- زاد إيران - المحرر
- 88 Views
كتب: الترجمان
بعد مرور أكثر من شهر على اندلاع المواجهات العسكرية المباشرة في المنطقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من ناحية وإيران من ناحية، لم يعد الصراع مجرد تبادل للنيران، بل تحول إلى “حرب روايات” تسعى كل جهة من خلالها لشرعنة تحركاتها الميدانية.
ففي الوقت الذي تدعي فيه واشنطن وتل أبيب تنفيذ عملية الغضب الملحمي لتقليم أظافر طهران، ترد الأخيرة باستراتيجية “الأهداف المشروعة” التي طالت القواعد الأمريكية في سبع دول عربية.
هذا التقرير يفكك الخطاب المتناقض بين الطرفين، مستندا إلى البيانات الرسمية والتحقيقات الميدانية التي كشفت تورطا لوجستيا لبعض دول الجوار، مما جعل المنطقة تعيش حالة “انسداد استراتيجي” تترجمها أرقام الصواريخ والمسيرات التي تجاوزت عتبة الـ 5600 مقذوف.

الرواية الإيرانية.. “دفاع مشروع” وضرب للمصالح لا للجوار
تتمحور الرواية الإيرانية الرسمية، كما يصدرها “مقر خاتم الانبیاء”، الذی یتبنى الحدیث الرسمی عن مجریات الحرب الجاریة، وبعثة طهران في الأمم المتحدة، حول مفهوم “الدفاع المشروع” المستند إلى المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة.
وتشدد طهران على أنها لم تكن يوما بادئة بالحرب، بل هي ضحية “عدوان غاشم” استهدف سيادتها ومنشآتها الحيوية مثل حقل “بارس الجنوبي” ومجمع “عسلویة” البتروكيماوي.
وتنطلق الرواية الإيرانية من مبدأ أن أي قاعدة عسكرية أمريكية في المنطقة تُستخدم لتزويد الطائرات بالوقود أو انطلاق الصواريخ هي “هدف مشروع تماما”، بغض النظر عن الدولة التي تحتضنها.
وفي سياق متصل، تحاول الرواية الإيرانية الفصل بين “الأنظمة الحاكمة” و”المصالح الأمريكية”؛ حيث أكد السفير الإيراني في الرياض علي رضا عنايتي أن بلاده لا تستهدف دول الجوار وتثمن التزام بعضها (كالسعودية) بعدم السماح باستخدام أراضيها للعدوان.
إلا أن طهران في الوقت ذاته تبعث برسائل ميدانية قاسية، مفادها أن صمت الجيران على “الخيانة الدبلوماسية” الأمريكية وتسهيل العمليات اللوجستية يجعلهم شركاء في الكلفة.
وتلخص الرواية الإيرانية موقفها بأنها “تتحمل مسؤولية كل ضربة توجهها”، نافية بشدة أي هجمات على منشآت مدنية مثل محطات تحلية المياه في الكويت، معتبرة إياها “عمليات فخ” إسرائيلية لتشويه صورة الردع الإيراني.

الرواية المقابلة.. “الابتزاز بالطاقة” واستهداف البنية التحتية
في المقابل، تسوق الولايات المتحدة وإسرائيل، مدعومتين ببعض التقارير الإعلامية الخليجية، رواية تتهم إيران بشن “حرب شاملة على الاستقرار الإقليمي”. وتستند هذه الرواية إلى أن طهران، وبسبب عجزها عن مواجهة التكنولوجيا العسكرية الغربية في العمق، لجأت إلى ضرب “نقاط الألم” العالمية، وهي منشآت الطاقة والملاحة في الخليج.
وتتهم واشنطن طهران صراحة باستهداف مجمع “راس لفان” القطري ومصفى “سامرف” السعودي وميدان “الحصن” الإماراتي، معتبرة هذه الهجمات “إرهابا اقتصاديا” يهدف لرفع أسعار النفط العالمية (التي بلغت 110 دولارات) للضغط على الناخب الأمريكي وإدارة ترامب.
وتضيف الرواية الإسرائيلية بُعدا آخر، وهو أن إيران تستخدم مسيراتها وصواريخها “العنقودية” لترويع المدنيين في العواصم الخليجية، مستشهدة بالأضرار التي لحقت بمجمع الوزارات في الكويت وشركة النفط الكويتية.
وترى تل أبيب أن النظام الإيراني يمر بحالة “تخبط استراتيجي” بعد اغتيال قياداته العليا مثل أمين المجلس الأعلى للأمن القومي علي لاريجاني ووزير الاستخبارات إسماعيل خطيب، مما دفعه لتبني سياسة “الأرض المحروقة” في الخليج لجر المنطقة بأكملها إلى الهاوية.
وتشدد هذه الرواية على أن التحالف الأمريكي الإسرائيلي لا يهدف لتدمير دول المنطقة، بل لحمايتها من “الهيمنة الفارسية” التي باتت تهدد حتى شربة الماء (عبر استهداف محطات التحلية).
المواجهة التقنية وفضيحة “العبدلي” وحرب المسيرات
بين الروايتين، تبرز “الحقائق الرقمية” كحكم قاطع، فقد كشفت تحقيقات “فرانس 24” عن صدع في الرواية الرسمية لبعض دول الجوار التي تدعي الحياد. إذ أثبتت مقاطع الفيديو المسجلة من “أم قصر” أن صواريخ “هيمارس” الأمريكية انطلقت بالفعل من الأراضي الكويتية (شرق العبدلي) لضرب معبر “الشلامجة” الإيراني.
هذا الانكشاف التقني يعزز الرواية الإيرانية التي تتهم جيرانها بـ “النفاق السياسي” عبر إعلان الحياد رسمياً وتقديم التسهيلات سرا.
وعلى صعيد آخر، تبرز قضية مسيرة لوکاس (Lucas) كأحد أخطر فصول حرب الروايات، فبينما تتهم الكويت وإسرائيل طهران باستخدام مسيرات “شاهد 136” لضرب البنية التحتية المدنية، يؤكد الخبراء العسكريون الإيرانيون أن مسيرة “لوکاس” هي نسخة إسرائيلية مهندسة عكسيا صُممت خصيصاً لتنفيذ عمليات “الراية المزيفة” (False Flag).
الهدف من هذه العمليات، وفق الرواية الإيرانية، هو إقناع الرأي العام الخليجي بأن إيران تستهدف أمنه المائي والغذائي، مما يمهد الطريق لإنشاء تحالف عسكري “عربي إسرائيلي” رسمي تحت ذريعة الدفاع المشترك.

مآلات الصراع.. الخليج بين كابوس الانهيار ووهم الحماية
تتفق الروايات -رغم تناقضها- على حقيقة واحدة: أن منطقة الخليج دخلت مرحلة “الخسارة الشاملة”. فالرواية التحليلية الصادرة عن مراكز أبحاث مثل “ميدل إيست آي” تشير إلى أن قادة الخليج باتوا يدركون أن “الضمانات الأمريكية” لم تحمِ منشآت “قطر للطاقة” ولا الموانئ الكويتية من التعطيل.
وهناك هواجس متنامية من أن تؤدي الرواية الإسرائيلية الداعية لـ “تغيير النظام” في إيران إلى تحويل المنطقة لسنوات من الحرب الأهلية والهرج والمرج، وهو ما تصفه دول الخليج بـ “صندوق باندورا”.
إن التضارب في أرقام الإصابات والاعتراضات (حيث تدعي دول الخليج اعتراض 85% من الهجمات بينما تؤكد نيويورك تايمز خروج 13 قاعدة أمريكية عن الخدمة) يعكس حجم التضليل الممارس في هذه الحرب.
وفي نهاية المطاف، تبقى الرواية الإيرانية متمسكة بـ “وحدة الساحات ضد أمريكا”، بينما تصر الرواية المقابلة على أن “إيران هي العدو الأول للسلام”، ليظل المواطن الخليجي واقتصاد العالم الضحية الأولى في صراع الإرادات هذا، مع ترقب “اليوم التالي” الذي قد لا يأتي إلا على أنقاض أهم شريان للطاقة في العالم.

