أقارب سليماني في قبضة واشنطن… تصعيد جديد يكشف تناقضات أعمق

في لحظة تتقاطع فيها السياسة مع قضايا الهجرة والأمن، تتكشف تفاصيل ملف معقد يعكس أبعادا أعمق من مجرد قرارات قانونية عابرة. فبين التصعيد الأمريكي والتفاعلات الإيرانية المتباينة، برزت قضية أثارت جدلا واسعا على المستويين الإعلامي والسياسي، وفتحت الباب أمام تساؤلات حول طبيعة العلاقات المتشابكة بين الانتماء العائلي والمواقف السياسية. وبين روايات متضاربة وتفسيرات متباينة، تحولت هذه القضية إلى نموذج دال على طبيعة الصراع غير المباشر بين واشنطن وطهران، وعلى الكيفية التي يمكن أن تتحول بها ملفات فردية إلى أدوات ضغط ضمن سياق دولي أكثر تعقيدًا.

بين الرواية الأمريكية والنفي الإيراني… قصة إلغاء إقامة أقارب سليماني

بدأت القصة بتغريدة مباشرة من وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، نشرها عبر حسابه الرسمي، قال فيها إن حميدة سليماني أفشار وابنتها، أقارب مفترضين لقاسم سليماني، كانتا حتى وقت قريب تحملان البطاقة الخضراء وتعيشان حياة مترفة داخل الولايات المتحدة على حد تعبيره، قبل أن تقرر السلطات إلغاء وضعهما القانوني. وأكد روبيو في تغريدته أن أفشار تعد من الداعمين الصريحين للنظام الإيراني، مشيرا إلى أنها احتفت بهجمات ضد أمريكيين ووصفت الولايات المتحدة بالشيطان الأكبر، وهو توصيف يحمل دلالات سياسية عميقة في الخطاب الإيراني الرسمي.

Image

وأضاف روبيو أن القرار لم يكن مجرد إجراء إداري، بل يأتي في إطار سياسة أوسع تتبناها إدارة الرئيس دونالد ترامب، تقوم على رفض تحويل الولايات المتحدة إلى ملاذ لمن وصفهم بمؤيدي الأنظمة الإرهابية المعادية لأمريكا، وأوضح أن أفشار وابنتها أصبحتا في قبضة سلطات الهجرة والجمارك الأمريكية، بانتظار استكمال إجراءات الترحيل.

لم تكن هذه الخطوة معزولة، إذ جاءت في سياق إجراءات مماثلة طالت شخصيات أخرى مرتبطة بالنخبة السياسية الإيرانية، من أبرز هذه الحالات إلغاء الوضع القانوني لفاطمة أردشير لاريجاني، ابنة علي لاريجاني، الأمين السابق للمجلس الأعلى للأمن القومي والذي قتل إثر هجوم امريكي على منزله، إلى جانب زوجها، مع منعهما من دخول الولايات المتحدة مستقبلا. وقد أثارت هذه الخطوة بدورها جدلا واسعا، خاصة في ظل تقارير عن عمل لاريجاني الأبنة في مؤسسات أكاديمية أمريكية، قبل أن تؤدي الضغوط السياسية والاحتجاجات إلى إنهاء وجودها هناك.

Image

في المقابل، لم تمر الرواية الأمريكية دون رد، فقد سارعت زينب سليماني، ابنة قاسم سليماني، إلى نفي أي صلة بين الأشخاص الذين أعلنت واشنطن توقيفهم وبين عائلة والدها، ووصفت ما تم تداوله بأنه نشر للأكاذيب، مؤكدة أن الشخص المعتقل في الولايات المتحدة لا يمت بصلة إلى عائلة الحاج قاسم.

Image

كما ذهبت أبعد من ذلك، حين قالت إن جميع أبناء إخوة سليماني ذكور وليسوا إناثا، في محاولة لنفي الرواية الأمريكية من أساسها، مضيفة أنه لم يكن لأي فرد من أقارب العائلة إقامة في الولايات المتحدة من قبل. فيما يكشف هذا الرد حجم الحساسية السياسية والإعلامية التي تحيط بالقضية، حيث تتقاطع فيها مسألة النسب العائلي مع البعد السياسي والدعائي.

من هم الموقوفون؟ تفاصيل كاملة عن القضية

بحسب البيانات الرسمية الأمريكية، فإن الشخصين المعنيين هما حميدة سليماني أفشار وابنتها، التي عرفت لاحقا باسم سارينا سادات حسيني، وتؤكد الرواية الأمريكية أن أفشار هي ابنة شقيقة أو شقيق قاسم سليماني.

Image

دخلت أفشار الولايات المتحدة عام ٢٠١٥ بتأشيرة سياحية، قبل أن تحصل على اللجوء السياسي في عام ٢٠١٩، ثم نالت الإقامة الدائمة، البطاقة الخضراء، عام ٢٠٢١. غير أن طلبها للحصول على الجنسية الأمريكية في عام ٢٠٢٥ كشف عن معلومات اعتبرتها السلطات الأمريكية مؤثرة في قرارها، إذ أقرت بأنها سافرت عدة مرات إلى إيران بعد حصولها على اللجوء، وهو ما اعتبرته الجهات المختصة دليلا على عدم مصداقية ادعاء الخطر الذي استند إليه طلب اللجوء.

أما ابنتها، سارينا سادات حسيني، فقد دخلت الولايات المتحدة في العام نفسه لكن بتأشيرة دراسية، وحصلت لاحقا على اللجوء عام ٢٠١٩، ثم على الإقامة الدائمة في عام ٢٠٢٣. وبذلك، فإن كلتيهما كانتا تتمتعان بوضع قانوني مستقر نسبيا قبل أن يتم سحبه بشكل مفاجئ.

وتشير المعلومات إلى أن أفشار كانت تقيم في لوس أنجلوس، حيث عرفت نفسها كمؤثرة على وسائل التواصل الاجتماعي ومصممة أزياء، وكانت تمتلك حسابًا على إنستغرام يتابعه أكثر من ١١ ألف شخص، وقد اختفى هذا الحساب لاحقا، في حين أُفيد بأن موقع علامتها التجارية ملابس أفشار تعرض للاختراق، حيث ظهرت عليه مواد سياسية غير متوقعة، ما زاد من غموض القضية.

البيان الأمريكي لم يكتف بالإجراءات القانونية، بل تضمن اتهامات سياسية واضحة، حيث أشار إلى أن أفشار شاركت في الترويج للنظام الإيراني، واحتفلت بهجمات استهدفت قوات ومنشآت أمريكية في الشرق الأوسط، كما دعمت الحرس الثوري الإيراني المصنف منظمة إرهابية في الولايات المتحدة.

كما شملت الإجراءات زوج أفشار، الذي لم يكن داخل الولايات المتحدة، حيث تم منعه من دخول البلاد مستقبلا، في خطوة تعكس توسع نطاق العقوبات لتشمل الدائرة العائلية، وأكدت وزارة الأمن الداخلي الأمريكية أن الحصول على البطاقة الخضراء يعد امتيازا وليس حقا مطلقا، ويمكن سحبه إذا تبين أن حامله يشكل تهديدا للأمن القومي أو يخالف الشروط التي مُنح على أساسها.

أبناء المسؤولين الإيرانيين في الخارج… ظاهرة تتجاوز الأفراد

تسلط قضية إلغاء إقامة أقارب سليماني في الولايات المتحدة الضوء على ظاهرة أوسع وأكثر تعقيدا، تتمثل في وجود عدد كبير من أبناء المسؤولين الإيرانيين في الدول الغربية، وهي ظاهرة تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى ملف سياسي وإعلامي حساس، يتجاوز الحالات الفردية ليعكس بنية أعمق من التناقض داخل النظام الإيراني نفسه. فبينما يرفع الخطاب الرسمي في طهران شعارات العداء للغرب، ويصف الولايات المتحدة وأوروبا بأنها كيانات معادية أو منحرفة أخلاقيا، يعيش عدد ملحوظ من أبناء النخبة الحاكمة داخل هذه المجتمعات، ويتمتعون بامتيازاتها التعليمية والاقتصادية والاجتماعية.

وتشير تقديرات رسمية، نقلها مسؤولون إيرانيون سابقون، إلى أن ما يقارب ٤ آلاف من أبناء المسؤولين يعيشون خارج البلاد، وهو رقم يعكس حجم الظاهرة واتساعها، وقد أصبح هذا الرقم مادة للنقاش داخل إيران وخارجها، خاصة مع تصاعد الاحتجاجات الداخلية والضغوط الاقتصادية، ما جعل مسألة ازدواجية المعايير لدى النخبة الحاكمة أكثر وضوحا للرأي العام.

Image

من أبرز الأمثلة المتداولة في هذا السياق أبناء رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف، حيث تشير تقارير إلى أن ابنه الأكبر إلياس قاليباف يقيم في أستراليا، وقد ارتبط اسمه سابقا بقضايا فساد مالي داخل إيران، من بينها ملفات تتعلق ببلدية طهران. كما أن ابنه الآخر، إسحاق قاليباف، درس في جامعة ملبورن، وسعى لاحقا للحصول على الإقامة الدائمة في كندا، وهو ما أثار جدلا واسعا داخل الأوساط الإعلامية والسياسية.

Image
Image

ولا تقتصر القائمة على عائلة قاليباف، بل تمتد إلى عائلات أخرى بارزة، مثل عائلة علي لاريجاني، أحد أهم الشخصيات السياسية في إيران، حيث أثارت إقامة ابنته فاطمة أردشير لاريجاني في الولايات المتحدة جدلا واسعا، خاصة بعد عملها في مؤسسات أكاديمية هناك، قبل أن تتعرض لضغوط أدت إلى إنهاء وجودها. كما تشير تقارير إلى وجود أفراد آخرين من عائلة لاريجاني في الخارج، من بينهم باقر أردشير لاريجاني الذي أقام في كندا لفترة قبل أن يتم إلغاء إقامته.

Image

وفي سياق مشابه، تعيش مريم رزم حسيني، ابنة علی رضا رزم حسيني، الوزير السابق وأحد المقربين من قاسم سليماني، في كندا، حيث تدرس في جامعة سايمون فريزر، في مثال آخر على امتداد هذه الظاهرة إلى دوائر متعددة داخل السلطة.

كما تشمل القائمة أبناء شخصيات شاركت في أحداث مفصلية في تاريخ الجمهورية الإسلامية، مثل اقتحام السفارة الأمريكية في طهران عام ١٩٧٩، إذ تشير تقارير إلى أن عيسى هاشمي، نجل معصومة ابتكار، التي كانت من أبرز المشاركين في تلك العملية، يقيم في لوس أنجلوس بالولايات المتحدة، ويعمل في المجال الأكاديمي. كذلك تذكر أسماء مثل زينب حجاريان، ابنة سعيد حجاريان، ومهدي ميردامادي، نجل محسن ميردامادي، وحميدة بيطرف، ابنة حبيب الله بيطرف، حيث يعتقد أن لهم وجودًا في الولايات المتحدة أو دول غربية أخرى.

Image

ولا تتوقف الأمثلة عند هذا الحد، إذ تمتد إلى أبناء شخصيات سياسية بارزة مثل ليلى خاتمي، ابنة الرئيس الإيراني الأسبق محمد خاتمي، التي تعمل في مؤسسات أكاديمية في نيويورك، وكذلك آزاده وطناز روحاني، ابنتا الرئيس السابق حسن روحاني، اللتان تقيمان في الولايات المتحدة وأوروبا. كما يشار إلى إقامة أبناء مسؤولين آخرين مثل مرتضى سقاییان ‌نجاد، وسينا أردشير لاريجاني، وهانية رحيم صفوي، ومريم زاكاني، ومنيرة علوي، ونعيمة إشراقي في دول مثل كندا وسويسرا والنمسا.

Image

تطرح هذه الظاهرة تساؤلات عميقة حول مصادر الثروات التي تتيح لهؤلاء الأفراد هذا النمط من الحياة، خاصة في ظل تصريحات سابقة لمسؤولين إيرانيين، مثل رئيس البنك المركزي الأسبق، الذي أشار إلى أن أرصدة أبناء المسؤولين في الخارج قد تصل إلى ١٤٨ مليار دولار.

في المحصلة، لم تعد قضية أبناء المسؤولين الإيرانيين في الخارج مجرد مسألة اجتماعية أو فردية، بل تحولت إلى مرآة تعكس تناقضات النظام الإيراني، وإلى ورقة ضغط سياسية تستخدمها أطراف مختلفة في صراعها الأوسع، سواء داخل إيران أو على الساحة الدولية.

كلمات مفتاحية: