إيران تكشف تفاصيل جولة المفاوضات الأخيرة مع الـ”ترويكا الأوروبية” في إسطنبول

كتب: ربيع السعدني 

انتهت المحادثات بين إيران والدول الأوروبية الثلاث الأعضاء في خطة العمل الشاملة المشتركة بعد حوالي خمس ساعات، ووصفها كاظم غريب آبادي، نائب وزير الخارجية الإيراني، بأنها “جادة وصريحة ومفصلة”. 

وصرح نائب وزير الخارجية بأنه في الجولة الأولى من المحادثات بين إيران والدول الثلاث، فرنسا وألمانيا وبريطانيا، بعد الحرب المفروضة على إيران والتي استمرت 12 يوما، تم استعراض آخر التطورات المتعلقة برفع العقوبات والملف النووي، وأكد أيضا أن “مفاوضاتنا مع الدول الأوروبية الثلاث ليست جديدة، فقد أجرينا هذه المفاوضات على مر السنين تقريبا”.

في تطور دبلوماسي بارز، شهدت مدينة إسطنبول التركية، صباح الجمعة 25 يوليو/تموز 2025، جولة جديدة من المحادثات المكثفة بين إيران والدول الأوروبية الثلاث (بريطانيا، فرنسا، ألمانيا)، المعروفة بـ”الترويكا الأوروبية”، في إطار سعي الطرفين لإيجاد حلول مشتركة حول الملف النووي الإيراني ورفع العقوبات.

هذه المفاوضات، التي جرت على مستوى نواب وزراء الخارجية في القنصلية الإيرانية بإسطنبول، تأتي وسط توترات إقليمية ودولية متصاعدة، مع تأكيد إيران حقوقها النووية ورفضها القاطع لأي إجراءات عقابية.

إيران تؤكد موقفها الثابت

في قلب مدينة إسطنبول، التي طالما شكلت جسرا بين الشرق والغرب، بدأت المحادثات صباح الجمعة 25 يوليو/تموز 2025 بحضور وفد إيراني رفيع المستوى برئاسة نواب وزير الخارجية “مجيد تخت روانجي” و”كاظم غريب آبادي”، وكانت الأجواء مشحونة بالترقب والحذر.

يسعى الطرفان إلى تجاوز العقبات التي أعاقت التقدم في الجولات السابقة من المفاوضات، وكشف مصدر دبلوماسي إيراني أن هذه الجولة، الثانية من نوعها في إسطنبول، والخامسة بين الطرفين تهدف إلى “وضع أسس جديدة للتفاهم المشترك”.

مع التركيز على رفع العقوبات الاقتصادية والتجارية المفروضة على طهران، وفي إطار مشاوراته مع نظيره المصري حول الوضع في غزة، أطلع وزير الخارجية الإيراني نظيره المصري على آخر التطورات في المفاوضات بين إيران وثلاث دول أوروبية.

وأكد وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، في تصريحات أدلى بها عشية المفاوضات، أن إيران لن تتنازل عن حقوقها في تطوير الطاقة النووية السلمية، وقال في خطاب متلفز: “إن الشعب الإيراني يستحق أن يعيش بكرامة، ونحن هنا لندافع عن حقنا في التخصيب النووي ورفع العقوبات التي تُثقل كاهل اقتصادنا، موقفنا لم ولن يتغير”.

هذه التصريحات عكست تصميم طهران على عدم التراجع تحت الضغوط الدولية، مع إبقاء الباب مفتوحا للحوار البنّاء.

إيران ترفض “آلية الزناد” وتنتقد المواقف الأوروبية

خلال الاجتماع، قدم الوفد الإيراني، بقيادة تخت روانجي، رؤية شاملة لمواقف طهران، مع التركيز على رفضها القاطع لما يُعرف بـ”آلية الزناد” (Snapback)، وهي الآلية التي تتيح إعادة فرض العقوبات الأممية على إيران في حال عدم الالتزام باتفاق النووي لعام 2015.

وأشار روانجي إلى أن مثل هذه الإجراءات “تفتقر إلى الأساس القانوني وتتعارض مع روح الاتفاق النووي”، وأضاف أن “الدول الأوروبية مطالبة بإثبات حسن النوايا من خلال التراجع عن سياساتها العقابية”.

وعن تفعيل آلية الزناد قبل نهاية العام، قال نائب وزيرالخارجية،  “شهدنا نقاشات من بعض الدول حول إعادة فرض العقوبات وتفعيل آلياتها خلال هذه المرحلة، وقد أبدينا موقفنا الرافض لهذا المسعى بكل وضوح وشفافية”.

وأردف: “وجه وزير خارجيتنا مؤخرا رسالة إلى الأمين العام للأمم المتحدة، أكد فيها موقفنا القانوني الثابت، مشددا على أن هذه الدول لا تملك الحق في تفعيل آلية الزناد، لقد عبرنا عن وجهة نظرنا بصراحة تامة، وهذه الرسالة موثقة الآن لدى الأمم المتحدة ومتاحة لأعضاء مجلس الأمن، حيث أوضحنا خلال جلسة اليوم مواقفنا بشكل لا لبس فيه”.

وأضاف روانجي: “تطرقنا كذلك إلى حقوقنا بموجب معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية، بما في ذلك حقنا في التخصيب، الذي يُعد جزءا أساسيا من حقوقنا ويجب أن يستمر داخل إيران. 

كما ناقشنا ضرورة رفع العقوبات الظالمة في أقرب وقت ممكن، إلى جانب موضوعات أخرى أثرناها خلال الاجتماع.

كما تناولت المحادثات التطورات الإقليمية الأخيرة، لا سيما ما وصفه الوفد الإيراني بـ”الاعتداءات الإسرائيلية والأمريكية” على الأراضي الإيرانية”. 

ووجهت إيران انتقادات حادة للدول الأوروبية بسبب “صمتها” إزاء هذه الهجمات، معتبرة إياها “انتهاكا صارخا للقانون الدولي”، وقد أثار هذا الموقف نقاشات ساخنة، حيث حاولت الدول الأوروبية الدفاع عن مواقفها، مؤكدة التزامها بالحل الدبلوماسي.

رسالة إلى الأمم المتحدة: إيران توثّق مواقفها

في سياق متصل، كشف روانجي عن رسالة رسمية بعث بها وزير الخارجية عباس عراقجي، إلى الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، تتضمن شرحا تفصيليا للمواقف القانونية الإيرانية.

وأوضح أن هذه الرسالة، التي تم تسجيلها رسميا لدى الأمم المتحدة، تؤكد حقوق إيران بموجب معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية (NPT)، خاصة في مجال التخصيب النووي. وأضاف: “لن نسمح بأي مساومة على حقوقنا غير القابلة للتصرف، وسنواصل العمل على تعزيز قدراتنا العلمية والتكنولوجية”.

غريب آبادي: نقاشات جادة وصريحة

في ختام الجولة، أعلن كاظم غريب آبادي، نائب وزير الخارجية الإيراني للشؤون القانونية والدولية، أن طهران والترويكا الأوروبية اتفقتا على استمرار المحادثات، وقال في تغريدة عبر منصة إكس، “أجرينا نقاشات جادة ومفصلة مع ممثلي الدول الأوروبية الثلاث والاتحاد الأوروبي. تناولنا كافة الجوانب المتعلقة برفع العقوبات والملف النووي، مع التعبير عن انتقادنا الحاد لمواقفهم تجاه الأحداث الأخيرة”.

وأشار غريب آبادي إلى أن الطرفين جاءا إلى الطاولة بأفكار واضحة، حيث تم استعراض مقترحات مختلفة تهدف إلى إيجاد أرضية مشتركة، وأضاف: “الاتفاق على مواصلة المشاورات يعكس إرادة مشتركة لتجاوز الخلافات، لكن ذلك يتطلب من الدول الأوروبية تغيير نهجها العقابي”.

إسماعيل بقائي: فرصة لتصحيح المسار

من جانبه، أعرب المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية، إسماعيل بقائي، عن تفاؤل حذر، معتبرا أن هذه المفاوضات تشكل “فرصة ذهبية” للدول الأوروبية لتصحيح نهجها السابق، وقال في مقابلة مع وكالة “إرنا” نقلتها وكالة مهر الحكومية: “إن المصداقية الأوروبية على المحك، لقد أضرت سياساتهم السابقة بموقفهم التفاوضي، ونأمل أن يستغلوا هذه الفرصة لإعادة بناء الثقة”.

وأضاف أن إيران ستواصل التعبير عن مواقفها بكل وضوح وشفافية، مع التركيز على رفع العقوبات كأولوية قصوى.

سياق إقليمي ودولي مشحون

تأتي هذه المفاوضات في وقت تشهد فيه المنطقة تصعيدا ملحوظا، خاصة بعد الهجمات التي اتهمت إيران إسرائيل والولايات المتحدة بالوقوف وراءها، وقد أثارت هذه الأحداث مخاوف من تصاعد التوترات، مما جعل المحادثات في إسطنبول محط أنظار المجتمع الدولي. 

ويرى مراقبون أن نجاح هذه الجولة قد يفتح الباب أمام إحياء الاتفاق النووي لعام 2015 (JCPOA)، الذي انسحبت منه الولايات المتحدة عام 2018، مما أدى إلى فرض عقوبات جديدة على إيران.

ومن الجدير بالذكر أن إيران أكدت مرارا التزامها بالاتفاق النووي، لكنها شددت على ضرورة رفع العقوبات بالكامل كشرط لاستئناف التزاماتها الكاملة في المقابل، تسعى الدول الأوروبية إلى ضمان التزام إيران بالحدود المفروضة على برنامجها النووي، مع الحفاظ على قنوات الحوار مفتوحة.

هل تؤدي المحادثات إلى انفراجة؟

مع ختام جولة المفاوضات الأوروبية الإيرانية الخامسة في إسطنبول، تبقى الأسئلة مفتوحة حول إمكانية التوصل إلى اتفاق شامل ينهي سنوات من التوتر بين إيران والغرب، ويرى محللون أن الاتفاق على استمرار المشاورات يعد خطوة إيجابية، لكنه يتطلب تنازلات متبادلة من الطرفين، ففي حين تتمسك إيران بحقها في التخصيب النووي، تطالب الدول الأوروبية بضمانات صلبة لضمان الشفافية في البرنامج النووي الإيراني.

وفي الوقت ذاته، يظل السياق الإقليمي عاملا حاسما في نجاح هذه المحادثات، فالتوترات المستمرة في المنطقة، إلى جانب الضغوط السياسية الداخلية في كل من إيران والدول الأوروبية، قد تعيق التوصل إلى حلول نهائية ومع ذلك، فإن إصرار الطرفين على مواصلة الحوار يبعث برسالة تفاؤل حذر، قد تشكل الأساس لانفراجة دبلوماسية في المستقبل القريب.

تؤكد جولة المفاوضات هذه، أهمية إسطنبول كمركز دبلوماسي يجمع بين الأطراف المتنافسة في بيئة محايدة. ومع استمرار إيران في الدفاع عن حقوقها النووية، وتأكيد الدول الأوروبية ضرورة الحل الدبلوماسي، تبقى الأنظار متجهة نحو الجولات القادمة، التي قد تحمل في طياتها مفتاح حل الأزمة النووية المستمرة منذ عقود.