- زاد إيران - المحرر
- 348 Views
كتب: الترجمان
جاءت زيارة وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إلى بيلاروس في لحظة دولية تتّسم بتسارع التحوّلات الجيوسياسية واحتدام الاستقطاب بين القوى الكبرى، لتتجاوز طابع الزيارات البروتوكولية المعتادة، وتؤشّر إلى محاولة جادّة من طهران ومينسك للانتقال بعلاقاتهما من مستوى التعاون التقليدي إلى شراكة أكثر تنظيما ومأسسة.
فالزيارة، التي تُوّجت بتوقيع ثلاث وثائق استراتيجية وعقد لقاءات على أعلى المستويات السياسية والأمنية، عكست إدراكا مشتركا لدى الطرفين لضرورة توسيع هوامش الحركة الدبلوماسية والاقتصادية في مواجهة الضغوط الخارجية والتحوّلات في بنية النظام الدولي.
دبلوماسية نشطة في عالم مضطرب
تأتي زيارة عراقجي إلى مينسك في إطار ما تصفه طهران بسياسة «تعدّد الأطراف»، وهي مقاربة تسعى من خلالها إيران إلى تنويع شراكاتها الدولية، وعدم حصر علاقاتها في مسارات ضيّقة أو أحادية. وفي ظل العقوبات الغربية المستمرة، ترى إيران أن توسيع شبكة علاقاتها مع دول تشترك معها في تحديات مماثلة، مثل بيلاروس، يمكن أن يوفّر أدوات إضافية لتعزيز قدرتها على التفاوض والصمود.
من جهتها، تجد بيلاروس، التي تواجه بدورها عزلة وضغوطا غربية، في توثيق علاقاتها مع دول كإيران فرصة لتعويض جزء من خسائرها الاقتصادية، ولبناء قنوات تعاون خارج الإطار الغربي التقليدي. ويُفسَّر هذا التقاطع في المصالح على أنه أحد العوامل الأساسية التي دفعت الجانبين إلى إعطاء هذه الزيارة وزنا سياسيا وإعلاميا واضحا.
ثلاث وثائق… من التنسيق إلى المأسسة
النتيجة الأبرز للزيارة تمثّلت في توقيع ثلاث وثائق وُصفت بالاستراتيجية، شكّلت بمجموعها إطارا قانونيا ومؤسسيا للعلاقات الثنائية في المرحلة المقبلة. الوثيقة الأولى تعلّقت بالمبادئ الاستراتيجية لمواجهة الإجراءات القسرية الأحادية والحدّ من آثارها السلبية، وهو ملف يشكّل قاسما مشتركا بين البلدين في ظل العقوبات الغربية المفروضة عليهما.
أما الوثيقة الثانية، فركّزت على تعزيز دور القانون الدولي في العلاقات الدولية، في رسالة سياسية تعبّر عن رفض الجانبين لما يصفانه بالنهج الأحادي وتسييس القوانين الدولية. فيما جاءت الوثيقة الثالثة على شكل برنامج تعاون بين وزارتي الخارجية للفترة 2026–2030، واضعة جدولا زمنيا وآليات متابعة للتنسيق الدبلوماسي.
ويرى خبراء أن أهمية هذه الصكوك لا تكمن فقط في عناوينها، بل في كونها تمثّل انتقالا من التفاهمات العامة إلى مسار مؤسسي قابل للمتابعة والتقييم، بما يقلّل من طابع الارتجال ويمنح العلاقات قدرًا أكبر من الاستقرار.

الاقتصاد في صلب الاهتمام البيلاروسي
على هامش التوقيع، عقد عراقجي لقاءات مع الرئيس البيلاروسي ألكسندر لوكاشينكو، ووزير الخارجية ماكسيم ريجينكوف، وأمين مجلس الأمن القومي، إضافة إلى جلسات مع نخب سياسية وإعلامية. وقد حظي لقاء عراقجي مع لوكاشينكو بتغطية واسعة في وسائل الإعلام البيلاروسية، في إشارة إلى الأهمية التي توليها مينسك لهذه الزيارة.
ووفق تقديرات خبراء، فإن التدقيق في مواقف القيادة البيلاروسية يُظهر تركيزا واضحا على البعد الاقتصادي. فبيلاروس، ذات الاقتصاد الصناعي، تسعى إلى توسيع أسواقها، والاستفادة من الموقع الجغرافي لإيران بوصفها بوابة نحو الشرق الأوسط والمياه الدافئة.
في المقابل، ترى طهران في هذا التعاون فرصة لتعزيز تبادلاتها التجارية وتوسيع حضورها في فضاء الاتحاد الاقتصادي الأوراسي.
ممر الشمال–الجنوب: رهان جيوسياسي
أحد المحاور غير المعلنة بقوة، لكنه حاضر في خلفية الزيارة، يتمثّل في ممر النقل الدولي «الشمال–الجنوب». فإيران، التي تقع في قلب هذا الممر، تسعى إلى تثبيت موقعها كمحور ترانزيتي رئيسي يربط شمال أوراسيا بالمياه الدافئة في الخليج العربي.
وتكمن أهمية بيلاروس، في هذا السياق، في كونها حلقة وصل محتملة لبضائع روسيا ودول أخرى في الفضاء الأوراسي. ويعتقد مراقبون أن تعزيز دور إيران في هذا الممر يمنحها ورقة إضافية في مواجهة التنافسات الإقليمية ومحاولات بعض القوى إعادة رسم خرائط العبور بما يخدم مصالحها الخاصة.
مواقف متقاربة في المحافل الدولية
خلال المؤتمر الصحفي المشترك، شدّد عراقجي على تقارب وجهات نظر البلدين حيال العديد من القضايا الدولية والإقليمية، مؤكدًا أن إيران وبيلاروس تتعاونان بشكل وثيق في المحافل الدولية، من منظمة شنغهاي للتعاون إلى مجموعة «بريكس» والاتحاد الاقتصادي الأوراسي.
كما أشار إلى أن البلدين يواجهان عقوبات أحادية الجانب، ويتعاونان في إطار «مجموعة أصدقاء ميثاق الأمم المتحدة» لمواجهة هذه الإجراءات. من جانبه، عبّر وزير الخارجية البيلاروسي عن حرص بلاده على أن تكون زيارة نظيره الإيراني «مفيدة ومثمرة إلى أقصى حد»، في إشارة إلى استعداد مينسك لتوسيع آفاق التعاون.

من الزيارات إلى خارطة الطريق
الزيارة الحالية لا يمكن فصلها عن السياق التراكمي للعلاقات الثنائية. فزيارة لوكاشينكو إلى طهران العام الماضي، وزيارة الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان إلى بيلاروس في أغسطس/آب 2025، شكّلتا محطتين مهمتين مهّدتا لهذا التطور. كما جاء انعقاد اللجنة الاقتصادية المشتركة بين البلدين مؤخرًا ليعكس إرادة سياسية واضحة لدفع التعاون الاقتصادي بوتيرة أسرع.
وفي هذا الإطار، أعلن عراقجي الاتفاق على إعداد خارطة طريق للتعاون الثنائي خلال العام المقبل، لتحديد الخطوات العملية اللازمة لتعظيم الاستفادة من القدرات المتاحة لدى الطرفين، سواء في المجال الاقتصادي أو في التنسيق السياسي.
يمكن القول إن زيارة وزير الخارجية الإيراني إلى بيلاروس مثّلت خطوة نوعية في مسار العلاقات الثنائية، من حيث المضمون والشكل. فهي لم تقتصر على تبادل المجاملات الدبلوماسية، بل أسفرت عن وثائق ملموسة، وفتحت الباب أمام تعاون أكثر تنظيمًا في مجالات السياسة والاقتصاد والعبور.
غير أن نجاح هذا المسار يبقى مرهونا بمدى قدرة الطرفين على تحويل الاتفاقات الموقّعة إلى خطوات عملية، وبمدى استمرارية المتابعة المؤسسية. فالتجارب السابقة في علاقات إيران مع دول عدة تُظهر أن التحدي لا يكمن في توقيع الوثائق، بل في تنفيذها في ظل بيئة دولية ضاغطة ومتغيّرة.
جدير بالذكر أن زيارة عراقجي إلى مينسك تعكس محاولة من إيران وبيلاروس لإعادة تموضع مدروس في نظام دولي يتّجه نحو مزيد من التعدّدية، حيث يصبح تنويع الشراكات وتفعيل الجغرافيا السياسية أدوات أساسية لحماية المصالح الوطنية، بعيدًا عن الرهانات الأحادية.

