خبير إيراني في العلاقات الدولية: الصين وروسيا ليستا حليفتين استراتيجيتين.. والتفاوض مع الولايات المتحدة ضرورة

أجرت صحيفة «اعتماد» الإيرانية، السبت 26 يوليو/تموز 2025، حوارا مع محمد علي سيد حنائي، رئيس مجلس أمناء مركز «الدبلوماسية بين الأمم»، تناول تطورات الملف النووي الإيراني، والتحركات الإقليمية والدولية المتعلقة بمفاوضات إيران مع الترويكا الأوروبية.

وفي ما يلي نص الحوار:

ما الأسباب الاستراتيجية والدبلوماسية التي دفعت تركيا إلى قبول دور الوسيط في جولة المحادثات الجديدة بين إيران والترويكا الأوروبية، والتي تقرر عقدها في إسطنبول؟

سعت تركيا خلال السنوات الأخيرة إلى تقديم نفسها بوصفها لاعبا محوريا ومؤثرا في المنطقة، وقد عملت، خصوصا في ظل قيادة رجب طيب أردوغان، على اتباع سياسات نشطة على الصعيدين الإقليمي والدولي، بهدف كسب مكانة واعتبار على المستويين العالمي والإقليمي. 

وتُعد استضافة المفاوضات بين إيران وأوروبا أحد مظاهر هذا التوجه، الذي تحكمه أهداف متعددة.

أولا، تسعى تركيا من خلال لعب دور الوسيط إلى ترسيخ موقعها كقوة إقليمية، فهي، باستغلال موقعها الاستراتيجي، لا تسعى فقط إلى تعزيز نفوذها في منطقة الشرق الأوسط، بل تحاول أيضا أن تؤدي دورا فاعلا في مؤسسات دولية مثل حلف شمال الأطلسي وحتى الاتحاد الأوروبي.

 ومن شأن استضافتها لهذه المفاوضات أن تتيح لها فرصة استعراض قدراتها الدبلوماسية، والعمل كجسر بين الشرق والغرب.

ثانيا، في ضوء التوترات الأخيرة بين تركيا وإسرائيل، خاصة فيما يتعلق بتطورات منطقة الشام، تسعى أنقرة من خلال تفعيل دورها في الدبلوماسية الإقليمية إلى رسم موقع مستقل لها. 

ويُنظر إلى هذا الوساطة على أنها محاولة لتعويض بعض الإخفاقات التي واجهتها في سوريا، كما أن التعاون الدبلوماسي مع إيران، بوصفها أحد أبرز الأطراف المناهضة لإسرائيل في المنطقة، يشكل فرصة أمام تركيا للرد غير المباشر على تحركات إسرائيل في سوريا.

ثالثا، من وجهة نظر إيران، فإن التقارب مع تركيا في سياق التنافس الإقليمي مع إسرائيل يكتسب أهمية استراتيجية كبيرة، ففي ميزان القوى في الشرق الأوسط، تُعدّ استمالة دعم الدول المؤثرة مثل تركيا أمرا بالغ الأهمية بالنسبة لإيران. 

ويُعتبر التعاون مع تركيا في هذه المفاوضات مؤشرا على تقارب نسبي في سياسات البلدين تجاه الخصوم الإقليميين، وعلى رأسهم إسرائيل.

قبول تركيا بدور الوساطة، واتفاق إيران والدول الأوروبية على عقد المفاوضات في إسطنبول، ينبع من دوافع متعددة الأطراف، وقد تكون هذه المفاوضات بداية لجولة جديدة من الحوار، لا تسهم فقط في حلّ القضايا الراهنة، بل تعزز كذلك موقع تركيا كلاعب دبلوماسي نشط في المنطقة وعلى الساحة الدولية.

في ظل ازدياد الحديث عن تهديد الترويكا الأوروبية بتفعيل آلية الزناد، إلى أيّ مدى يمكن اعتبار فرص نجاح المفاوضات المقبلة واقعية؟ 

أدّت أوروبا دورا محوريا وفاعلا في المفاوضات الأولية للاتفاق النووي (برجام)، الدول الأوروبية، وخاصة فرنسا، عطّلت التوصّل إلى اتفاق في بعض المراحل من خلال طرح مطالبها الخاصة، وسعت إلى فرض وجهة نظرها على مجرى المفاوضات.

 ومع ذلك، تراجع هذا الدور الأوروبي بشكل ملحوظ بعد وصول دونالد ترامب إلى السلطة وبدء المفاوضات غير المباشرة بين إيران والولايات المتحدة بوساطة عمان. 

هذا التراجع—الذي كان إلى حدّ ما برغبة أميركية—أعطى الانطباع بأن إيران وأميركا قد أقصتا أوروبا عن مفاوضات الاتفاق النووي، هذا التهميش لم يكن مقبولا لأوروبا، التي تسعى إلى الحفاظ على موقعها على الساحة الدولية.

وبعد اندلاع الحرب بين روسيا وأوكرانيا، واجهت أوروبا تحديات جديدة، هذا النزاع، الذي يرى البعض أنه نتيجة للسياسات الأميركية الهادفة إلى إشغال أوروبا بمواجهة مع روسيا، أضعف من المكانة الاقتصادية والسياسية لأوروبا على المستوى العالمي. 

تواجه أوروبا اليوم أزمات اقتصادية جدية، وتراجع نفوذها في العلاقات الدولية، وفي ظل هذه الظروف، يمكن اعتبار تكثيف التحركات الدبلوماسية الأوروبية محاولة لإعادة تعريف موقع هذه القارة كلاعب مستقل وفاعل على الساحة الدولية.

ومن وجهة نظركم، هل الحل للخروج من التوترات يكمن في التفاوض مع الولايات المتحدة؟

الواقع أن القرارات الأساسية في الملف النووي الإيراني بيد الولايات المتحدة إلى حدّ كبير، وتؤدي إسرائيل—بصفتها فاعلا مؤثرا في السياسات الأميركية—دورا مهما في هذا السياق.

 في المقابل، تمتلك دول مثل روسيا والصين قدرة نسبية على التأثير، لكن أوروبا لا تملك إمكانيات كافية لتأدية دور مستقل.

قد تشكّل المفاوضات المقبلة فرصة لأوروبا لتُظهر حضورا فاعلا في المسارات الإقليمية والدولية، بما يعزز موقعها، أما بالنسبة لإيران، فهذه المفاوضات فرصة لإثبات التزامها بالدبلوماسية والحوار. 

ومع ذلك، هناك عاملان يحدّان من قدرة أوروبا على التأثير الإيجابي في تخفيف التوترات مع إيران:

أولا، بعد الحرب في أوكرانيا وما طُرح من اتهامات حول دعم إيران لروسيا، اعتمدت أوروبا نهجا أكثر عدائية تجاه إيران، هذا الأمر—الذي تعتبره أوروبا قضية ذات بعد اعتباري—أدى إلى جهود تهدف إلى تصوير إيران كتهديد أمني في الرأي العام والساحة السياسية الأوروبية.

ثانيا، بسبب انسجام السياسات الأوروبية مع الولايات المتحدة وإسرائيل، تفتقر أوروبا إلى الاستقلال الكافي في سياستها الخارجية ولا تملك أدوات ضغط فعّالة.

 ومع ذلك، فإنّ عدم الاستقرار في إيران لا يخدم المصالح الأوروبية، فاندلاع اضطرابات داخل إيران قد يؤدي إلى تصاعد أزمة الهجرة وتزايد مشكلات تهريب المخدرات، ما يشكّل تهديدا جديا لأوروبا.

من ناحية أخرى، فإنّ تفعيل آلية الزناد من قِبل أوروبا قد يؤدي إلى إقصائها عن مفاوضات الاتفاق النووي مع إيران ويقيّد فرصها الدبلوماسية، لذلك، فإن المفاوضات المقبلة—رغم أنها قد تبدو شكلية إلى حدّ ما—توفر لكلا الطرفين فرصة لإظهار التزامهما بالدبلوماسية وإدارة التوترات الإقليمية.

في حال فشل المفاوضات وتفعيل آلية الزناد المحتملة، ما الأدوات والخيارات المتاحة أمام طهران؟ 

الحفاظ على التواصل مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية يُعد خطوة ضرورية بالنسبة لإيران، إذ إنّ قطع هذا التواصل بشكل كامل قد يوفر ذريعة لإضفاء الشرعية على هجمات عسكرية محتملة ضد المنشآت النووية الإيرانية.

 مثل هذا الإجراء قد يؤدي مجددا إلى خلق أجواء أمنية حول إيران على الساحة الدولية، ويمنح الولايات المتحدة وإسرائيل فرصة لتبرير خطوات عدائية استنادا إلى مزاعم عدم تعاون إيران.

وإيران، بصفتها دولة ملتزمة باتفاقات الوكالة الدولية للطاقة الذرية ومعاهدة حظر الانتشار النووي، تمتلك من الناحية القانونية موقعا يتيح لها المطالبة بمساءلة الوكالة عن الأضرار التي لحقت بمنشآتها النووية السلمية. 

فالهجوم على هذه المنشآت، الذي يشكل انتهاكا للالتزامات الدولية، لا ينبغي أن يمر من دون تبعات، لذلك، يجب على إيران أن تتابع الملف قانونيا للمطالبة بالتعويض عن الأضرار، وتؤكد على مسؤولية الوكالة في إبلاغ الرأي العام العالمي بشفافية، وفي الالتزام بتعويض الخسائر.

في الوقت نفسه، فإنّ الحفاظ على التواصل مع الوكالة يكتسب أهمية من زاوية أخرى، إذ إنّ قطع التعاون بالكامل قد يُستغل من قبل الأطراف المعارضة لإيران ويوفّر مبررا لمزيد من السياسات العدائية.

 لذلك، ينبغي على إيران أن تتبنى موقفا واضحا وحازما، وتُصرّ على تحميل الوكالة مسؤولية الأضرار التي لحقت بمنشآتها النووية، وأن تطالب بتعويض رسمي عنها.

ومن الناحيتين القانونية والفنية، إلى أيّ مدى يمكن اعتبار مبررات الترويكا الأوروبية لتفعيل آلية الزناد مبررات ذات مصداقية؟ 

من وجهة النظر القانونية، لا تمتلك الدول الأوروبية الثلاث مبررات كافية لتفعيل آلية الزناد (المنصوص عليها في الفقرة 36 من الاتفاق النووي).

 فهذه الفقرة تنص على أنه يحق للدول المشاركة في الاتفاق، في حال اعتقادها بعدم التزام جوهري، أن ترفع المسألة إلى مجلس الأمن الدولي، غير أن هذا الاعتقاد ينبغي أن يستند إلى مبدأ حسن النية في القانون الدولي.

الدول الأوروبية الثلاث تدرك جيدا أن خفض إيران التدريجي لالتزاماتها النووية كان خطوة مشروعة ومتبادلة، جاءت ردا على انسحاب الولايات المتحدة الأحادي من الاتفاق النووي، وعدم التزام هذه الدول نفسها بتعهداتها ضمن آلية تسوية الخلافات المنصوص عليها في الاتفاق.

فضلا عن ذلك، بعد الهجوم الإسرائيلي الأخير وغير القانوني على المنشآت النووية الإيرانية، فإنّ الدول الأوروبية الثلاث إما دعمت هذا الهجوم بشكل ضمني أو صريح، أو ظهرت أدلة على تقديمها دعما لوجستيا وعسكريا لإسرائيل. 

هذا السلوك يُعد انتهاكا لالتزامات تلك الدول تجاه السلم العالمي والإطار المنصوص عليه في الاتفاق النووي، وبالتالي فإنها، من الناحية القانونية، تفتقر إلى الأهلية اللازمة للاستناد إلى آلية الزناد، كونها لم تلتزم بتعهداتها أصلا.

ومع ذلك، في عالم اليوم، حيث فقد القانون الدولي تدريجيا جزءا من سلطته، ووقعت انتهاكات صارخة للمعاهدات الدولية، كما حصل في الهجوم الإسرائيلي على إيران، لم يعد من الممكن الاعتماد فقط على الآليات القانونية الدولية، هذا الواقع يعكس تراجع فعالية أدوات القانون الدولي التقليدية، وتحدّيها من قِبل القوى الكبرى.

لذلك، ينبغي على إيران، إلى جانب المتابعة القانونية، أن تنتهج إستراتيجية سياسية نشطة، هذه الإستراتيجية يجب أن تصمَّم بشكل يجعل من فرض الضغوط على إيران خطوة مكلفة سياسيا واقتصاديا ودبلوماسيا بالنسبة إلى الفاعلين الدوليين الآخرين.

 وللأسف، في السنوات الأخيرة لم يُمنح هذا الجانب السياسي ما يكفي من الاهتمام، ومن غير الواقعي توقّع أن الاعتماد الحصري على القانون الدولي يمكن أن يغير الواقع الحالي.

 على إيران أن تتجنب الوقوع في موقع ضعف، من خلال تحريك أدواتها السياسية بذكاء على الساحة الدولية، وفي الوقت نفسه توظيف قدراتها الدبلوماسية لتثبيت موقعها.

في حال توصّلت إيران وأوروبا إلى توافق نسبي في المفاوضات، ما المتوقع من ردّ الفعل الإسرائيلي؟

كلّما سعت إيران إلى دفع علاقاتها مع دول المنطقة أو مع دول أخرى في العالم نحو التطبيع، واجهت تدخّلات إسرائيلية مباشرة، هذا النمط يُظهر أن إسرائيل تعمل بشكل ممنهج على عرقلة إعادة بناء العلاقات الطبيعية بين إيران وسائر الدول، وخصوصا في المنطقة. 

وبالنظر إلى هذا التاريخ، يمكن توقّع أنه في حال تقدّمت المفاوضات الحالية واقتربت من تحقيق نتائج إيجابية، فإنّ إسرائيل ستلجأ مجددا إلى خطوات مختلفة تهدف إلى عرقلة هذا المسار.

هذه الخطوات قد تتخذ أشكالا متعدّدة، لكن السلوك الإسرائيلي العام يدلّ على أن مثل هذه التدخّلات محتملة وواقعية.

 وبالتالي، ينبغي على إيران أن تكون مستعدة للتعامل مع هذه التحديات، وأن تواصل مسارها الدبلوماسي بحذر وبدقّة في التخطيط، تحسّبا لأي تحرّك معاد.

كيف تقيمون زيارة علي لاريجاني الأخيرة لموسكو والمشاورات بين ممثلي إيران والصين وروسيا عشية قمة إسطنبول؟ 

في السنوات الأخيرة، أدّى التصور السائد بأنّ الصين وروسيا حليفان استراتيجيان لإيران إلى نوع من خداع الذات في السياسة الخارجية الإيرانية. 

خلافا لهذا التصور، تُظهر الدراسات التي أُجريت مع باحثين ومفكرين بارزين في هذين البلدين أنّهم لا يعتبرون علاقتهم مع إيران علاقة استراتيجية.

يمكن ملاحظة هذه الحقيقة من خلال الإحصاءات أيضا؛ إذ إنّ المبادلات الاقتصادية بين إيران وكلّ من الصين وروسيا تبقى ضئيلة إذا ما قورنت بعلاقات هذين البلدين التجارية مع جيران إيران أو دول أخرى في المنطقة. 

وينطبق الأمر نفسه على التعاون العسكري، على سبيل المثال، شهد عقد شراء منظومة الدفاع الجوي “إس-300” من روسيا تأخيرات استمرت لسنوات، ولم يتم تسليمه إلا بعد لقاء الرئيس الروسي آنذاك مع باراك أوباما وبعد توقيع الاتفاق النووي (برجام).

كذلك، في العام الماضي، نُشرت تقارير تفيد بأنّ ناقلات النفط الإيرانية لم يُسمح لها، بفعل قيود غير رسمية، بالرسوّ في الموانئ الصينية، واضطُرّت إلى تفريغ حمولتها في مخازن أو ناقلات أخرى، هذا الإجراء لم يكن فقط مصحوبا بخصومات كبيرة في أسعار البيع، بل حمّل إيران تكاليف باهظة في عمليات النقل.

وفي الهجوم الإسرائيلي الأخير على إيران، جاءت مواقف الصين وروسيا ضعيفة ومتضاربة إلى حدّ كبير، فهاتان الدولتان، ورغم إدانتهما الشكلية لذلك العدوان، لم تُقدما على أي دعم صريح لإيران، بل إنّ بعض المصادر، مثل السفارة الصينية في إسرائيل، نفت تماما أي تعاون مع إيران.

كل هذه الوقائع تدلّ على خطأ في الحسابات الإيرانية عندما افترضت وجود علاقة استراتيجية فعلية مع الصين وروسيا.

إذا، برأيكم، كيف يمكن فهم مشاورات إيران مع ممثلي هذين البلدين؟ وهل تملك طهران خيارات أخرى؟

يجب الانتباه إلى أن النظام الدولي الحالي تحكمه اعتبارات المصالح القومية، وقد ولّى زمن التحالفات الاستراتيجية المستقرة. 

إنّ اختلال التوازن في علاقات إيران الخارجية، وغياب الروابط الفاعلة مع الدول الغربية ودول الجوار، أدّى إلى اعتماد مفرط على الصين وروسيا، وقد ترتّبت على هذا الاعتماد آثار سلبية، من أبرزها بيع النفط الإيراني بتخفيضات كبيرة، إلى جانب التأخير أو عدم تسليم بعض المعدات العسكرية مثل مقاتلات “سوخوي” ومنظومات الدفاع الجوي، في حين أنّ روسيا نفّذت عقودا مماثلة مع دول أخرى في المنطقة بسرعة ودون مماطلة.

وللخروج من هذا الوضع، ينبغي على إيران أن تعمل على موازنة علاقاتها بين الشرق والغرب، ورغم أن بعض الفرص السابقة قد ضاعت إلى حدّ ما، وقد تُعتبر التحركات الحالية بمثابة اللعب في “الوقت الضائع”، إلا أن المجال لا يزال متاحا لإجراء مفاوضات شاملة ومباشرة مع أوروبا والولايات المتحدة.

 مثل هذه المفاوضات من شأنها أن تساعد في إعادة ضبط العلاقات مع القوى الشرقية، بما فيها الصين وروسيا، وتُسهم في الحدّ من التبعية الراهنة.

من خلال تبنّي سياسة توازن مرنة تجمع بين المعسكرين الشرقي والغربي، يمكن لإيران أن تعظّم مكاسبها الوطنية، وتتجنّب الوقوع في موقع ضعف أمام اللاعبين الدوليين الآخرين.