- زاد إيران - المحرر
- 356 Views
في لحظة إقليمية شديدة التعقيد، تتقاطع فيها حسابات الأمن والسياسة والدبلوماسية، يبرز المشهد الخليجي بوصفه أحد أكثر المساحات حساسية أمام أي تصعيد محتمل. وبين ضغوط دولية متزايدة، ومخاوف من تداعيات مواجهة واسعة، وتوازنات دقيقة تحكم علاقات القوى في المنطقة، تتشكل مواقف الدول وفق معادلات مركبة لا تخلو من التناقض الظاهري الذي يخفي قلقا من توابع ربما تكون مدمرة.
الموقف السعودي المعلن… دبلوماسية الحذر ورفض الانخراط العسكري
منذ تصاعد التوترات بين الولايات المتحدة وإيران، حرصت المملكة العربية السعودية على إبراز موقف علني يتسم بالحذر الشديد، قائم على رفض الانخراط في أي عمل عسكري مباشر أو غير مباشر ضد إيران، هذا الموقف تجلى بوضوح في التصريحات الرسمية الصادرة عن القيادة السعودية، وعلى رأسها ولي العهد محمد بن سلمان، التي شددت على أن المملكة لن تسمح باستخدام أراضيها أو مجالها الجوي أو قواعدها العسكرية لتنفيذ هجمات ضد إيران، مؤكدة تمسكها بمبدأ عدم الزج بالمنطقة في حرب شاملة قد تكون تداعياتها كارثية على الأمن الإقليمي.

في هذا السياق، نقلت وسائل إعلام أمريكية وخليجية عن مسؤولين كبار في دول مجلس التعاون الخليجي، أن الرياض أبلغت واشنطن بشكل صريح بأن أي عملية عسكرية ضد إيران يجب ألا تمر عبر الأراضي أو الأجواء السعودية، الموقف الذي قدم على أنه امتداد لسياسة سعودية ثابتة تقوم على تحييد المملكة عن صراعات لا تكون طرفا مباشرا فيها، خصوصا في ظل هشاشة التوازنات الأمنية في الخليج، واعتماد أمن الطاقة العالمي بشكل كبير على استقرار هذه المنطقة.
كما عززت القيادة السعودية هذا التوجه عبر قنوات دبلوماسية مباشرة مع طهران، إذ أجرى بن سلمان اتصالا هاتفيا مع الرئيس الإيراني، مسعود بزشكيان، الأربعاء 28 يناير/ كانون الثاني 2026، أكد خلاله رفض بلاده لأي اعتداء أو تهديد ضد إيران، مشددا على أهمية الحلول الدبلوماسية والحفاظ على أمن المنطقة.
وفي هذا الإطار، جاء هذا الاتصال ليعكس بوضوح الموقف العلني للرياض من التطورات الأخيرة، حيث أكد ولي العهد السعودي رفض بلاده القاطع لأي اعتداء أو تهديد ضد طهران، مشددا على أن استقرار المنطقة وأمنها يصبان في مصلحة جميع شعوبها، وأن التضامن بين الدول الإسلامية يمثل ركيزة أساسية لتحقيق السلام المستدام.

تزامن هذا الخطاب مع تحذيرات سعودية متكررة من أن أي مواجهة عسكرية أمريكية إيرانية ستؤدي إلى زعزعة استقرار المنطقة برمتها، دون أن تحقق مكاسب حقيقية لأي طرف، بل إن مسؤولين أمريكيين أقروا بأن السعودية، قبل أسابيع قليلة فقط، كانت تضغط بقوة على واشنطن لثنيها عن خيار الحرب، محذرة من مخاطر اندلاع حرب إقليمية واسعة تتجاوز حدود إيران لتطال الخليج وأسواق الطاقة والملاحة الدولية.
الرسائل غير العلنية… قلق سعودي من الانكفاء الأمريكي
على خلاف هذا الخطاب العلني المتزن، كشفت تقارير صحافية أمريكية، وعلى رأسها ما نشره موقع أكسيوس، عن وجود خطاب سعودي مختلف نقل في جلسات مغلقة داخل واشنطن، فقد أفاد أربعة مصادر، حسب أكسيوس، حضرت اجتماعات خاصة بأن وزير الدفاع السعودي، الأمير خالد بن سلمان، عبر في لقاءات غير معلنة عن قلق عميق من احتمال تراجع الرئيس الأمريكي ترامب عن تهديداته ضد إيران، معتبرا أن عدم تنفيذ هذه التهديدات سيؤدي إلى تعزيز قوة إيران وجرأتها في المنطقة.

وخلال جلسة خاصة استمرت نحو ساعة، ضمت خبراء من مراكز أبحاث مختصة بالشرق الأوسط وممثلين عن منظمات يهودية، قال خالد بن سلمان إن إيران، في حال عدم تعرضها لضغط عسكري حقيقي، ستخرج من الأزمة أكثر قوة ونفوذا، هذا الطرح مثل، بحسب مراقبين، انزياحا واضحا عن الخطاب السعودي الرسمي الذي كان يحذر من التصعيد، ليعكس هواجس أمنية أعمق تتعلق بتوازن الردع في الإقليم.
كما أشار وزير الدفاع السعودي، وفق المصادر ذاتها، إلى أنه يتوقع أن يجد ترامب نفسه مضطرا، بعد أسابيع من التصعيد الكلامي، إلى تنفيذ عمل عسكري ما، لكنه شدد في الوقت نفسه على ضرورة تقليل مخاطر الانفجار الإقليمي، هذا التوازن في الطرح يعكس إدراكا سعوديا مزدوجا مؤداه الخشية من نتائج الحرب من جهة، والخوف من تداعيات التراجع الأمريكي من جهة أخرى، وما قد يحمله ذلك من تعزيز لموقع إيران الإقليمي.
هذا ولم تقتصر هذه الرسائل على جلسة واحدة، إذ عقد خالد بن سلمان سلسلة لقاءات مطولة في البيت الأبيض مع كبار المسؤولين الأمريكيين، من بينهم وزير الخارجية ووزير الدفاع ورئيس هيئة الأركان المشتركة، ورغم أهمية هذه اللقاءات، أفادت مصادر مطلعة بأن الوزير السعودي غادر واشنطن دون أن يحصل على تصور واضح لاستراتيجية الإدارة الأمريكية النهائية تجاه إيران، ما عزز حالة القلق وعدم اليقين لدى الرياض.

هذا التباين بين الخطاب العلني والخاص لا يعكس بالضرورة تناقضا بقدر ما يكشف عن تعقيد الموقف السعودي، فالمملكة، بحسب مصادر دبلوماسية، تحاول موازنة موقفها بين عدم الظهور كداعمة للحرب، وبين عدم الرغبة في رؤية إيران تخرج من الأزمة أكثر نفوذًا في حال فشل الضغوط الأمريكية.
تحول محسوب أم تكيّف مع واقع جديد؟
يثير هذا التباين في الرسائل تساؤلات واسعة حول ما إذا كانت السعودية قد غيرت موقفها فعليا من الهجوم على إيران، أم أنها بصدد تكييف خطابها وفق تطورات الموقف الأمريكي، فمسؤولون أمريكيون أشاروا بوضوح إلى أن الرياض، قبل ثلاثة أسابيع فقط، كانت تتوسل، حسب تعبيرهم ونقل أكسيوس، لواشنطن لعدم قصف إيران، وهو ما يجعل التصريحات المنسوبة لوزير الدفاع السعودي في واشنطن تبدو وكأنها انعطافه حادة في فترة زمنية قصيرة.
يرى محللون أن أحد التفسيرات المحتملة لهذا التحول هو إدراك السعودية أن ترامب قد يكون اتخذ قراره بالفعل بالمضي نحو مواجهة ما، وأن استمرار الاعتراض العلني قد يضع المملكة في موقع المتهم بعرقلة السياسة الأمريكية. من هذا المنظور، قد تكون الرسائل الخاصة التي نقلت في واشنطن محاولة لتفادي خسارة العلاقة الاستراتيجية مع الولايات المتحدة، مع الحفاظ في الوقت ذاته على خطاب علني يطمئن الداخل السعودي والإقليمي.

في المقابل، تشير تصريحات مسؤولين خليجيين إلى أن الرياض، حسب تحليلات إيرانية، لا تزال ترى المشهد معقدا وخطيرا، حيث إن أي ضربة أمريكية قد تؤدي إلى نتائج سلبية على عدد من الملفات الاقتصادية والأمنية، كملف أسعار النفط وأمن الخليج وغلق مضيق هرمز، بينما عدم تنفيذها قد يسمح لإيران بالخروج من الأزمة أقوى وأكثر ثقة. هذا التقييم يعكس مأزقا استراتيجيا حقيقيا تعيشه السعودية، بين خيارين كلاهما مكلف، في ظل غياب رؤية أمريكية واضحة المعالم.
ومع استمرار الولايات المتحدة في تعزيز وجودها العسكري في الخليج، وفي الوقت الذي تؤكد فيه أن باب الدبلوماسية لم يغلق بعد، تبدو السعودية حريصة على إبقاء جميع الخيارات مفتوحة. فهي من جهة تؤكد رفضها استخدام أراضيها في أي حرب، ومن جهة أخرى تنقل مخاوفها العميقة من تداعيات أي تراجع أمريكي أمام إيران. هذا النهج قد لا يعكس تغيرا جذريا في الموقف بقدر ما يعكس محاولة للتكيف مع مرحلة شديدة السيولة، تتغير فيها المعادلات بسرعة.
في الأخير يمكن القول إن الموقف السعودي من الهجوم على إيران يمر بمرحلة إعادة تموضع دقيقة، تتداخل فيها الحسابات الأمنية مع الاعتبارات السياسية والدبلوماسية. وبين خطاب علني يدعو إلى التهدئة، ورسائل خاصة تعكس قلقا من نتائج عدم الحسم، تحاول الرياض الحفاظ على موقعها كفاعل إقليمي حريص على الاستقرار، دون أن تغفل عن المخاطر التي قد يحملها أي اختلال في ميزان القوى لصالح إيران.

