- محمود شعبان
- 522 Views
أعادت التصريحات الأخيرة للرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، تسليط الضوء على الأجهزة والمؤسسات التي تُموَّل من المال العام، فقد أشار بزشكيان إلى بعض المؤسّسات والهيئات التي تحصل على ميزانية حكومية من دون أن تقدّم نتائج ملموسة، مؤكدا أن هذه المسألة تزداد حساسية في ظل الأوضاع الاقتصادية غير المتوازنة التي تمر بها البلاد، لتبرز مجددا التساؤلات حول من أين يجب أن تبدأ عملية إصلاح موازنات المؤسسات الضخمة والمتشعّبة وكيفية إدارتها.
وفي هذا السياق، أجرت وكالة أنباء “خبر أونلاين“، الثلاثاء 2 سبتمبر/أيلول 2025، حوارا مع السياسي الإصلاحي غلام حسين كرباسجي، حول تمويل المؤسسات الحكومية والثقافية والدينية في إيران من المال العام، وغياب المخرجات الملموسة رغم الميزانيات الضخمة.
وفي ما يلي نص الحوار:
أشار الرئيس مسعود بزشكيان مؤخرا إلى بعض المؤسسات والهيئات التي تحصل على ميزانيات ضخمة من دون أن تقدّم نتائج ملموسة، وفي الحكومات السابقة، كانت جداول الموازنة تتضمن أسماء مؤسسات ثقافية ودينية. برأيكم، هل كان يقصد هذه المؤسسات تحديدا؟ ولماذا لم يُتخذ حتى الآن أي إجراء بشأن هذه الميزانيات رغم اعتراضات الرأي العام؟
لا أعلم ما يقصده الرئيس بزشكيان تحديدا وأي ميزانيات قصد، لكن بشكل عام، جمعت الحكومة حولها عددا ضخما من القوى، وأدخلت تحت مظلتها مجموعة من الهيئات التي لا علاقة لها بعمل الحكومة، وكان ينبغي أن تُموَّل من أماكن أخرى.
فمثلا، مؤسسة رئاسة الجمهورية؛ لقد مضى نحو 46 أو 47 عاما على النظام الرئاسي في البلاد. إذا نظرتم إلى مسار تطور القوى العاملة فيس وزارة الداخلية، سترون في فترة رئاسة آية الله خامنئي كم كان عدد الموظفين، وفي عهد السيد هاشمي كم كانوا، وفي عهد السيد خاتمي كيف كانت الأوضاع، لكن فجأة في عهدَي أحمدي نجاد وروحاني، ثم رئيسي والآن بزشكيان، شهدت مؤسسة الرئاسة زيادة هائلة في الموظفين، في حين أن مهام الرئاسة لم تتغير تغيرا جوهريا.
فعلى سبيل المثال، عندما يذهب الرئيس إلى مناسبة مثل زيارة مرقد الإمام الخميني أو قبور الشهداء، ترون كم من الأفراد من رئاسة الجمهورية والحماية وهيئات أخرى يحضرون، وكأن جيشا من ألف أو ألفي شخص يرافقه، بينما في الأصل مثل هذا الحدث يمكن إنجازه بعدد محدود من السيارات.
هذا الحجم من الحماية والمرافقة ليس ضروريا فحسب، بل إنه في كثير من الأحيان لا يكون له أثر حاسم على أمن المسؤولين.

وداخل مؤسسة الرئاسة نفسها الوضع على هذا المنوال، يُقال إن عدد موظفي هذه المؤسسة مع المجموعات التابعة لها يبلغ نحو 10 إلى 12 ألف شخص، في حين كان في الماضي لا يتجاوز 400 أو 500 شخص. فما الذي تغيّر في المهام؟ هذا مجرد مثال واحد، وبقية الوزارات تعيش الوضع نفسه.
والمثير أن وزير الداخلية المحترم أوصى مؤخرا المحافظات بألا يُسرّح أحد، بينما القاعدة العريضة من القوى البشرية لدينا في الغالب بلا عمل مفيد، وتُعرَّف لهم وظائف شكلية فقط، والنتيجة مجرد إزعاج للناس. فمثلا توقيع بسيط، بدل أن يُنجَز في مكان واحد، ينبغي الحصول عليه عبر عدة مراحل ومن عدة أشخاص. قارنوا بيروقراطيتنا مع العالم؛ أين يوجد مثل هذا الحجم من القوى البشرية في هيكل إداري؟
وهذا المثال يخص الحكومة فقط، وإلا فهناك إلى جانبها مؤسسات وهيئات أخرى أيضا، اليوم ينتقد كثير من علماء قم باستمرار منح الحكومة كل هذه الأموال لمؤسسات لم تكن يوما تستفيد من الإمكانات الحكومية. هذه المؤسسات ليست هيئات حكومية؛ فلماذا يجب أن تحصل على مبالغ طائلة من ميزانية الدولة لتصبح تابعة لها؟ هذه التبعية تؤثر على الحرية والشجاعة التي كان يتحلى بها رجال الدين دوما في الدفاع عن حقوق الناس.
في الماضي، كان الناس أنفسهم يديرون هذه الهيئات، وحتى إن لم يستطيعوا، كان رجال الدين معروفين دائما بالحياة البسيطة والقناعة، وكانت الإمكانات تُوفَّر عبر مخصصات المراجع “مراجع التقليد، والمقصود الأموال التي يحصل عليها مراجع التقليد من خُمس وغيرها”، أما اليوم، فقد أُنشئت مبان ومساحات واسعة يتحمل جزءا كبيرا من نفقاتها كاهل الدولة. ومن الطبيعي أن الرئيس بزشكيان لا يستطيع أن يقطع هذه الميزانيات فجأة.

من ناحية أخرى، هناك أيضا مجموعات عديدة أخرى تعمل تحت عناوين دعائية وثقافية؛ مثل منظمة الإعلان الإسلامي والهيئات المشابهة، وإذا ما جُمعت ميزانياتها، فهي تفوق حتى ميزانية العديد من الوزارات. كان الرئيس بزشكيان قد قدّم وعودا بهذا الشأن خلال الحملة الانتخابية للرئاسة، لكن خلال هذا العام لم يُتخذ أي إجراء عملي.
كنا نأمل أنه في موسم إعداد الموازنة، حين أُعلن أنه جلس شخصيا في منظمة التخطيط والموازنة، سيتم اعتماد موازنة تشغيلية حقيقية، أي أن يتضح لكل بند من الميزانية ما هي مخرجاته وما هي الخدمة التي يقدّمها للناس، وهل يتطلّب هذا العمل كل هذا الحجم من القوى والميزانيات أم لا؟ فحاليا يُنفق 90 إلى 95 بالمئة من ميزانية الدولة على الرواتب والمزايا والتأمين للموظفين، ولا يبقى عمليا شيء للتعمير والبناء والاستثمار.
إذا أراد الرئيس بزشكيان حقا تطبيق موازنة تشغيلية، فعليه أن يقلّص ما لا يقل عن 50 بالمئة من القوى البشرية في المؤسسات والهيئات والوزارات، كما ينبغي أن يُحسم أمر الكثير من المؤسسات التي لا تقدم أي مخرجات أو تأثير ملموس في حياة الناس، لكنني أستبعد أن يقوم بذلك، لأن أي تغيير سيمسّ أحد أركان التوافق الذي رفع شعاره. ومع ذلك، آمل أن ينجح، إن شاء الله يتمكّن من ذلك.
قلتم إن قدرته لا تكفي، لماذا؟
لأن تلك الهيئات كلٌّ منها تعتبر نفسها صاحبة حق ونفوذ، ولها داعمون خاصون بها، فهي في النهاية جهات سياسية أيضا، تتحدث، وتشنّ دعايات، وتتخذ مواقف ضد الحكومة، وتواصل التأكيد على أهميتها وضرورتها، وهذه الأجواء والضغوط التي تُصنع عمليا تُقيّد يد الحكومة.
انظروا مثلا إلى الميزانيات التي تمنحها الحكومة لهذه الهيئات المختلفة، ما المخرجات والنتائج التي تحققها؟ في كثير من الأحيان لا يُرى أي إنجاز ملموس، ومع ذلك لا تستطيع الحكومة أن توقف هذه المدفوعات فجأة.
كما قلت، في المرحلة الأولى هناك مؤسسة الرئاسة نفسها والوزارات التي تمتلك هياكل ضخمة للغاية، ولا يمكن تقليصها بسهولة. فإذا أرادوا خفض القوى البشرية، لا بد من إيجاد حلول للذين سيتحررون من وظائفهم. هؤلاء الناس عاشوا لسنوات من هذه الميزانيات؛ وإخراجهم ستكون له تبعات ثقيلة على الحكومة، ومنها زيادة البطالة.
لذلك يجب أن تُحدَّد لهم وظائف جديدة وتُوفَّر ظروف بديلة، هذا الأمر ليس سهلا، لكن في النهاية لا مفر منه، إذا لم تُخفف الحكومة من ثقلها ولم تعِد النظر في كثير من مهامها، ستبقى المشكلات قائمة.
بعد ذلك، تأتي الهيئات الأخرى المعروفة: من منظمة الإعلان الإسلامي إلى المؤسسات الفنية، منظمة «أوج» وحتى هيئة الإذاعة والتلفزيون نفسها؛ انظروا كم من الميزانيات الضخمة تُضطر الحكومة إلى ضخّها فيها، وكم ارتفعت هذه المبالغ في العامين الأخيرين.
وكذلك بعض المؤسسات التابعة للحوزات الدينية، أو هيئات مثل الأوقاف، والأوقاف نفسها لديها إيرادات هائلة، ومن المفترض أن تُنفقها على أنشطتها، لكن مع ذلك تقدّم لها الحكومة مليارات من المساعدات، هذه نماذج من الملفات التي يتعيّن على الرئيس بزشكيان مواجهتها. أمّا إن كان يملك القوة الكافية لإحداث هذه التغييرات أم لا، فهذا ما سيُظهره المستقبل.

هل كانت لدى الحكومات السابقة رغبة في وقف هذه الميزانيات؟ وإن وُجدت، فلماذا لم تُترجم إلى فعل؟ هل غابت الإرادة البنيوية؟
في الحقيقة، بدأت هذه الظاهرة منذ حكومة محمد خاتمي، حيث سمحت المجاملات والضغوط السياسية ــ مثل اتهام الحكومة بالليبرالية وما شابه ــ بترسيخ هذا النهج، ثم تفاقم الأمر في عهد أحمدي نجاد، حيث تحوّل «نثر الأموال» إلى أداة سياسية صريحة، خصوصا مع وفرة عائدات النفط آنذاك التي منحت الحكومة مساحة أوسع للإنفاق.
وقد وُزِّع جزء من تلك الأموال عبر الإعانات المباشرة للمواطنين، لكن جانبا كبيرا منها كان يُنفق في كل زيارة يقوم بها الرئيس أو الوزراء، ومع مرور الوقت، أصبح هذا الأسلوب ثابتا ووسيلة بيد مختلف القوى السياسية، من النواب إلى أئمة الجمعة وغيرهم.
لهذا، تبدو المعالجة اليوم شديدة التعقيد. ومع ذلك، فإن نجاح الرئيس بزشكيان في إصلاح جزء من هذا الواقع أو اتخاذ خطوة عملية نحو «الموازنة التشغيلية» سيكون إنجازا مهما، وإن كان من غير المؤكد أن يمتلك القدرة على المضي فيه بالنظر إلى أوضاع البلاد الراهنة.
ميزانية الإذاعة والتلفزيون تعادل ميزانية عدة وزارات، وهذا فقط الجزء الرسمي والمستقل المذكور في الجدول رقم سبعة من الموازنة، إضافة إلى ميزانيات أخرى. كيف يمكن تبرير وجود مؤسسة ضخمة مثل الإذاعة والتلفزيون، التي يقرّ مسؤولوها أنفسهم بأن لا جمهور واسع لها؟
هناك في الواقع صحراء قاحلة، كل هذه القنوات، ومئات المحطات الإذاعية والتلفزيونية… إذا أُريد تنظيم الميزانية بصورة تشغيلية، فيجب اقتطاع نصف ميزانية الإذاعة والتلفزيون على الأقل. فهم أنفسهم يقدّمون إحصاءات حول نسبة المستمعين والمشاهدين وضريبة نفوذهم في المجتمع. حتى هذه الإحصاءات تبيّن أن مرجعية الأخبار والمعلومات قد انتقلت إلى القنوات ووسائل الإعلام الأجنبية.
إذا كان من المقرر النظر إلى ميزانية الإذاعة والتلفزيون بشكل عملي، فلا ينبغي فقط أن يُخصَّص لهم أي مبلغ، بل يجب استرجاع جزء من الميزانية منهم، حقا إن الإذاعة والتلفزيون من أبرز مظاهر الكارثة.
ثم انظروا إلى موظفي الإذاعة والتلفزيون؛ فقد حدثت تحوّلات كاملة خلال هذه السنوات، في الماضي، كيف كانت تُدار إذاعة وتلفزيون الجمهورية الإسلامية بعدد أقل من الكوادر البشرية، وما كان ضريب نفوذها بين الناس؟ كان الناس يتابعون أفلامها ومسلسلاتها وأخبارها، أما الآن فانظروا إلى مستوى جودة الإنتاجات، وعدد الموظفين، وقارنوها مع الميزانية التي يتلقونها.
وإذا كان المنظور عمليا، يجب أن يقال: “نحن نعطيك هذا المقدار من المال، وأنت بالمقابل يجب أن ترفع ضريبة نفوذك بين الناس إلى هذا الحد. هل تستطيع؟ إذا نعم، خذ الميزانية؛ وإذا لا، فلماذا يجب ضخ هذا الكم من المال إليك؟”

حينما تقولون إن المؤسسة مجرد “صحراء قاحلة” وإنها رغم كل هذا التمويل تفتقر إلى الفاعلية، فكيف يمكن مطالبة جهاز مثل هيئة الإذاعة والتلفزيون بتغيير سلوكه؟
في النهاية، رئيس الجمهورية يملك سلطة مجلس الإشراف، وممثل الحكومة هناك يفترض أن يتحدث ويتدخل في إدارة الهيئة. فما وظيفة هذا المجلس المشترك بين السلطات الثلاث إن لم تكن أكثر من مجرد ميزانية إضافية ومبنى وموظفين زائدين؟ هؤلاء يجب أن يعملوا بجدية.
ينبغي استدعاء رئيس هيئة الإذاعة والتلفزيون يوميا إلى مجلس الوزراء، ومساءلته بوضوح: ماذا تفعلون؟ لماذا تراجع مستوى نفوذكم الإعلامي إلى هذا الحد؟ ولماذا استطاعت القنوات الأجنبية جذب المشاهدين بهذه القوة؟
لقد كان بعض برامج الهيئة في السابق يحظى بمتابعة هائلة، حتى أن حركة المرور في المدن كانت تخفّ وتخلو الشوارع لأن الناس يسرعون إلى بيوتهم لمشاهدة البرنامج. فأين نحن اليوم من ذلك؟ هل ما زالت الهيئة تملك مثل هذا التأثير؟
إن هذه الأداة متاحة بيد رئيس الجمهورية، وصلاحياته في هذا المجال واسعة، لا سيما في الظروف الحالية، ومن الضروري تفسير مفهوم “التوافق” بحيث لا ينتقص من ممارسة الدولة لسلطتها التنفيذية وإدارة الحكم. فالتوافق لا يعني أن تتخلى الحكومة عن قوتها التنفيذية. بل يجب على الرئيس أن يواجه كل وزارة ويسائلها: لديك كل هذه الكوادر والإمكانات، فلماذا تتزايد شكاوى الناس؟ وينبغي أن يطبّق هذا المبدأ على كل جهاز تُخصص له ميزانية، من دون أي استثناء.
كيف يمكن تطبيق مبدأ الميزانية التشغيلية على المؤسسات الدينية؟
لا مانع من منح الأموال لأي مؤسسة دينية أو علمية أو دعوية، لكن هذه المخصصات يجب أن تكون تشغيلية بالمعنى الحقيقي؛ أي أنه عند دعم مؤسسة دينية، أو مسجد، أو معهد، ينبغي طرح السؤال: ما المخرجات؟
في السابق، حين لم تكن هذه المؤسسات تتلقى ميزانيات، كانت وزارة الثقافة والإرشاد تملك إحصاءات واضحة حول عدد المصلّين، ومستوى التزام الناس بالأحكام الشرعية، ونسبة الصائمين، ومدى تمسك الشباب بالقيم الدينية. الآن، مع تضاعف الميزانيات، ينبغي أن يُسأل: كم ازداد عدد المصلين؟ كم زاد عدد المتدينين؟ هل ظهرت نتائج ملموسة؟ هذا هو جوهر الميزانية التشغيلية.
فإذا كانت هناك رغبة في تفعيل هذا النهج، فعلى الحكومة أن تطبقه حتى على هذه المؤسسات، فالإحصاءات تشير إلى وجود ما بين 100 إلى 250 ألف رجل دين في البلاد، لكن ما الأثر الفعلي لميزانياتهم في المجتمع؟ كم كان حضور صلاة الجمعة في الماضي؟ وكم هو اليوم؟ وهل استطاعوا أن يحيوا صلوات جمعة تضاهي بدايات الثورة، حين كانت شخصيات مثل آية الله طالقاني، أو آية الله منتظري، أو المرشد الأعلى علسي خامنئي، أوهاشمي رفسنجاني، تجذب الجماهير بحضور واسع وتأثير عميق؟
كم كان حجم الميزانية المخصصة لهيئات صلاة الجمعة في الماضي؟ وكم هو الآن؟ وهل تركت الزيادة آثارا ملموسة في المدن والمحافظات؟ اليوم تقام مئات صلوات الجمعة، لكن السؤال: إلى أي مدى نجحت هذه الصلوات في جذب الناس؟
إذن، إذا أرادوا تفعيل الميزانية التشغيلية، فلا بد من خطة دقيقة لهذه القطاعات أيضا، تضمن إحداث أثر واقعي في المجتمع، سواء في زيادة الإقبال على الصلاة والشعائر، أو في المجالات الأخرى. أما ما يتولاه الناس ويمولونه ذاتيا فهو شأنهم، لكن حيثما تضخ الدولة أموالا وتريد أن تجعلها تشغيلية، يجب أن يكون كل شيء واضحا وقابلا للتقييم.

