- زاد إيران - المحرر
- 945 Views
في الثالث عشر من يونيو/حزيران 2025 فجر يوم الجمعة المشؤوم، اهتزت إيران على وقع هجوم إرهابي غادر شنه النظام الإسرائيلي استهدف نخبة من قادتها العسكريين والعلماء النوويين البارزين.
من بين قوائم الشهداء، برز اسم محمد مهدي طهرانجي، رئيس جامعة آزاد الإسلامية، الذي أضاء دروب العلم والمعرفة، تاركا إرثا لا يُمحى في قلوب الإيرانيين، لم يكن مجرد عالم نووي، بل كان رمزا للمقاومة العلمية، قائدا أكاديميا جمع بين عبقرية الفيزياء وروح الثورة، حتى أطفأ الإرهاب نوره، لكنه لم يطفئ شعلة إرثه.
البدايات: شرارة العلم في قلب طهران
ولد محمد مهدي طهرانجي عام 1965 بطهران، في بيئة مشبعة بالطموح والإيمان.
منذ صغره، أظهر شغفا بالفيزياء، فكان يرى في قوانين الطبيعة أسرار الكون التي تستحق الاستكشاف، التحق بجامعة الشهيد بهشتي لدراسة الفيزياء، حيث أظهر تفوقا استثنائيا، ليحصل لاحقا على درجة الدكتوراه في الفيزياء الذرية والجزيئية من الجامعة ذاتها.
لم يكتفِ بالدراسة المحلية، بل سافر إلى روسيا، حيث نال أعلى درجة أكاديمية في الفيزياء من جامعة موسكو عام 1997، متخصصا في الليزر والفوتونيات.

رغم العروض المغرية من مراكز علمية عالمية، اختار طهرانجي العودة إلى إيران، مؤمنا بأن وطنه هو المكان الأنسب لتسخير علمه في خدمة الاستقلال الوطني، هذا القرار كان بمثابة إعلان حرب ضد العقوبات والتحديات، وبداية مسيرة حافلة بالإنجازات.
1997 -2012: أستاذ الفيزياء النموذجي
عند عودته إلى إيران، انضم طهرانجي إلى هيئة التدريس بجامعة الشهيد بهشتي، حيث أصبح أستاذا متميزا في الفيزياء، لم يقتصر دوره على التدريس، بل كان بمثابة مهندس فكري، يزرع بذور الابتكار في عقول طلابه.
خلال مسيرته، درّس في أكثر من 40 جامعة إيرانية، ونشر عشرات الأبحاث في مجلات علمية مرموقة، مركزا على تطبيقات الليزر والفوتونيات في الصناعات الدفاعية والطاقة النووية السلمية، في عام 2012، حصد لقب الأستاذ النموذجي على المستوى الوطني، تكريما لتفانيه وتأثيره.
2012 -2018: قائد التحول الأكاديمي
في عام 2012، عُيّن طهرانجي رئيسا لجامعة الشهيد بهشتي، ليبدأ مرحلة جديدة من الإصلاحات الأكاديمية.
ركّز على تطوير الكوادر العلمية الشابة، وتعزيز البحث العلمي، وربط الجامعة باحتياجات المجتمع. أسس معهد أبحاث الليزر وكلية التقنيات الجديدة، اللذين شكلا قفزة نوعية في تطوير التكنولوجيا النووية السلمية والدفاعية.

كما شغل مناصب إدارية عليا، منها نائب رئيس الجامعة للشؤون التنفيذية، وعضوية اللجنة العلمية للوثيقة الاستراتيجية الوطنية لتطوير العلوم.
2018 -2025: رئاسة جامعة آزاد الإسلامية
في عام 2018، تولى طهرانجي رئاسة جامعة آزاد الإسلامية، أكبر جامعة في إيران، ليصبح مهندس التحول الأكاديمي على المستوى الوطني.
رؤيته كانت طموحة: تحويل الجامعة إلى مؤسسة ريادية من الجيل الثالث، تركز على حل المشكلات المجتمعية ودعم الصناعة.
أدخل إصلاحات جذرية، مثل تحسين نظام المراسلات الإدارية، تنفيذ خطة “حامي” لتعزيز الكفاءة الإدارية، ومراجعة الهيكل التنظيمي للجامعة، كما ركز على نشر ثقافة المهدوية، وربط العلم بالقيم الإسلامية، مما جعل الجامعة مركزًا للإبداع الثقافي والعلمي.
رمز المقاومة: مواجهة الإرهاب والعقوبات
لم تكن مسيرة طهرانجي خالية من التحديات، كان اسمه مدرجا على قوائم العقوبات الأمريكية منذ عام 2020، بسبب دوره المحوري في البرامج النووية السلمية، تعرض لتهديدات متكررة بالاغتيال، لكنه ظل صلبًا، مؤمنًا بأن العلم هو سلاح المقاومة.

في 13 يونيو/حزيران 2025، نفذ النظام الإسرائيلي بضوء أخضر من الولايات المتحدة الأمريكية هجوما إرهابيا استهدف نخبة العلماء الإيرانيين، ليستشهد طهرانجي إلى جانب آخرين، تاركا فراغا في الأوساط الأكاديمية، لكنه زرع بذورا ستظل تنمو في قلوب طلابه وأساتذته.
إرث خالد: العلم في خدمة الأمة
كان طهرانجي أكثر من عالم؛ كان مفكرا قرآنيا، يربط بين العلم والإيمان، في كلمات علي رضا فيروزفر، رئيس جامعة آزاد في طهران، كان “قائدا ميدانيا يذكّر بالشهيد قاسم سليماني“، إضافة إلى معرفته بالتكنولوجيا النووية وفيزياء الكم والليزر والفوتونيات، كان مفكرا قرآنيا، مشيرا إلى أنه كان يفسر آيات القرآن دائما بطريقة ما ويربط جذور العلم بهذه الآيات القرآنية.
كما ساهم في تأسيس مهرجان “بشرات” الشعري، مؤكدا أهمية الثقافة إلى جانب العلم، كما قال عنه نائب رئيس جامعة آزاد الإسلامية فرج الله براتي: “كان طهرانجي نموذجا للإيمان والتقوى، وضع العلم في خدمة الدين والثورة”، وفي إشارة إلى نجاحات الجامعة في البرامج الثقافية مثل “راهيان نور”، أضاف رئيس جامعة آزاد شهرام لك في خوزستان: “نحن ملتزمون بمواصلة طريق هذا الشهيد بقوة واستخدام كل قوتنا لخدمة شباب الثورة”.
وعن أبرز إنجازات هذا العالم الشهيد التي لا تُنسى في طهران، أكد نائب رئيس جامعة آزاد فرج الله براتي أن طهرانجي قدم إسهامات بارزة، منها: التركيز على قضايا التعليم، إصدار توجيهات ثقافية، تأكيد تحويل العلم إلى تكنولوجيا، تعزيز الوحدة بين المجال الأكاديمي والجامعي، والسعي للتقريب بين الأديان والقوميات المتنوعة.
زنجان تبكي قائد المعرفة

في زنجان، أقيم حفل تأبين مهيب في مسجد فاطمة الزهراء بجامعة آزاد، بحضور عوائل الشهداء والمسؤولين، بينما كانت طهران تشيع جثمانه في مسجد الرسول الأعظم ببلدة محلاتي، كانت الأمة الإيرانية تتعهد بمواصلة مسيرته، لم يكن طهرانجي مجرد أستاذ، بل كان جيشًا من المعرفة، قاتل في خنادق العلم، وترك إرثا سيظل يلهم أجيالا قادمة.

