إيران تُعيد صياغة قواعد التعامل النووي.. لماذا علقت العمل مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية؟

في خطوة جريئة تعكس تصميمها على حماية مصالحها الوطنية، قررت طهران رسميا تعليق تعاونها مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، مع مصادقة الرئيس مسعود بزشكيان على قانون أقره البرلمان في ضوء الضربات الأمريكية والإسرائيلية على منشآت نووية خلال الحرب مع الدولة العبرية، في خطوة “مثيرة للقلق” بالنسبة للأمم المتحدة و”غير مقبولة” بالنسبة لواشنطن، وقرار أثار جدلا واسعا على الساحة الدولية.

هذا القرار، الذي أقره البرلمان الإيراني بأغلبية ساحقة (221 صوتا) يوم الأربعاء 25 يونيو/حزيران 2025، يمثل نقطة تحول في سياسة إيران النووية، حيث تسعى للدفاع عن سيادتها وحقوقها في ظل تحديات أمنية وسياسية متصاعدة.

وفي هذا الصدد أكد إسماعيل بقائي، المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية، في مقابلة مع قناة الجزيرة القطرية، نقلتها وكالة تسنيم للأنباء، أن قرار البرلمان بتعليق التعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية يعبر عن إرادة الشعب ويأتي ردا على الهجمات غير القانونية ضد إيران، وأضاف أن الوكالة بحاجة إلى بناء الثقة وإدانة واضحة للاعتداءات على إيران، مشيرا إلى أن البرلمان الإيراني يملك الحق في التشكيك بمواقف الوكالة.

وأعلنت الوكالة الدولية للطاقة الذرية، في بيان رسمي، الجمعة 4 يوليو/تموز 2025، أن فريق مفتشيها غادر العاصمة الإيرانية طهران بسلام، عائدا إلى مقر الوكالة في فيينا، بعد إقامته في إيران خلال الفترة الأخيرة التي شهدت توترات عسكرية.

أزمة ثقة متفاقمة

إيران، كعضو في معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية (NPT)، التزمت منذ عقود بالتعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية لضمان الطابع السلمي لبرنامجها النووي، ومع ذلك، شهدت العلاقة بين الطرفين توترات متكررة، خاصة في السنوات الأخيرة، بسبب ما تعتبره إيران انتهاكات لسيادتها وتقصيرا من الوكالة في حماية منشآتها النووية. 

هذه الأزمة تفاقمت مع الهجمات التي استهدفت منشآت نووية إيرانية، والتي تُنسب إلى إسرائيل بدعم أمريكي، دون إدانة واضحة من الوكالة.

في هذا السياق، أصدر البرلمان الإيراني قانونا يلزم الحكومة بتعليق التعاون مع الوكالة، استنادا إلى المادة 60 من اتفاقية فيينا لعام 1969، التي تتيح للدول تعليق التزاماتها في حال خرق الطرف الآخر للمعاهدات. 

القانون، الذي حظي بموافقة 221 نائبا دون أي معارضة، يشترط استيفاء شروط محددة لاستئناف التعاون، وهي:

  • ضمان احترام السيادة الوطنية.
  • أمن المنشآت النووية.
  • حقوق إيران بموجب معاهدة عدم الانتشار.

دوافع القرار

1. التهديدات الأمنية المتصاعدة

إيران تواجه تهديدات أمنية مستمرة تستهدف برنامجها النووي السلمي. الهجمات الإلكترونية، التفجيرات، وحتى اغتيال علماء نوويين بارزين، مثل محسن فخري زاده في عام 2020، أثارت مخاوف طهران من أن الوكالة لم تفِ بالتزاماتها بحماية المنشآت النووية.. هذه الهجمات، التي تتهم إيران إسرائيل والولايات المتحدة بالوقوف وراءها، لم تواجه إدانة واضحة من الوكالة، مما زاد من انعدام الثقة

2. اتهامات بالتحيز والتجسس

اتهامات خطيرة وجهتها إيران للوكالة، خاصة في ما يتعلق بدور بعض مفتشيها، وفقا لتصريحات كامران غضنفري، عضو البرلمان الإيراني، فإن معلومات جمعها مفتشو الوكالة تم تسريبها إلى إسرائيل والولايات المتحدة، مما سهّل تنفيذ هجمات ضد منشآت نووية إيرانية، هذه الاتهامات، إلى جانب تقارير الوكالة التي وصفتها طهران بالمتحيزة، عززت الاعتقاد بأن الوكالة أصبحت أداة سياسية في يد القوى الغربية.

وفي وقت سابق أشار تقرير الوكالة الدولية للطاقة الذرية (31 مايو/أيار 2025)، إلى استمرار إيران في تطوير أسلحة نووية دون أدلة جديدة، مستندا إلى أنشطة قديمة بمواقع يُزعم احتواؤها على مواد نووية غير معلنة. 

هذا التقرير دفع مجلس محافظي الأمم المتحدة (12 يونيو/حزيران 2025) إلى اتهام إيران بانتهاك التزامات منع الانتشار، مما وفر لإسرائيل ذريعة لهجوم غير قانوني (13 يونيو/حزيران 2025)، وقد كشف موقع “كريدل” الإخباري (The Cradle) أن برنامج “موزاييك”، الذي طورته شركة “بالانتير” (Palantir Technologies)، وهي شركة أمريكية متخصصة في تحليل البيانات وتكنولوجيا المراقبة، يلعب دورا محوريا في عمليات الوكالة الرقابية. 

هذا البرنامج، المدمج في الاتفاق النووي منذ عهد أوباما، يجمع بيانات هائلة من المنشآت الإيرانية، وضمن ذلك صور المراقبة وقياسات أجهزة الاستشعار ومع ذلك، ظل دوره مخفيا حتى كشفه بلومبرج (مايو/أيار 2018)، قبل انسحاب ترامب من الاتفاق النووي.

ووفقا لبلومبرغ، تشكل “موزاييك” (بتكلفتها 50 مليون دولار) جوهر تحليلات الوكالة، حيث تحول البيانات السرية إلى خرائط تصور العلاقات بين الأشخاص والمواد النووية لكن خبيرا بريطانيّا حذر من مخاطر إدخال بيانات زائفة، مما قد يؤدي إلى نتائج مضللة، مشيرا إلى أن “الافتراضات الخاطئة تُنتج ظلالا زائفة”.

وختم “كريدل” تقريره بالإشارة إلى أن إطلاق “موزاييك” قبل الاتفاق النووي (2015) يوحي بأنه صُمم لاستهداف إيران، وتركيز الوكالة الدولية للطاقة الذرية على إيران، مع شكوك حول تزويدها إسرائيل بأسماء علماء نوويين اغتيلوا لاحقًا، يثير تساؤلات عما إذا كان الاتفاق عملية تجسس للتحضير للحرب الأخيرة، خاصة مع موجة اغتيالات علماء نوويين وقادة الحرس الثوري في بداية الصراع الإسرائيلي-الإيراني.

3. إهمال الحقوق النووية لإيران

بموجب المادة الرابعة من معاهدة حظر الانتشار النووي (NPT)، تملك إيران الحق في تطوير الطاقة النووية السلمية، وضمن ذلك تخصيب اليورانيوم ومع ذلك، تعتقد طهران أن الوكالة، تحت ضغوط خارجية، تجاهلت هذه الحقوق وركزت بدلاً من ذلك على تقييد برنامجها النووي. 

على مدى عقدين، لم تتلق إيران المساعدة الدولية المنصوص عليها في المعاهدة، بل واجهت عقوبات وعراقيل من الولايات المتحدة وأوروبا لتعطيل برنامجها.

الأسس القانونية للقرار

يستند قرار إيران إلى المادة 60 من اتفاقية فيينا، التي تتيح تعليق الالتزامات في حال خرق الطرف الآخر للمعاهدات، وفقا للقانون الإيراني، فإن التعاون مع الوكالة سيظل معلقا حتى:

  • uncheckedيتم ضمان احترام السيادة الوطنية وسلامة الأراضي الإيرانية، مع حماية المنشآت النووية والعلماء وفقاً لميثاق الأمم المتحدة.
  • uncheckedيتم احترام حقوق إيران الكاملة بموجب المادة الرابعة من معاهدة عدم الانتشار، خاصة فيما يتعلق بتخصيب اليورانيوم داخل البلاد.

كما يتطلب القانون من الحكومة تقديم تقارير دورية كل ثلاثة أشهر إلى البرلمان والمجلس الأعلى للأمن القومي حول مدى تحقيق هذه الشروط، مما يعكس جدية إيران في متابعة تنفيذ القرار.

رسالة واضحة للمجتمع الدولي

قرار إيران لا يعني انسحابها من معاهدة حظر الانتشار (NPT)، بل هو محاولة لإعادة تعريف شروط التعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية من خلال هذه الخطوة، ترسل طهران رسالة واضحة إلى المجتمع الدولي: 

  • لن تستأنف التعاون إلا إذا تم احترام سيادتها وحقوقها بشكل كامل. 
  • هذا القرار يعكس استراتيجية إيران للدفاع عن برنامجها النووي السلمي في مواجهة الضغوط الخارجية والتهديدات الأمنية.
  • على الصعيد الدبلوماسي، قد يؤدي القرار إلى تصعيد التوترات مع الوكالة والقوى الغربية، خاصةً الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، اللذين يفرضان عقوبات اقتصادية صارمة على إيران ومع ذلك، يرى مراقبون أن هذه الخطوة قد تعزز موقف إيران التفاوضي، حيث تسعى لإجبار الوكالة على الالتزام بالحيادية والابتعاد عن التأثيرات السياسية.

دور غروسي المشبوه

أثارت تصرفات رافائيل غروسي، المدير العام للوكالة، انتقادات حادة في إيران، فتقاريره، التي وصفتها طهران بالمتحيزة، قدمت مبررات للأعمال العدائية ضد منشآتها النووية. 

كما أن صمته حيال الهجمات على هذه المنشآت عزز الاعتقاد بأن الوكالة تخضع لضغوط سياسية، مما جعل استمرار التعاون معها غير مجدٍ من وجهة نظر إيران.

تحديات وفرص

قرار إيران يحمل تحديات دبلوماسية كبيرة، لكنه في الوقت ذاته يعكس تصميما على حماية السيادة الوطنية وإعادة صياغة العلاقات مع المؤسسات الدولية بما يخدم مصالح البلاد من خلال تعليق التعاون، تسعى إيران لإجبار الوكالة على إعادة تقييم نهجها والالتزام بالحيادية والشفافية. 

ومع ذلك، قد يؤدي هذا القرار إلى زيادة العزلة الدولية لإيران، خاصة إذا استمر الغرب في فرض عقوبات جديدة، في المحصلة، يمثل قرار إيران خطوة استراتيجية للدفاع عن مصالحها الوطنية وحماية برنامجها النووي السلمي.

كلمات مفتاحية: