تواطؤ مدّعي حقوق الإنسان مع إسرائيل في عدوانها على إيران

كتبت: رؤيا إسماعيلي

في الساعات الأولى من فجر يوم الجمعة 13 يونيو/حزيران 2025، أعلن رئيس وزراء الكيان الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، في بيان رسمي، بدء العدوان على إيران ضمن عملية أطلق عليها اسم “الأسد الصاعد”.

وقد أفاد مصدر إسرائيلي بأن جيش الاحتلال نفّذ مئات الهجمات على أهداف في أنحاء متفرقة من إيران، على خمس موجات متتالية، مشيرا إلى أن الهجمات ركزت على منشآت نووية وعسكرية، وفق ما أعلنه الجيش الإسرائيلي مسبقا.

وفي الأيام الأخيرة، عبّر عدد من الأكاديميين والمثقفين المعارضين لإيران عن مواقفهم تجاه هذا العدوان الصاروخي الإسرائيلي، محاولين تغطية أبعاده وزواياه المختلفة.

في اليوم الرابع من اندلاع المواجهات بين إيران وإسرائيل، وتحديدا يوم الاثنين 16 يونيو/حزيران  2025، أصدرت كل من نرجس محمدي، شيرين عبادي، وخمسة من نشطاء المعارضة الآخرين بيانا طالبوا فيه بوقف برنامج تخصيب اليورانيوم الذي تنفّذه إيران.

وتُعد نرجس محمدي ناشطة حقوقية وسجينة سياسية ومن أبرز معارضي نظام الجمهورية الإسلامية. وكانت قد حصلت على جائزة نوبل للسلام عام 2023 من قِبل اللجنة النرويجية للجائزة، لتكون ثاني إيرانية تنال هذا التكريم بعد شيرين عبادي.

وعلى الرغم من الانقسامات والتنافسات التي طالما ميّزت صفوف المعارضة الإيرانية في الداخل والخارج، فإن الغالبية من معارضي النظام، حينما تتعرض البلاد لهجوم خارجي يهدد سيادتها وسلامة أراضيها، يتجهون – على خلاف نمطهم المعتاد – نحو موقف موحّد تجاه العدوان على إيران.

فرغم أن تاريخ المعارضة الإيرانية منذ انتصار الثورة الإسلامية يشهد على غياب التوافق الفكري والمنهجي بينها، إلا أنه في أوقات الأزمات الكبرى، كالحرب الحالية، يسعى المعارضون إلى بناء تضامن فيما بينهم بالاستناد إلى قواسم وطنية مشتركة.

ومع ذلك، فإن شريحة من المعارضة الخارجية، في ظل الهجمات الإسرائيلية التي طالت منشآت حيوية وعمليات الاغتيال التي استهدفت مسؤولين عسكريين وعلماء نوويين، اتخذت مواقف متماشية مع أهداف الولايات المتحدة وإسرائيل، وطالبت بوقف تخصيب اليورانيوم. ولم تكتفِ بذلك، بل حمّلت إيران – التي لم تكن البادئة بالحرب – المسؤولية الكاملة عمّا لحق بالبلاد من خسائر، معتبرة أن عليها أن تتحمل تبعات ذلك وتقدّم تفسيرات.

وجاء في البيان:
“مع تأكيدنا على الحفاظ على وحدة الأراضي الإيرانية وحق الشعب في السيادة الحقيقية، نطالب بوقف تخصيب اليورانيوم من قبل إيران، وندعو إلى إنهاء فوري للحرب المدمّرة بين الجمهورية الإسلامية والنظام الحاكم في إسرائيل؛ وهي حرب لا تدمّر البُنى التحتية وأرواح المدنيين في كلا البلدين فحسب، بل تُعد تهديدا مباشرا لأسس الحضارة الإنسانية جمعاء”.

وطالب الموقّعون على البيان الأمم المتحدة والمجتمع الدولي باتخاذ خطوات عاجلة وحاسمة، لإرغام إيران على وقف تخصيب اليورانيوم، ودفع الطرفين إلى التوقف عن استهداف المنشآت الحيوية لبعضهما البعض، ووضع حدّ لقتل المدنيين في كلا الجانبين.

ورغم تأكيد إيران الدائم بأن برنامجها النووي سلميّ الطابع، فإن إسرائيل برّرت بدء هجماتها الجوية على إيران بزعم أن طهران أصبحت على وشك إنتاج قنبلة نووية، ووصفت ضرباتها بأنها “استباقية”.

وقد أثارت مواقف هذه الفئة من المعارضة في الأيام الأخيرة ردود فعل واسعة بين المواطنين، الذين سعوا – في ظل العدوان الخارجي – إلى التكاتف والتضامن في مواجهة الاعتداءات.

يقول شاهين كلانتري، وهو مهندس مدني يبلغ من العمر 32 عاما:
“التخصيب حقنا، والبرنامج النووي الإيراني كان دوما سلميا. أما أن تتخذ المعارضة في الخارج هذا الموقف، فهو – برأيي – لا يخدم الشعب بل يصبّ في مصلحة أعداء إيران. ما نحتاجه الآن هو الوحدة، لا الانقسام”.

يرى محمد رضا موسوي، معلّم يبلغ من العمر 24 عاما، أن:
“عندما تتعرض بلادنا لهجوم، لماذا يجب علينا أن نُوقف البرنامج النووي الذي بذلنا فيه جهد سنوات؟ إسرائيل نفسها تملك أسلحة نووية، ولا أحد يعترض على ذلك. المعارضة في الخارج تبدو وكأنها تطالبنا بالاستسلام للعدو الخارجي. أعتقد أن أغلب الإيرانيين الآن يفكرون في الدفاع عن الوطن قبل أي شيء آخر”.

أما شيرين عبادي ومن يشاركونها الرأي، ممّن طالما عُرفوا لسنوات بلقب “مدافعي حقوق الإنسان”، فقد تبنّوا موقفا مزدوجا في مواجهة العدوان الإسرائيلي على الأراضي الإيرانية.

وفي البيان الذي وقّع عليه سبعة من نشطاء المعارضة، توقّعوا أن تؤدي هذه الظروف إلى انتفاضة شعبية ضد الحكومة. غير أن هذا الموقف، الذي تجاهل صراحة إدانة دور إسرائيل كمُبادِرة للهجوم، يُعد أحاديا ومخالفا لمبادئ السلمية وحقوق الإنسان.

وقد طالب المعارضون بـ«الانتقال من نظام الجمهورية الإسلامية إلى الديمقراطية»، في وقت تخضع فيه البلاد لهجوم عسكري أجنبي، وهو ما يُفسَّر فعليا – في هذا الظرف الحساس – على أنه أداة لتكثيف الضغوط الخارجية.
ذلك أن العدو الذي يهاجم البُنى التحتية والمدنيين والمناطق السكنية والمستشفيات، لا يمكن أن تكون الديمقراطية ضمن أولوياته أو من اهتماماته الحقيقية.

تقول زهراء شريفي، موظفة تأمين تبلغ من العمر 45 عاما:
“لم تكتفِ المعارضة في الخارج بعدم إدانة العدوان الإسرائيلي على إيران، بل ركزت على وقف التخصيب، وكأنها تُحمّل إيران وحدها مسؤولية الأزمة. مثل هذا الموقف يُفضي إلى القبول الضمني بشرعية العدوان العسكري على بلدنا، رغم أن البُنى التحتية وأرواح المواطنين الأبرياء تتعرض للاستهداف”.

أما محمد رضا آشتیاني، طالب حقوق يبلغ من العمر 22 عاما، فقال لمراسل زاد إيران:
“عندما تُحمّل طرفا واحدا مسؤولية الحرب وتتجاهل إسرائيل التي بدأت العدوان، فأنت لا تمثل قيم السلم، بل تبرّر الحرب. أنا أؤيد وقف الحرب، لكن ليس على حساب استسلام إيران. على المعارضة أن تُفكر أكثر في الشعب داخل البلاد، وتُراعي واقعهم حين تحدد مواقفها”.

يرى كامران علي ‌بور، سائق تاكسي يبلغ من العمر 53 عاما، أن:
“من أين تستمد المعارضة في الخارج حقها في فرض الوصاية علينا؟ نحن هنا نكافح ونتحمّل أعباء الحرب، وهم يطالبون بوقف التخصيب؟ هل يعني إذا أوقفنا التخصيب، أن إسرائيل ستتوقف عن قصفنا؟ برأيي، مثل هذه التصريحات لا تفعل سوى تشجيع العدو ومنحه جرأة أكبر”.

ويزعم الناشطون السبعة الذين وقّعوا على البيان المذكور أن تخصيب اليورانيوم ليس من أولويات الشعب الإيراني. غير أن هذا الادعاء، سواء من الناحية القانونية أو من الزاوية الجيوسياسية، يفتقر إلى المصداقية؛ إذ يُعد البرنامج النووي الإيراني حقا مشروعا وقانونيا بموجب معاهدة الحد من انتشار الأسلحة النووية (NPT)، وهي المعاهدة التي تستفيد منها عشرات الدول حول العالم.

ويعلّق أمير علي سروش، موظف بنك يبلغ من العمر 29 عاما، بالقول:
“كيف يمكن لأشخاص حصلوا على جائزة نوبل للسلام أن يلتزموا الصمت تجاه العدوان الإسرائيلي على وطنهم؟ كونهم يلقون اللوم فقط على إيران، ولا يوضّحون مصادر التمويل التي يتلقونها من الولايات المتحدة، يؤكد أن أولويتهم ليست الشعب الإيراني. نحن الآن بحاجة إلى الوحدة، لا إلى مواقف منحازة تصبّ في مصلحة أعداء البلاد”.

وفي الوقت الذي وجدت فيه إيران نفسها في خضم حرب غير مرغوب بها مع إسرائيل، وتعرّضت منشآتها الحيوية والعسكرية والنووية لأضرار جسيمة، جاءت ردود فعل المواطنين الإيرانيين تجاه مواقف المعارضة في الخارج معبّرة عن روح وطنية عالية، وتمسّك قوي بالاستقلال ووحدة التراب الوطني.

وتُظهر اتجاهات الرأي العام وجود خيبة أمل مشتركة من بعض أطياف المعارضة، التي بدلا من إدانة الهجمات الإسرائيلية، ركّزت على المطالبة بوقف تخصيب اليورانيوم، وحمّلت إيران وحدها مسؤولية التصعيد.
وفي ظل تصاعد العدوان، وتكبّد البلاد خسائر فادحة، رأى الإيرانيون أن مثل هذه المواقف تتماهى مع أجندات الدول المعادية.

وعلاوة على ذلك، فإن الاتهامات الموجهة إلى مؤسسة شيرين عبادي بشأن تلقّي تمويلات ضخمة من الحكومة الأمريكية، وتزامن ذلك مع مواقفها الأخيرة، أثار شكوكا واسعة حيال دوافع هذه المجموعة من المعارضة، ومصداقية شعاراتها الحقوقية والإنسانية.

مؤسسة شيرين عبادي، التي تتعاون معها نرجس محمدي أيضا، تلقّت ما مجموعه 800 ألف دولار من الحكومة الأمريكية خلال عامي 2022 و2023. وكان دخل المؤسسة السنوي، قبل ذلك، بين عامي 2004 و2021، لا يتجاوز 5200 دولار سنويا. وقد تزامن هذا التمويل المفاجئ مع أحداث بارزة مثل مؤتمر جورج تاون 2023، ومنح جائزة نوبل لنرجس محمدي.

وتُظهر ردود فعل الشارع الإيراني أن أولوية المجتمع في أوقات الأزمات تكمن في الحفاظ على الاستقلال الوطني، والوقوف في وجه الضغوط الخارجية.
وفي هذا السياق، لم تتمكن المعارضة في الخارج من كسب ثقة الرأي العام، إذ يُنظر إلى مواقفها على أنها منفصلة عن الواقع الداخلي، وتفتقر إلى الشفافية، بل ويراها كثيرون بأنها تصبّ في خدمة أجندات معادية لإيران، وتؤدي دورا يصبّ في مصلحة أعداء البلاد بدلا من الوقوف إلى جانب شعبها.