا يؤدي بالضرورة إلى استسلام سياسي، خاصة في حالة دولة تمتلك هامشا من الصمود والتكيف مثل إيران.
في النهاية، يبدو أن الاستراتيجية الأمريكية تقف عند مفترق طرق، فهي لا ترغب في الانزلاق إلى حرب شاملة، لكنها في الوقت ذاته لا تملك أدوات كافية لفرض تسوية بشروطها. وبين هذين الحدين، تتشكل حالة من الضغط بلا حسم، أو ما يمكن وصفه بالجمود الاستراتيجي، حيث يستمر الصراع دون أن يفضي إلى نتيجة نهائية، فيما تتزايد كلفته على جميع الأطراف، بما في ذلك النظام الدولي الأوسع.

