الموساد يكشف شبكة إيرانية يقودها ضابط رفيع في فيلق القدس

تعيش الساحة الإقليمية والدولية منذ سنوات حالة من التصعيد الصامت بين طهران وتل أبيب، تتخذ طابعاً استخباراتياً معقداً يتجاوز حدود الحرب التقليدية، ففي ظل هذا الصراع الخفي، تتكاثر الاتهامات المتبادلة حول شبكات تجسس وعمليات سرية يزعم ارتباطها بمؤسسات عسكرية وأمنية إيرانية، بينما تواصل إسرائيل من جانبها تسريب معلومات وبيانات استخباراتية تظهر الصراع على أنه مواجهة مفتوحة بين جهازي الأمن في البلدين.

وفي فصل آخر من فصول تلك الحرب، أعلن جهاز المخابرات والعمليات الخاصة الإسرائيلي، الموساد، في بيان رسمي صادر عن مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتانياهو، الأحد 26 أكتوبر/تشرين الأول 2025، عن كشف شبكة تجسس تابعة لـ”فيلق القدس” في الحرس الثوري الإيراني، يقودها ضابط رفيع المستوى يدعى العميد عمار، متهم بتنسيق وتنفيذ سلسلة من الهجمات ضد مؤسسات وأهداف يهودية وإسرائيلية في عدد من الدول الغربية.

Image

هذا وقد نقلت صحيفة “تايمز أوف إسرائيل”، نقلاً عن جهاز الموساد، أن الشبكة التي تُعرف داخل فيلق القدس باسم الوحدة 11000، كانت تعمل بإشراف مباشر من قائد الفيلق إسماعيل قاآني، وتختص بالتخطيط وتنفيذ عمليات تخريب، وحرائق متعمدة، واغتيالات في الخارج، ضمن ما وصفه الموساد بالاستراتيجية الإيرانية للإرهاب بالوكالة.

وأوضح الموساد أن الكشف عن هذه الشبكة جاء بعد تعاون استخباراتي واسع مع أجهزة أمنية في عدد من الدول، مما أدى إلى إحباط مخططات متكررة لإيران خلال عامَي 2024 و2025، واعتقال عدد من عناصرها في اليونان، وألمانيا، وأستراليا، مؤكداً أن الشبكة كانت تستخدم عناصر غير إيرانيين وأعضاء من عصابات إجرامية منظمة لتنفيذ مهامها، بهدف إخفاء الدور المباشر لطهران، وأضاف أن فيلق القدس شدد على تطبيق مبدأ فصل المهام بين عناصر الشبكة لضمان السرية ومنع تسرب المعلومات.

Image

ووفقاً للصورة التي نشرها جهاز الموساد الإسرائيلي، والتي أتت تحت عنوان “قادة بارزون في جهاز الإرهاب التابع لفيلق القدس”، فإن التنظيم يبدأ باللواء إسماعيل قاآني، القائد العام للفيلق والمسؤول الأول عن إدارة عملياته الخارجية، ويعد قاآني، الذي خلف قاسم سليماني في المنصب عام 2020، أحد أبرز الشخصيات الأمنية في النظام الإيراني، ويتهمه الموساد بالإشراف المباشر على التخطيط للعمليات الإيرانية خارج البلاد.

ويليه في الترتيب محمد رضا أنصاري، نائب قائد الوحدة 840، والمسؤول عن الملفات المرتبطة بإسرائيل، إلى جانب عتيق باكري، الذي يقود الوحدة نفسها والمكلف بإدارة العمليات الخاصة الحساسة في الخارج، كما تضم الشبكة، حسب الصورة، العميد فرداد عمار، المسؤول عن الوحدة.

وفي المستويات التنفيذية، تبرز أسماء عدد من قادة الأقسام الميدانية، من بينهم محمود رضائي، المسؤول عن العمليات الخاصة ضد إسرائيل، ومحسن بدرني، الذي يدير الأنشطة العملياتية في الولايات المتحدة وأوروبا، إضافة إلى مرتضى بابائي، المشرف على العمليات في شرق آسيا وأفريقيا، وجواد شرفي‌آ، الذي يتولى قيادة العمليات الخاصة في القارة الآسيوية.

وبحسب التقديرات الاستخباراتية الإسرائيلية الواردة في التقرير، فإن العميد عمار يقود نحو 11 ألف عنصر منخرطين في عمليات سرية داخل وخارج إيران، وتركز أنشطتهم على استهداف مصالح إسرائيلية ويهودية في أوروبا، وأمريكا اللاتينية، الأنشطة التي، وحسب التقرير، قد تصاعدت بشكل ملحوظ بعد هجوم 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 الذي نفذته حركة حماس ضد إسرائيل، إذ سعت طهران، حسب الادعاء الإسرائيلي، إلى توسيع نطاق عملياتها السرية للانتقام من الدعم الغربي لإسرائيل، واستهداف الجاليات اليهودية عبر العالم.

وقد زعم التقرير أن هناك ثلاث عمليات قد فشلت بالفعل لتلك الوحدة، أولاها في اليونان، عندما أعلنت شرطة مكافحة الإرهاب في يوليو/تموز 2024 عن اعتقال سبعة أشخاص، بينهم إيرانيان، بتهمة التخطيط لإشعال الحرائق في فندق مملوك لمواطن إسرائيلي وكنيس في وسط أثينا، وأكد الموساد أن العملية كانت تهدف إلى ترهيب الجالية اليهودية وتهيئة الظروف لهجمات أكبر مستقبلاً.

الثانية في ألمانيا، عندما كشفت النيابة العامة في يوليو/تموز 2025 أن الشرطة الدنماركية قد اعتقلت رجلاً بتهمة جمع معلومات عن مواقع وشخصيات يهودية في برلين لصالح أجهزة المخابرات الإيرانية، وأشارت مصادر الموساد إلى أن هذه العملية كانت جزءاً من نشاط الشبكة التابعة للعميد عمار.

كذلك في أستراليا، فقد أعلنت السلطات في أغسطس/آب 2024 عن إحباط مخطط لاستهداف كنيس أداس إسرائيل في ملبورن ومطعم يهودي في سيدني، مؤكدة أن تمويل العملية مرتبط بالسفارة الإيرانية في كانبيرا، وأعقب ذلك طرد السفير الإيراني وثلاثة دبلوماسيين، بالإضافة إلى إغلاق السفارة الأسترالية في طهران، في خطوة اعتبرت غير مسبوقة منذ الحرب العالمية الثانية.

وقال الموساد إن هذه الإخفاقات المتكررة شكَّلت ضربة قوية للبنية العملياتية الخارجية للنظام الإيراني، وتسببت في خسائر دبلوماسية فادحة لطهران، مضيفاً أن الكشف عن هذه الشبكة يندرج ضمن حملته العالمية لتفكيك الشبكات الإيرانية، والتي تمكنت، حسب زعمه، من إحباط أكثر من 20 عملية في دول مختلفة، من بينها المملكة المتحدة منذ العام 2022.

كما ذكر البيان أن الشبكة نفذت خلال العامين الماضيين هجمات حرق وتخريب متفرقة ضد مؤسسات وشركات يهودية، في محاولة لزرع الخوف بين المجتمعات اليهودية وتهيئة الأرضية لهجمات أكبر مستقبلاً، كما كانت لديها خطط لاستهداف شخصيات يهودية بارزة في أوروبا وأستراليا.

أهداف إسرائيل من وراء هذا الإعلان

حتى لحظة كتابة التقرير، لم تصدر أية ردود رسمية من الجانب الإيراني على الاتهامات الإسرائيلية، إلا أن مصادر قريبة من الحكومة الإيرانية ترجح أن تعتبر طهران هذه الاتهامات جزءاً من حملة نفسية وإعلامية تستهدف تقويض صورتها على الساحة الدولية، فيما يرى مراقبون أن كشف جهاز الموساد عن هوية مزعومة لأحد القادة العسكريين الإيرانيين يحمل في طيّاته أبعاداً سياسية واستراتيجية تتجاوز مجرد الإعلان الأمني.

فوفقاً لمحللين، يمكن أن يكون الهدف من هذه الخطوة زيادة الضغط الدولي على إيران، ونزع الشرعية عن نشاطها العسكري والأمني في الخارج، إلى جانب التأثير في الرأي العام العالمي عبر تصوير طهران بوصفها جهة راعية للإرهاب العابر للحدود، ويعتقد أن هذه الخطوة تأتي أيضاً في إطار استراتيجية أوسع لعزل إيران دولياً، وتقليص قدرتها على المناورة في الساحة الدبلوماسية، كذلك فلا يستبعد المحللون أن يكون من بين الأهداف التأثير في مسار المفاوضات الدولية المتعلقة بالملف النووي الإيراني والعقوبات الاقتصادية المفروضة عليها، عبر خلق أجواء من التوتر وعدم الثقة حيال نواياها.

Image

هذا وتحذر دوائر سياسية من أن هذه المزاعم قد تسهم في تأجيج التوترات الإقليمية والدولية، وربما تستخدم ذريعة لتبرير فرض عقوبات إضافية على إيران أو لتشديد الضغوط عليها في المحافل الدولية، كما قد تنعكس هذه الاتهامات على علاقات طهران مع الدول الأوروبية، خصوصا في ظل حساسية الموقف الأمني الراهن في الشرق الأوسط.

فيلق القدس والوحدة 840.. ماذا نعرف عنهم؟

يعد فيلق القدس إحدى أهم أذرع الحرس الثوري الإيراني وأكثرها تأثيراً في السياسة الإقليمية والأمنية لإيران، فمنذ تأسيسه في أواخر الثمانينيات، أُنيطت به مهمة إدارة العمليات الخارجية لإيران، سواء عبر الدعم العسكري للحلفاء أو تنفيذ المهام السرية في الخارج، وقد لعب دوراً محورياً في بناء ما تسميه طهران بمحور المقاومة، الذي يضم جماعات موالية لها في لبنان والعراق، وسوريا، واليمن، وغيرها.

Image

لكن خلال السنوات الأخيرة، بدأت صورة فيلق القدس تتغير في الخطاب الأمني الغربي، فمع تصاعد التوترات الإقليمية واتهامات بعض الدول لإيران بالضلوع في أنشطةٍ استخباراتية وتخريبية خارج حدودها، بدأت تظهر تقارير تتحدث عن توسع البنية التنظيمية للفيلق، وظهور وحدات جديدة تتولى مهام أكثر سرية وأوسع نطاقًا.

من أبرز هذه التشكيلات ما يعرف بـ الوحدة 840، التي كشف عنها خلال الأعوام الثلاثة الماضية باعتبارها الجناح العملياتي السري لفيلق القدس، والمسؤول عن التخطيط والتنفيذ لهجماتٍ خارج الأراضي الإيرانية ضد أهداف غربية ومعارضين سياسيين إيرانيين في الخارج، وتشير التقارير إلى أن هذه الوحدة أُنشئت كجزء من عملية إعادة هيكلة داخل الحرس الثوري، تهدف إلى جعل النشاط الخارجي أكثر تخصصاً وفاعلية، وتعمل وفق هيكل جغرافي مقسم إلى أربعة أقسام رئيسية: الشرق الأوسط وأفريقيا، القوقاز وآسيا، أوروبا وأمريكا، وقسم مكافحة المعارضة، المكلف بملاحقة المعارضين الإيرانيين في الخارج.

Image

وبحسب مصادر بحثية، فإن الوحدة 840 تعتمد في عملها على تجنيد عناصر محلية وأجنبية، وتوظيف واجهات مدنية أو تجارية لتغطية تحركاتها، وقد أشارت بعض التقارير الأمنية إلى محاولات متعددة من هذه الوحدة لتجنيد إيرانيين مقيمين في الغرب أو استقطاب مواطنين من دولٍ مجاورة لإيران مثل أذربيجان وباكستان، بغرض تنفيذ مهام استخباراتية وعمليات محدودة التأثير.

يعكس إنشاء الوحدة 840 تطوراً لافتاً في عقيدة الحرس الثوري الأمنية، حيث انتقلت طهران من سياسة الدفاع في العمق إلى استراتيجية الردع النشط خارج الحدود، عبر شبكات صغيرة تعمل بسرية عالية وتمنح النظام الإيراني القدرة على المناورة دون الدخول في مواجهة مباشرة، ويصف محللون هذه المقاربة بأنها نموذج للحرب الرمادية، أي مزيج من الأدوات الاستخباراتية والاقتصادية والنفسية لتحقيق أهدافٍ سياسية وأمنية.

ورغم النفي الرسمي من جانب إيران لأي ارتباط بأنشطة من هذا النوع، فإن الوحدة 840 أصبحت رمزاً لطموح طهران في توسيع نفوذها الأمني على المستوى الدولي. ويؤكد مراقبون أن وجود مثل هذه الوحدات يعكس رغبة إيران في التحكم بخيوط معاركها بعيداً عن أراضيها، واستخدام العمل الاستخباراتي كوسيلة استراتيجية لموازنة القوى مع خصومها الإقليميين والغربيين.

وبينما يستمر الجدل حول مدى واقعية المعلومات المتداولة عن فيلق القدس ووحداته السرية، فإن المؤكد هو أن هذا الجهاز بات أحد أبرز الفاعلين الخفيّين في معادلة الأمن الإقليمي والدولي، يجمع بين البعد العقائدي والعملياتي في آنٍ واحد، ويواصل العمل في الظل لإعادة رسم ملامح النفوذ الإيراني خارج الحدود.

كلمات مفتاحية: