مناورات “السخاء” تحت حصار البوارج: هل ينجح ترامب في فخ “الاستجابة الموحدة” لإيران؟

كتب: الترجمان

بينما تقف منطقة الشرق الأوسط على فوهة بركان لا يهدأ، تطل واشنطن من جديد برواية تتبنى لغة “العروض السخية” في العلن، وتمارس “الخنق الاستراتيجي” في الخفاء. في مشهد يتداخل فيه غبار المعارك العسكرية مع ضجيج الحملات الانتخابية، خرجت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بادعاءات جديدة تزعم تقديم عرض “تاريخي” لإيران، مشترطة الحصول على “رد واحد وموحد” من طهران. 

هذا المشهد لا يمكن قراءته بمعزل عن الواقع الميداني المتأزم في مضيق هرمز، حيث تحولت لغة الدبلوماسية إلى أداة تضليلية تهدف واشنطن من خلالها إلى رمي كرة التعطيل في ملعب الطرف الآخر، بينما تستمر في فرض حصار بحري خانق يهدد الشريان النفطي الإيراني والملاحة الدولية على حد سواء.

بروباغندا “العرض السخي” ومحاولة هندسة الإدراك العالمي

في سعيها الدؤوب للسيطرة على الرواية الإعلامية، روجت المتحدثة باسم البيت الأبيض، كارولين ليفيت، لما وصفته بـ “الاقتراح السخي الذي قدمه ترامب لإيران. هذا المصطلح، الذي يفتقر إلى التفاصيل الفنية المعلنة، يبدو في جوهره محاولة لقلب الحقائق وتصوير الجانب الأمريكي في مظهر “صانع السلام” الذي يمد يده، بينما تُصنف المطالب الأمريكية الحقيقية في خانة “الإملاءات التعجيزية”. 

تدعي واشنطن أن عرضها يفتح بابا لإنهاء النزاع، لكنها في الوقت ذاته تصر على شرط تسليم إيران لكامل مخزونها من اليورانيوم المخصب، وهو ما تعتبره طهران تجاوزا للخطوط الحمراء وسيادة الدولة. 

إن هذا الادعاء بالسخاء يتناقض جذريا مع الواقع الميداني الذي يتسم بالعدائية، حيث ترفض طهران هذه “الزيادات” الأمريكية وتراها محاولة لانتزاع تنازلات على طاولة المفاوضات عجزت واشنطن عن تحقيقها عبر القوة العسكرية والضغوط القصوى.

Image

رهان الوقت وتفكيك لغز المهلة الزمنية

تتخبط الادعاءات الأمريكية في تحديد سقف زمني للتهدئة أو التفاوض، مما يعكس حالة من الإرباك المتعمد داخل أروقة البيت الأبيض. فبينما تسربت تقارير عن مهلة قصيرة تتراوح بين ثلاثة إلى خمسة أيام لتمديد وقف إطلاق النار، خرج البيت الأبيض لينفي هذه التقارير جملة وتفصيلا، مؤكدا أن ترامب لم يحدد موعدا نهائيا. 

هذا الغموض ليس مجرد فوضى إدارية، بل هو استراتيجية “استنزاف للأعصاب” تهدف إلى إبقاء الجانب الإيراني في حالة تأهب دائمة وضغط مستمر. 

ترامب، الذي يواجه ضغوطا داخلية مع اقتراب الانتخابات النصفية وتراجع شعبيته، يحاول الإيحاء بأنه يمتلك زمام المبادرة وأن الوقت يعمل لصالحه، مصرحا بأنه هو وحده من يقرر متى تنتهي هذه الحرب، وفقا لما يراه محققا لمصالح الولايات المتحدة، بعيدا عن أي جداول زمنية يفرضها المجتمع الدولي أو الخصوم.

Image

فلسفة “الاستجابة الموحدة” ومحاولة شق الصف الداخلي

أحد أبرز الادعاءات المثيرة للجدل التي أطلقتها المتحدثة باسم البيت الأبيض هو زعمها وجود تباين بين “التصريحات العلنية” للمسؤولين الإيرانيين وما يتم نقله في “الغرف المغلقة”. تطالب واشنطن بـ “رد واحد” من طهران، في محاولة واضحة للإيحاء بوجود انقسامات داخل مؤسسات صنع القرار في إيران. 

هذا الادعاء يهدف إلى إضعاف الموقف التفاوضي الإيراني من خلال زرع الشكوك حول وحدة الكلمة، وتصوير الردود الرسمية الإيرانية المتمسكة بالثوابت الوطنية على أنها مجرد “استهلاك محلي”. 

وفي المقابل، تواصل طهران التأكيد على أن الموقف الأمريكي هو الذي يعاني من التناقض، حيث يدعو ترامب للتفاوض بينما يستمر في فرض “الحصار البحري” وإغلاق سبل العيش أمام الشعب الإيراني، مما يجعل الحديث عن “الصدق والجدية” في واشنطن مجرد شعارات خاوية.

مأزق “الذهب الأسود” وتحذيرات الخزانة الأمريكية

دخلت وزارة الخزانة الأمريكية على خط الأزمة بادعاءات تقنية تهدف إلى ضرب الروح المعنوية والمالية لإيران. صرح وزير الخزانة، سكوت بيسنت، بأن الحصار البحري سيؤدي في غضون أيام قليلة إلى ملء صوامع التخزين في جزيرة “خارك” بالكامل، مما سيضطر إيران لإغلاق آبار النفط، وهو ما قد يتسبب في أضرار فنية جسيمة لهذه الحقول. 

هذا الخطاب يمثل ذروة “الإرهاب الاقتصادي”، حيث يسعى لاستهداف الشرايين المالية للدولة بشكل مباشر. ومع ذلك، يرى الخبراء الفنيون أن هذه الادعاءات تتجاهل مرونة قطاع النفط الإيراني الذي يمتلك شبكة واسعة من المستودعات الميدانية وقدرات التكرير، فضلا عن ناقلات النفط التي يمكن استخدامها كمخازن عائمة. إن تهويل واشنطن بـ “انهيار الآبار” يندرج ضمن حرب المعلومات النفسية المرافقة للعمليات العسكرية.

ألغام هرمز وتكلفة “الجمود الشامل” للملاحة

تحولت قضية الألغام البحرية في مضيق هرمز إلى معضلة استراتيجية تهدد الاقتصاد العالمي، وسط تضارب كبير في الروايات. فبينما ادعى ترامب أن إيران بدأت بالفعل في إزالة الألغام بمساعدة أمريكية لبث الطمأنينة في الأسواق، صدمت وزارة الدفاع (البنتاغون) الكونغرس بتقديرات مغايرة تماما، مؤكدة أن تطهير المضيق قد يستغرق ستة أشهر على الأقل. 

هذا التناقض بين تفاؤل ترامب “الانتخابي” وواقعية البنتاغون “الميدانية” يكشف عمق الأزمة. إن تعطل الملاحة في ممر يمر عبره 20% من نفط العالم أدى إلى قفزات جنونية في أسعار الطاقة، وهو ما يضع إدارة ترامب في مأزق أمام الناخب الأمريكي الذي بدأ يشعر بتبعات الحرب في محطات الوقود. الادعاءات الأمريكية هنا تحاول الموازنة بين إظهار القوة والسيطرة، وبين الحقيقة المرة التي تؤكد أن الممر الملاحي سيظل رهينة التوتر لفترة طويلة.

Image

شخصنة الدبلوماسية: ترامب وعراقجی بين المديح والضغط

في خطوة لافتة تعكس أسلوب ترامب في إدارة الملفات عبر “الشخصنة”، وصف الرئيس الأمريكي وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجی، بأنه “شخص ذكي“، معربا عن أمله في رؤيته في جولات التفاوض القادمة. 

هذا المديح المسموم لا يهدف فقط إلى فتح قنوات تواصل، بل هو جزء من مناورة “الجزرة والعصا”. فبينما يكيل المديح لبعض الشخصيات، يرفض ترامب رفع الضغوط الاقتصادية أو التراجع عن خيار المحاصرة البحرية، مؤكدا أن “الخيار العسكري” لا يزال قابعا على الطاولة وإن لم يكن الخيار الأول حاليا. 

إن استراتيجية ترامب تقوم على الفصل بين الشخصيات والسياسات، محاولا تصوير نفسه كزعيم منفتح على “الأذكياء”، شرط أن يقبلوا بتقديم التنازلات التي تطلبها واشنطن تحت وطأة الحصار والعقوبات.

Image

دبلوماسية “عنق الزجاجة” وصراع الإرادات المفتوح

إن القراءة الفاحصة للمشهد الراهن تكشف عن أن ما تصفه واشنطن بـ “العرض السخي” ليس في الحقيقة سوى “قنبلة دبلوماسية” موقوتة، صُممت بعناية لتفجير الموقف الإيراني من الداخل أو إحراجه دوليا. نحن أمام استراتيجية أمريكية مركبة تقوم على “الخنق التقني” عبر حصار النفط والتحذير من دمار الآبارالمتوازي مع “الإغواء السياسي” عبر مديح الشخصيات وشروط التفاوض المرنة ظاهريا.

ويمكن تلخيص جوهر هذا المأزق في ثلاث نقاط رئيسية:

فخ “الاستجابة الموحدة”:  تدرك إدارة ترامب أن صناعة القرار في طهران تمر عبر قنوات متعددة (دبلوماسية، وعسكرية، وسيادية عليا). لذا، فإن الإصرار على “رد واحد” ليس دعوة للوضوح بقدر ما هو محاولة لشق الصف، وتصوير أي تباين طبيعي في تقدير الموقف على أنه “انقسام وضعف”، مما يمنح واشنطن ذريعة للتصعيد لاحقاً بحجة غياب الشريك الجدي.

انفصام “البنتاغون” و”تويتر”: التناقض الصارخ بين تفاؤل ترامب الرقمي حول تطهير مضيق هرمز وتحذيرات البنتاغون من “جمود الشهور الستة” يعكس أزمة الصدق في السياسة الأمريكية. فبينما يحتاج ترامب لتهدئة الأسواق والناخبين بوعود الاستقرار، تفرض الحقائق الجيوسياسية نفسها كعقبة لا يمكن تجاوزها بمجرد “تغريدة” أو مديح عابر لوزير خارجية.

النفط كرهينة متبادلة: بينما يراهن وزير الخزانة الأمريكي على “امتلاء الصوامع” لكسر إرادة طهران، تراهن الأخيرة على “مرونة الصمود” وتحول الأزمة إلى أزمة طاقة عالمية ترفع الأسعار وتضغط على الداخل الأمريكي. إنها معركة “نفس طويل” يسعى فيها كل طرف لتحويل نقاط ضعف الخصم إلى أوراق ضغط نهائية.

الخلاصة أننا لا نشهد مفاوضات بالمعنى التقليدي، بل نشهد “مناورات تحت حصار البوارج”، حيث يسعى ترامب لإعادة هندسة المنطقة وفق قواعد “الصفقة الكبرى” التي تضمن له الخروج بمظهر المنتصر قبل أي استحقاق انتخابي، بينما تدرك طهران أن قبول “السخاء” تحت وطأة “الخنق” هو تسليم لا تفاوض. وبين هذا وذاك، يبقى مضيق هرمز “عنق الزجاجة” الذي قد ينكسر في أي لحظة، ليحول “العروض السخية” إلى رماد في مواجهة بركان المواجهة الشاملة.

كلمات مفتاحية: