طهران تهاجم البرلمان الأوروبي وتصف قراره بـ “التدخلي”: يفتقر للأهلية الأخلاقية وبني على أكاذيب إسرائيلية

Image

كتب: الترجمان

أصدرت وزارة الخارجية الإيرانية بيانا شديد اللهجة أدانت فيه بشدة القرار الأخير الصادر عن البرلمان الأوروبي بشأن الأحداث الأخيرة في إيران، واصفة إياه بـ “غير المسؤول” والمبني على ادعاءات واهية تفتقر للمصداقية القانونية والأخلاقية.

ازدواجية المعايير وسقوط “الأهلية الأخلاقية”

Image

اتهمت الخارجية الإيرانية البرلمان الأوروبي بالوقوف وراء انتهاكات صارخة لحقوق الإيرانيين عبر دعمه للعقوبات الأمريكية “الظالمة”، مؤكدة أن تورط أعضائه في دعم الاحتلال الإسرائيلي وتبرير جرائمه ضد الشعب الفلسطيني يسقط عنهم أي أهلية للحديث عن حقوق الإنسان.

وجاء في البيان:  “إن سكوت البرلمان الأوروبي تجاه الإبادة الجماعية في غزة، وتجاهله للجرائم المرتكبة هناك، يمثل الوجه الآخر لعملة تشويه الحقائق داخل إيران، وهو ما يفقد ادعاءاتهم حول سيادة القانون أي قيمة.”

اتهامات بتزييف الحقائق ودعم “الإرهاب”

وأشار البيان إلى أن صياغة القرار الأوروبي استندت بشكل متعمد إلى “أكاذيب” روجتها أجهزة إعلامية تابعة للاحتلال الإسرائيلي وتيارات متطرفة في الولايات المتحدة. 

وأكدت الوزارة امتلاكها أدلة مستندة إلى تقارير ميدانية وتسجيلات تثبت تورط عناصر إرهابية مرتبطة بالخارج في تحويل التجمعات السلمية إلى أعمال عنف خلال الفترة الأخيرة.

وشددت الخارجية على أن هذا القرار يمثل خرقا صريحا لمبادئ ميثاق الأمم المتحدة، خاصة مبدأ احترام السيادة الوطنية وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول.

حماية الأمن القومي والوعيد بالرد

وفي ختام بيانها، أكدت طهران التزامها بصيانة حقوق مواطنيها وفق الدستور، مشددة على أنها لن تتوانى عن حماية أمنها القومي ونظمها العام ضد أي تدخل خارجي أو تهديد إرهابي.

ووجهت الخارجية تحذيرا مباشرا للجانب الأوروبي، معتبرة أن أي مساس أو اتخاذ مواقف غير قانونية ضد القوات المسلحة الإيرانية أو المؤسسات القانونية والأمنية سيواجه بـ إجراءات مقابلة وحازمة”، محملة بانيي هذا القرار كامل المسؤولية عن التبعات الناتجة عنه.

Image

تكشف خاتمة البيان الصادر عن وزارة الخارجية الإيرانية عن تحول واضح في أسلوب إدارة طهران لعلاقتها المتوترة مع أوروبا، إذ لم يعد الخطاب يقتصر على الاعتراض السياسي أو الرفض الدبلوماسي التقليدي، بل انتقل إلى مستوى التحذير المباشر وربط المواقف الأوروبية بتبعات ملموسة. 

هذا التحول يعكس قناعة إيرانية متزايدة بأن مرحلة امتصاص الضغوط الغربية قد وصلت إلى نهايتها، وأن الردع السياسي بات ضرورة في مواجهة ما تعتبره طهران تدخلا ممنهجا في شؤونها الداخلية.

ويبرز في هذا السياق اعتماد إيران المتزايد على مبدأ “المعاملة بالمثل”، حيث يوحي التحذير من “إجراءات مقابلة” بأن طهران لا تنظر إلى القرار الأوروبي بوصفه موقفا رمزيا، بل كخطوة عدائية تستوجب ردا متناسبا.

ولا يُستبعد أن تتجاوز هذه الردود الإطار الخطابي، لتشمل مراجعة مستوى التعاون مع الاتحاد الأوروبي في ملفات حساسة، أو فرض قيود دبلوماسية انتقائية، بما يبعث برسالة واضحة مفادها أن كلفة التصعيد لن تكون أحادية الاتجاه.

وفي الوقت نفسه، يسعى الخطاب الإيراني إلى تفكيك الأساس الأخلاقي الذي يستند إليه البرلمان الأوروبي، من خلال ربط مواقفه بدعم السياسات الأمريكية والإسرائيلية، ولا سيما في ما يتعلق بالحرب على غزة. 

فطهران تحاول نزع الشرعية الأخلاقية عن الطرف الأوروبي، عبر تصويره كفاعل منحاز فقد استقلاليته السياسية، ولم يعد مؤهلًا للقيام بدور الوسيط أو الحكم في قضايا حقوق الإنسان، بل تحول إلى جزء من معادلة الضغط والاحتواء.

وعلى المستوى الداخلي، يؤدي البيان وظيفة سياسية لا تقل أهمية عن بعده الخارجي، إذ يعزز سردية “التهديد الخارجي” ويؤطر الاضطرابات الأخيرة ضمن سياق أمني مرتبط بتدخلات أجنبية. هذا الخطاب يمنح المؤسسات الأمنية غطاء قانونيا ومعنويا أوسع، ويُسهم في إعادة توحيد الجبهة الداخلية عبر استدعاء خطاب السيادة ومقاومة التدخل، وهو نمط لطالما استخدمته طهران في لحظات التوتر القصوى.

أما دبلوماسيا، فيعكس البيان حالة انسداد متزايدة في أفق العلاقات الإيرانية-الأوروبية، حيث بات كل طرف ينظر إلى الآخر من زاوية صراعية لا تفاوضية. فبينما ترى أوروبا أن الضغط هو أداة التغيير الوحيدة المتاحة، تعتبر إيران هذه السياسة عملا عدائيا يُفرغ أي حديث عن الحوار من مضمونه. 

وبهذا المعنى، فإن التصعيد الراهن لا ينذر فقط بتراجع مستوى العلاقات، بل يكرّس واقعًا جديدًا قد تصبح فيه القطيعة السياسية أمرًا واقعًا لا استثناءً مؤقتًا.

لا يمكن قراءة البيان الإيراني باعتباره رد فعل ظرفي على قرار أوروبي عابر، بل كإعلان سياسي عن نهاية مرحلة “الدبلوماسية الناعمة”، والدخول في مرحلة مواجهة قانونية وسياسية مفتوحة، تقوم على تثبيت الروايات، وإعادة رسم خطوط الاشتباك مع الغرب، في ظل غياب أي توافق مشترك حول مفاهيم العدالة وحقوق الإنسان وحدود السيادة الوطنية.