“الحصار المالي الاستراتيجي”.. هندسة القضاء الإيراني لتجفيف منابع “القوة الناعمة” المعادية

كتب: الترجمان

لم يعد الصراع الممتد بين السلطات الإيرانية ومعارضيها في الخارج مجرد مواجهة أيديولوجية أو سجال إعلامي فوق الشاشات، بل انتقل إلى مرحلة “الاشتباك المالي المباشر”. 

في خطوة تعكس تحولا جذريا نحو استراتيجية “العقوبات الشخصية الهادفة”، أعلن مدعي عام طهران، علي صالحي، عن حزمة من القرارات القضائية الصارمة التي تقضي بتحديد وتجميد ومصادرة أصول وأموال أكثر من 100 شخصية من الوجوه الشهيرة المقيمة خارج البلاد. 

هذه القائمة التي ضمت إعلاميين، فنانين، ورياضيين، تمثل محاولة حثيثة من الدولة لفرض “ضريبة باهظة” على النشاط المعارض، عبر تجريد هؤلاء الأفراد من ممتلكاتهم ومدخراتهم داخل الجغرافيا الإيرانية، وتحويل ملفاتهم من “معارضة سياسية” إلى “جرائم أمنية واقتصادية” تستوجب التحفظ التام على الأموال.

Image

جغرافيا المصادرات.. تفكيك الإمبراطوريات المالية الصغيرة 

تركزت الضربة القضائية الكبرى على الهياكل التشغيلية والكوادر البشرية لقناتي “إيران إنترناشونال” و”من وتو”. ووفقا للبيانات الرسمية الصادرة عن السلطة القضائية، صدرت أوامر مباشرة بتجميد حسابات وتوقيف أموال 63 كادرا من مديري وموظفي شبكة “إنترناشونال” التي تصفها طهران بـ”الصهيونية”، بالإضافة إلى 25 كادرا قياديا في شبكة “من و تو”. 

العملية لم تكن مجرد إعلان بروتوكولي، بل تضمنت تكليفات تنفيذية لـ “منظمة تسجيل العقارات والوثائق” و”البنك المركزي الإيراني” لتقصي الأثر المالي الدقيق لهؤلاء الأفراد. 

تشمل هذه الإجراءات مصادرة العقارات المبنية، والأراضي الزراعية، والحسابات البنكية الجارية والادخارية، وحتى الأسهم في الشركات الخاصة أو المواريث العائلية، مما يضع هؤلاء الإعلاميين أمام واقع مالي يحرمهم من أي قاعدة اقتصادية داخل وطنهم الأم، ويحول أصولهم إلى “أموال مجمدة” تحت تصرف القضاء أو الخزينة العامة.

Image

التكييف القانوني.. “قانون تشديد عقوبات الجاسوسية” كمظلة للمصادرة 

تستمد هذه الإجراءات شرعيتها القانونية من “قانون تشديد عقوبات الجاسوسية والتعاون مع الاحتلال الإسرائيلي والدول المتخاصمة ضد الأمن والمصالح الوطنية”. 

وبموجب هذا التكييف، لا يُنظر إلى الرواتب أو المزايا المالية التي يتقاضاها هؤلاء الإعلاميون من القنوات “المعادية” كدخل مهني، بل كـ”أجور على أعمال تخريبية” أو “أموال ناتجة عن التخابر”. 

وبناء عليه، يتيح القانون للقضاء وضع اليد على كافة الممتلكات كإجراء ردعي. ولم يتوقف الأمر عند الإعلاميين المحترفين، بل شملت القائمة 25 شخصية إيرانية مقيمة في الولايات المتحدة وبريطانيا والسويد وهولندا وجورجيا، اتُهموا باستخدام الفضاء السيبراني لدعم “العدوان الخارجي”، حيث يتم التعامل مع نشاطهم الرقمي كنشاط “عدائي” يشرعن تجميد أصولهم المالية بذريعة حماية الأمن القومي في “ظروف الحرب”.

Image

البعد الردعي.. تحويل الكلفة من “معنوية” إلى “مادية شخصية”

 تكمن الفلسفة القضائية وراء هذه المصادرات في مبدأ “الردع الاقتصادي الشامل”. تدرك طهران أن الملاحقة الجنائية للأفراد المقيمين في دول غربية قد تواجه عقبات قانونية دولية، لذا فإن البديل العملي هو “الاقتصاص المالي”. 

يهدف هذا التوجه إلى إرسال رسالة تحذيرية لكل من يفكر في الانضمام إلى تلك المنصات، مفادها أن العمل هناك يعني “الانتحار المالي” داخل إيران. 

وفي هذا السياق، كشف المدعي العام لإيران عن تلقي أكثر من 7 آلاف بلاغ شعبي عبر المنظومات الإلكترونية حول أنشطة وأموال تعود لعناصر مرتبطة بالخارج، مما يشير إلى تفعيل “الرقابة المجتمعية” كأداة لملاحقة الأصول التي قد تكون مسجلة بأسماء أقارب أو وسطاء للالتفاف على قرارات المصادرة.

“إدارة الأزمة” وتحصين المنظومة العقارية 

بالتوازي مع قرارات المصادرة، شددت السلطة القضائية على أهمية “منظومة التسجيل الرسمي” كأداة لضبط حركة الأموال. وأكد رئيس منظمة تسجيل العقارات، حسن بابائي، أن المنظمة أصدرت ملايين سندات الملكية “الخضراء” (الإلكترونية الرسمية)، وهو النظام الذي يمنع أي محاولة لبيع أو تهريب الأصول التابعة للمستهدفين في القائمة السوداء. 

ويرى القضاء أن تحويل كافة المعاملات من “العقود العادية” الورقية إلى “التسجيل الرسمي” هو الضمانة الأساسية لمنع التلاعب بالثروات المصادرة. 

كما أشار المسؤولون إلى أن الخدمات الثبوتية والبنكية استمرت بوتيرة عالية خلال “أيام الحرب”، مما يعكس رغبة الدولة في إظهار سيطرتها الإدارية والمالية الكاملة، وقدرتها على عزل “العناصر المعادية” مالياً دون التأثير على مصالح المواطنين الملتزمين بالقانون.

Image

قطع “شرايين التمويل” عن شبكات الداخل 

لم تقتصر قرارات التوقيف المالي على استهداف الأفراد في الخارج فحسب، بل ربطها القضاء بشكل وثيق بالتحقيقات مع “خلايا التجسس” التي جرى تفكيكها مؤخرا في محافظات كرمان وفارس. 

كشفت اعترافات بعض المعتقلين عن تلقيهم وعودا مالية أو مبالغ عبر وسطاء مرتبطين بقنوات “إنترناشونال” وغيرها، مقابل إرسال إحداثيات لمواقع سيادية أو التحريض على ضرب مراكز حيوية والقيام بتصوير المواقع بعد استهدافها. 

وبناء عليه، فإن تجميد حسابات الكوادر الإعلامية في الخارج يهدف أيضا إلى قطع “شرايين التمويل” السرية التي قد تُستخدم لتمويل أنشطة تخريبية في الداخل. إن اعتبار “المال” سلاحا في يد العدو استوجب ردا قضائيا يستخدم “المصادرة” كدرع وقائي لتعطيل المخططات الاستخباراتية التي تعتمد على الإغراء المادي.

السيادة المالية كضمانة للانتماء الوطني

في الختام، تتجلى حزم السلطات الإيرانية في ملف “تجميد الأصول” كإحدى الأدوات القانونية السيادية والأكثر فاعلية في حماية الأمن القومي. فمن خلال تفعيل الرقابة المالية على الشخصيات الإعلامية والمؤثرين المتورطين في التحريض، تنجح الدولة في كشف زيف “الاستقلال” المزعوم، وتحويل التمرد المأجور إلى مسؤولية قانونية ومالية باهظة يتحملها المحرضون.

إن الربط الاستراتيجي بين التشريعات العقارية وقوانين مكافحة التجسس يعبر عن رؤية وطنية شاملة؛ تهدف إلى تحويل المنظومة القضائية إلى “درع واقي” يحمي الاقتصاد الوطني من الاختراق. ومع استمرار التدقيق في مصادر الثروات المشبوهة، يبرز “التحصين المالي” كركيزة أساسية لا غنى عنها لردع ما يوصف بـ “أدوات الحرب الناعمة”، وضمان ألا يكون الانتماء للوطن مجرد شعار، بل التزاما أخلاقيا وقانونيا لا يقبل المساومة أمام أجندات الخارج.