- زاد إيران - المحرر
- 528 Views
أصدر الرئيس الإيراني الأسبق وأحد الرموز الإصلاحية في الداخل الإيراني، محمد خاتمي، بيانا، الجمعة 16 يناير/ كانون الثاني 2025، تعليقا على التظاهرات التي شهدتها عدة مدن إيرانية في الأسابيع الماضية نتيجة سوء الأوضاع الاقتصادية والتراجع الحاد للريال الإيراني أمام الدولار، وموجات العنف التي رافقتها وراح ضحيتها عدد كبير من المواطنين ورجال الأمن.
جاء في خطاب خاتمي” إن ما تشهده إيران في هذه الأيام يبعث على ألم عميق وقلق بالغ، حيث امتزجت مأساة فقدان الأرواح وإصابة أبناء الوطن بتراكم أزمات معيشية مزمنة، في مقدمتها اتساع رقعة الفقر والتمييز والفساد وسوء الإدارة، وتراجع الأمل في المستقبل، الأمر الذي أدى تصاعد العنف خلال الأحداث الأخيرة إلى تغيير مسار الاحتجاجات سريعا، فأجهض فرصة كان يمكن أن تتحول إلى بداية إيجابية للاعتراف بحق الشعب في التعبير والاحتجاج، وتعزيز احترام المواطنين، وفتح المجال للنقد والحوار من أجل إصلاح شؤون البلاد، ورغم أن الحكومة أبدت في بدايات الاحتجاجات سلوكا مدنيا بعيدا عن العنف، فإن تطورات لاحقة اتسمت بالعنف والتخريب امتدت إلى مناطق متعددة من الوطن”.

العنف المنظم والتهديدات الخارجية
وتابع خاتمي” اليوم، وبين الأرواح العزيزة التي فقدت والحشود الكبيرة من المواطنين المحتجّين واليائسين، نشهد أبشع وأقسى مشاهد القتل وسفك الدماء، وحرق وقتل البشر بوحشية، وإثارة العداوات، وإحراق وتدمير الأماكن الدينية والعامة، والمرافق الوطنية والشعبية، وكل ذلك يدل على حركة منظمة ووجود جماعات مدربة ومجهزة تسعى إلى استغلال احتجاجات الشعب المشروعة ومخاوفه وتراكم سخطه، ولا سيما لدى شبابنا الأعزاء، لخدمة مقاصد سياسية خاصة.
وفي إشارة إلى ضعف التحرك الأمني، يذكر “ومن العجيب كيف غفلت الأجهزة الأمنية، رغم حساسيتها الشديدة في مختلف المستويات السياسية والاجتماعية والثقافية، عن دخول معدات عسكرية واتصالية، وكذلك عن تسلل أفراد وتيارات تخريبية، وعلى أي حال، فإن هذا التيار المنظم، وإن كان يستمد جنوده في الغالب من أبناء هذا الوطن، إلا أن التصريحات الصريحة للمسؤولين الإسرائيليين، والدعم العلني من الولايات المتحدة، والتهديد بالتدخل المباشر في وضع البلاد اليوم ومستقبلها، لا تترك مجالا للشك في تشكل مؤامرة كبرى مخطط لها تستهدف الوحدة الوطنية وتماسك إيران”.
إغفال جذور الأزمة والقصور البنيوي
ويتابع” إن استمرار هذا المسار سيؤدي إلى إدخال البلاد في دوامة من العنف والكراهية وإهدار الموارد البشرية والوطنية، ويغذي حالة الاستقطاب التي تمكن أعداء الوطن من استغلال الانقسامات ودفع المجتمع نحو صراعات باهظة الكلفة، كما يبعث على الأسف تجاهل دروس التجارب السابقة، وعدم الاستجابة لمطالب الناس وتراكم سخطهم، وإضاعة فرص الإصلاح والتغيير، الأمر الذي جعل المخاطر اليوم أشد مع تقلص الفرص المتاحة، كما أن تمسك الشعب بالاستقلال ورفضه التدخل الأجنبي لا يعني رضاه عن الوضع القائم، إذ إن غالبية المواطنين غير راضين عن السياسات السائدة ويشعرون بالقلق على مستقبل البلاد، وإلى جانب الضغوط والعقوبات الخارجية، أسهمت السياسات الخاطئة والاختلالات البنيوية وضعف كفاءة الإدارة والاستجابة لحقوق الناس في جعل حالة السخط والاحتجاج مزمنة ومتنامية”.

طريق الخروج… العودة إلى الجمهورية والإصلاحات البنيوية
ويعرف خاتمي طريق الخروج من الأزمة الحالية، فيقول” تواجه إيران اليوم وضعا متأزما خطيرا ومتعدد الأبعاد يشمل الجوانب الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية والأمنية، وقد أسهم الإصرار على تكرار السياسات والممارسات الخاطئة وإهدار فرص التغيير في تآكل الثقة بين الشعب والحكومة وتراجع الأمل في الإصلاح، إن الخروج من هذا الواقع المقلق يمر عبر العودة إلى الجمهورية الحقيقية، وإسلامية تقبل الجمهورية بكل متطلباتها، وتنمية قائمة على العدالة بوصفها محور السياسة الداخلية والخارجية، مع وضع المصالح الوطنية وكرامة الشعب في الصدارة”

ويضيف” ولتحقيق هذا المسار فإننا بحاجة إلى إصلاحات بنيوية ومؤسسية ونهجية والاعتراف بالحقوق الأساسية للأمة، بما يحد من معاناة الناس، ويعزّز الثقة والرضا والمشاركة الشعبية، ويفشل مخططات الأعداء، إلى جانب التضامن المجتمعي ونبذ العنف والعمل الجاد من أجل مستقبل إيران موحّدة وقوية”.
تشخيص الأزمة وحدود الإصلاح… قراءة في خطاب الإصلاحي القديم
في قراءته للاحتجاجات الأخيرة، قدم خاتمي، وكعادة خطابته، خطابا يمكن اعتباره محاولة متوازنة للجمع بين التشخيص السياسي، والتحذير الأخلاقي، وتقديم مخرج إصلاحي من دون الانزلاق إلى خطاب تعبوي أو صدامي، فخطابه لا يصدر عن موقع السلطة التنفيذية، ولا يتماهى في الوقت نفسه مع خطاب الشارع الغاضب، بل يقف في منطقة وسطى تحاول فهم ما يجري بوصفه نتيجة تراكمات طويلة، لا حدثا طارئا يمكن اختزاله في شعارات أو مشاهد عنف، الأمر الذي يتماشى مع الرواية الإيرانية الحكومية التي تقول بصدق التظاهرات في البداية وانحرافها فيما بعد بسبب تدخل عناصر خارجية، ومن هنا، فإن قراءة خطاب خاتمي تكشف عن سعي واضح لإعادة تعريف جوهر الأزمة، ونقل النقاش من سطح الأحداث إلى عمق البنية السياسية والاجتماعية للدولة.
أول ما يلفت في خطاب خاتمي هو إصراره على أن الاحتجاجات ليست منفصلة عن الواقع المعيشي والاقتصادي للمواطنين، بل هي امتداد طبيعي لمعاناة مزمنة تتعلق بالفقر، والتمييز، والفساد، وسوء الإدارة، وانسداد الأفق أمام فئات واسعة من المجتمع، خصوصا الشباب. هذا الربط بين الاحتجاج والواقع اليومي يمنح الخطاب طابعا اجتماعيا واضحا، ويبعده عن المقاربات الأمنية التي غالبا ما تختزل الغضب الشعبي في مؤامرة أو تحريض خارجي، على أنه لا ينكر وجود تدخلات أو محاولات استغلال، لكنه يضعها في سياق لاحق، ويؤكد ضمنيا أن الأرضية التي تسمح بهذا الاستغلال هي داخلية بالأساس، ناتجة عن ضعف الثقة وتراكم الإحباط.

وفي تعامله مع مسألة العنف، يتخذ خاتمي موقفا حاسما من حيث المبدأ، لكنه حذر في اللغة، فهو يدين العنف وما ترتب عليه من قتل وتخريب، ويرى أنه أضاع فرصة كان يمكن أن تتحول إلى لحظة مفصلية للاعتراف بحق الاحتجاج وفتح باب الحوار والإصلاح، غير أنه لا يستخدم العنف ذريعة لنفي مشروعية الاحتجاجات نفسها، بل يميز بوضوح بين الاحتجاج السلمي بوصفه حقا، وبين الانزلاق إلى العنف بوصفه خطرا على المجتمع والدولة معا، هذا التمييز يعكس خبرة سياسية طويلة، وحرصا على عدم شيطنة الشارع، وفي الوقت ذاته عدم تبرير الفوضى.
كما يحمل الخطاب قراءة نقدية لأداء مؤسسات الحكم، من دون أن ينزلق إلى تحميل المسؤولية لطرف واحد، فهو يشير إلى أن تجاهل مطالب الناس، وعدم التعلم من تجارب سابقة، وإضاعة فرص الإصلاح الأقل كلفة، كل ذلك أسهم في تعقيد الأزمة وجعلها أكثر خطورة، كما يلفت الانتباه إلى أن رفض الشعب للتدخل الأجنبي وتمسكه بالسيادة الوطنية لا يعني رضاه عن الوضع القائم، في محاولة لتفكيك خطاب رسمي شائع يساوي بين الانتقاد الداخلي والارتهان للخارج.
أما على مستوى الحلول، فإن خاتمي يعود إلى ثوابته السياسية القديمة، وعلى رأسها فكرة الجمهورية بوصفها جوهر النظام، لا مجرد عنوان شكلي، فهو يرى أن الخروج من الأزمة يمر عبر إعادة الاعتبار لإرادة الشعب، والحقوق الأساسية للمواطنين، وربط السياسة الداخلية والخارجية بمفهوم العدالة والمصلحة الوطنية وكرامة الإنسان. هذا الطرح، وإن بدا نظريًا للبعض، إلا أنه يحمل رسالة سياسية واضحة مفادها أن الاستقرار لا يمكن أن يُفرض بالقوة، بل يُبنى عبر المشاركة والثقة والإصلاح البنيوي.
في مجمل الخطاب، يظهر خاتمي كسياسي يحاول لعب دور الجسر بين الدولة والمجتمع، محذرا من مخاطر الاستقطاب والانقسام، وداعيا إلى نبذ العنف والتفكير العقلاني في مستقبل البلاد. خطابه لا يعد بحلول سريعة، ولا يقدّم وصفات جاهزة، لكنه يضع إصبعه على جوهر الأزمة وهي أزمة ثقة، وأزمة حوكمة، وأزمة أفق، ومن هنا يمكن القول إن خطاب خاتمي ليس مجرد تعليق على احتجاجات عابرة، بل محاولة لإعادة فتح نقاش أعمق حول شكل الدولة، وحدود السلطة، ومكانة المواطن في المعادلة السياسية الإيرانية.

