30 % من الإيرانيين يعانون من الوباء الصامت الذي يهدد الإبصار.. هذه الوظائف تسبب جفاف العين؟

البصر نعمة عظيمة تُشكل نافذة الإنسان على العالم، تُضفي على الحياة ألوانها ومعانيها، وتُمثل ركيزة أساسية في كل جانب من جوانب الوجود، منذ اللحظات الأولى للطفولة، حيث يبدأ الإنسان استكشاف محيطه، وحتى مرحلة البلوغ بتعقيداتها، يُعتبر البصر حجر الزاوية في التعلم، الحركة، القراءة، الدراسة، والقيام بالمهام اليومية، إنه الجسر الذي يربط الفرد بالعالم الخارجي، لكنه غالبًا ما يُؤخذ كأمر مسلَّم به حتى يتعرض للضعف أو الفقدان.

يُعرف ضعف البصر بأنه أي اضطراب يُعيق عمل الجهاز البصري نتيجة مرض أو خلل في العين أو مساراتها العصبية، قد يظهر هذا الضعف في أي مرحلة عمرية، سواء لدى الأطفال أو البالغين، وقد يتراوح بين مشاكل بسيطة يمكن تصحيحها بسهولة إلى حالات معقدة تتطلب تدخلات طبية متقدمة. إذا أُهملت هذه المشكلات، قد تؤدي إلى تدهور جودة الحياة، مما يؤثر على القدرة على العمل، الدراسة، أو حتى الاستمتاع بالأنشطة اليومية.

في ظل الثورة الرقمية التي اجتاحت حياتنا، تواجه عيوننا تحديات غير مرئية أبرزها ما يُعرف بـ”جفاف العين”، هذا الخصم الخفي الذي يسرق الراحة من ملايين الأشخاص يومياً.. تخيل أن تفتح عينيك صباحاً لتواجه حرقاناً يشبه لسعة النار، أو ضباباً يحجب رؤيتك الواضحة، كل ذلك بسبب اختلال بسيط في طبقة الدموع الرقيقة التي تحمي سطح العين. 

Image

وفقاً لتقارير طبية حديثة، يعاني ما بين 10 إلى 30% من السكان من هذه الحالة، التي قد تقلل من جودة الحياة بقدر آلام القلب، كما أكدت دراسات حديثة، في هذا التقرير نستعرض تفاصيل جديدة عن هذا المرض الشائع، مع التركيز على توصيات الخبراء، ومقابلة أجرتها وكالة تسنيم للأنباء مع الدكتور هاشم دريبري، أخصائي زراعة القرنية والخلايا الجذعية في مستشفى بقية الله، لنسلط الضوء أكثر على مخاطر هذا الوباء الصامت.

ما هو جفاف العين؟ 

جفاف العين ليس مجرد إزعاج عابر، بل هو اضطراب مزمن يحدث عندما تفشل الدموع في توفير الترطيب الكافي لسطح العين، هذه الطبقة السائلة الرقيقة، المكونة من مزيج من الماء والزيوت والمخاط، تعمل كحاجز واقٍ ضد الجفاف والعدوى. 

عند اختلال توازنها، يتعرض سطح العين للتهيج، مما قد يؤدي إلى تلف دائم في القرنية إذا لم يُعالج، جفاف العين ناتج عن نقص الدموع الكافية، الدموع مزيج من الماء والزيت والمخاط، تُشكّل حاجزاً واقياً ضد الجسيمات الغريبة، لدى بعض الأشخاص، يُعزى جفاف العين إلى نقص إنتاج الدموع، بينما يُعزى لدى آخرين إلى تبخر الدموع بشكل غير طبيعي.

وفقاً لمنظمة الصحة العالمية، يُصيب هذا المرض أكثر من 5% من البالغين عالمياً، مع ارتفاع النسبة بين النساء فوق سن الأربعين بسبب التغيرات الهرمونية، في إيران، أصبحت هذه الحالة أكثر شيوعاً اليوم بسبب نمط الحياة الحديث، حيث انخفض سن الإصابة بأمراض العيون بشكل ملحوظ، خاصة بين الأطفال الذين يقضون ساعات طويلة أمام الهواتف الذكية والأجهزة اللوحية.

علامات لا تتجاهلها!

تبدأ الأعراض عادة بإحساس بسيط بالجفاف، لكنها تتطور سريعاً إلى حرقان شديد، حكة مزعجة، واحمرار يشبه التهاباً، قد تلاحظ إفرازات لزجة في زوايا العينين، حساسية للضوء، أو شعوراً بوجود جسم غريب داخل العين، في الحالات المتقدمة، يحدث ضعف مؤقت في الرؤية بسبب جفاف السطح البصري، مما يعيق الأنشطة اليومية مثل القراءة أو القيادة.. دراسات حديثة تشير إلى أن التدخين يفاقم هذه الأعراض، حيث يقلل من جودة الدموع، كما أن نقص فيتامين A أو أحماض أوميغا-3 يزيد من الخطر، إذا كنت تشعر بتلك العلامات، فهي إشارة لزيارة الطبيب فوراً، قبل أن تتحول إلى مضاعفات مثل التهاب القرنية.

4 أسباب لعدم إنتاج الدموع بشكل كافٍ

• سن اليأس والاضطرابات الهرمونية.

• الإصابة بأمراض مزمنة مثل السكري، والتهاب المفاصل الروماتويدي، والذئبة، والتصلب الجلدي، ومتلازمة سجوجرن، واضطرابات الغدة الدرقية، ومرض باركنسون ، وغيرها.

• استخدام بعض الأدوية مثل مضادات الهيستامين، ومضادات الاكتئاب، وأدوية ضغط الدم، وموانع الحمل، ومزيلات الاحتقان، وغيرها.

من الشاشات إلى المطابخ!

يُعد التقدم في العمر أحد الأسباب الرئيسية، حيث ينخفض إنتاج الدموع تدريجياً. كما تساهم الأمراض المزمنة مثل السكري، التهاب المفاصل الروماتويدي، واضطرابات الغدة الدرقية في تفاقم الحالة، الأدوية مثل مضادات الهيستامين ومضادات الاكتئاب تقلل من إفراز الدموع، بينما العوامل البيئية كالهواء الجاف، التكييف، الرياح، أو استخدام العدسات اللاصقة لفترات طويلة تزيد من الخطر. 

المهن التي تزيد من خطر جفاف العين

بعض المهن أكثر عرضة للإصابة بجفاف العين: العاملون أمام الحواسيب لساعات طويلة، مثل المبرمجين والموظفين المكتبيين، يعانون من انخفاض معدل الرمش، مما يسرع تبخر الدموع. كما يواجه عمال البناء، الطباخون، مصففو الشعر، والممرضات مخاطر أعلى بسبب التعرض للغبار، الحرارة، أو المواد الكيميائية.

وفقاً لـ الدكتور هاشم دريبري، أخصائي زراعة القرنية والخلايا الجذعية في مستشفى بقية الله، يُعد جفاف العين مشكلة شائعة تصيب 10 إلى 30% من الأشخاص، ويُرجع الدكتور دريبري أسبابها الرئيسية إلى العوامل البيئية والمهنية، يؤكد الطبيب أن بعض المهن تزيد بشكل ملحوظ من خطر الإصابة بهذا المرض، خاصة تلك التي تتضمن التعرض المطول للبيئات الجافة أو الاستخدام الزائد للشاشات، مما يقلل من إفراز الدموع ويسرع من تبخرها.

أبرز المهن المتضررة

1• المهن المكتبية والتكنولوجية (مثل المبرمجين والموظفين أمام الحواسيب): تتطلب الجلوس لساعات طويلة أمام الشاشات، مما يقلل من معدل الرمش الطبيعي ويسبب جفافاً سريعا، يقول الدكتور: “المهن التي تتطلب الجلوس أمام الشاشات لساعات طويلة تزيد من خطر الإصابة بجفاف العين”.

2• العمل في بيئات مكيفة أو جافة (مثل المكاتب أو الغرف المغلقة): الهواء الجاف الناتج عن التكييف يزيد من التبخر السريع للدموع، مما يجعل هذه البيئات عالية الخطورة.

3• المهن الخارجية في مناطق جافة أو متربة (مثل العاملين في الصحراء أو المناطق ذات الرياح القوية): التعرض المباشر للرياح والغبار يهيج سطح العين ويسبب جفافاً مزمنا، وشدد الدكتور دريبري على أهمية الوقاية في هذه المهن من خلال استخدام قطرات الترطيب الاصطناعية، زيادة الرمش الواعي، واستخدام مرطبات الهواء، لتجنب تدهور جودة الحياة الناتج عن هذه الحالة، إذا كنت تعمل في إحدى هذه المهن، يُنصح بزيارة طبيب عيون دورياً للكشف المبكر.

أبرز أمراض العيون الشائعة 

كما أكد الدكتور نافيد نيلفورشان، عضو هيئة التدريس بجامعة إيران للعلوم الطبية، أن أمراض العيون الشائعة تشمل أمراض العيون الأكثر شيوعًا في إيران إعتام عدسة العين (الكتاراكت)، والزرق (المياه الزرقاء)، وتغيرات العين الناتجة عن التقدم في السن ومرض السكري. 

بعض هذه الأمراض لها علاج نهائي، وبعضها الآخر يؤدي إلى العمى أو ضعف البصر لدى المرضى نظرًا لمخاطرها، وأضاف عضو هيئة التدريس بجامعة إيران للعلوم الطبية: “بعض أمراض العيون التي يسببها مرض السكري ترتبط بضعف البصر في مراحل معينة من المرض، وإذا لم يراجع الأشخاص الطبيب في وقت متأخر، فقد يصابون بالعمى”. 

وأرجع نيلفوروشان الأسباب الرئيسية وراء جفاف العين إلى “نمط الحياة واستخدام الأجهزة الإلكترونية، بما في ذلك الهواتف المحمولة والأجهزة اللوحية والكمبيوتر، خاصة عند الأطفال، انخفض سن حدوث أمراض العيون في البلاد”.

وأوضح أن مجال طب العيون يعتمد على المعدات الطبية، مضيفاً: “يتم إجراء العديد من العمليات الجراحية في مجال طب العيون بمساعدة المعدات الطبية، وعلى هامش هذا المؤتمر أقيم معرض للمنتجات المعرفية والمنتجة محلياً في المجال الطبي”.

وأكد الدكتور هاشم دريبري، أخصائي زراعة القرنية والخلايا الجذعية في مستشفى بقية الله، أن “الشعور بجفاف العين وحرقانها وحكة واحمرارها، وظهور إفرازات خفيفة في زوايا العينين، هي من أبرز أعراض هذا المرض”، وهذه المشكلة تقلل من جودة حياة الناس، وبحسب الدراسات، فإن جفاف العين يمكن أن يقلل من جودة حياة الناس بقدر آلام القلب”. 

طرق الوقاية والعلاج

للوقاية، يُنصح بتجنب الشاشات لفترات طويلة، مع اتباع قاعدة 20-20-20: كل 20 دقيقة، انظر إلى شيء على بعد 20 قدماً لمدة 20 ثانية، استخدم مرطبات الهواء، وتناول أطعمة غنية بأوميغا-3 مثل السمك والمكسرات، في العلاج، تبدأ بالقطرات الاصطناعية لترطيب العين، وقد تشمل الحالات الشديدة حقن أو جراحة لإصلاح الغدد الدمعية، تذكر، زيارة الطبيب المبكرة تحول دون المضاعفات، خاصة مع انتشار الأجهزة الإلكترونية.

جفاف العين ليس مصيراً محتوماً، بل يمكن السيطرة عليه بتغييرات بسيطة في نمط الحياة، أبقِ عينيك رطبة باستمرار، ابتعد عن مسببات المرض، واستشر الخبراء لتحافظ على رؤيتك الواضحة في عالم مليء بالتحديات.