الإصلاح الإيراني يضرب… انتقادات لنهج الأصوليين بين تضخيم الأرقام وتسييس البرلمان

Image

في المشهد السياسي الإيراني الراهن، لم تعد الأرقام والتصريحات مجرد أدوات تفسير أو وسائل إقناع، بل تحولت في بعض الأحيان إلى سلاح في معركة النفوذ والتأثير، وبينما يفترض بالخطاب البرلماني أن يستند إلى الدقة والمسؤولية، تزداد المخاوف من أن يستخدم لتوجيه الرأي العام عبر الصدمة والتضخيم بدل التوضيح والحلول، الأمر الذي دفع الاتجاه المعاكس لشن هجومه للتصدي لما وصفه بالحرب الشعواء على الحكومة.

برلماني الإحصاءات المزيفة

شنت صحيفة سازندكي الإصلاحية، خلال تقرير في عددها الصادر الثلاثاء 16 ديسمبر/ كانون الأول 2025، هجوما على النائب البرلماني الأصولي أمير حسين ثابتي، المقرب من سعيد جليلي الشخصية الأصولية الأشهر، متهمة إياه بالاعتماد المتكرر على أرقام وإحصاءات غير دقيقة، وبممارسة ما وصفته بالسياسة عبر الأرقام المزيفة، الأمر الذي اعتبرت أنه يشكل خطرا على الرأي العام وعلى مسار صنع القرار، وقد يتجاوز في خطورته القرارات الخاطئة نفسها.

Image

من كذبة إلى أخرى

سلط التقرير الضوء على أحدث هذه القضايا، والمتمثلة في إعلان ثابتي أن عدد سجناء المهور في إيران، أي المسجونين بسبب عدم وفاء مبلغ المهر عند الطلاق، يبلغ 25 ألف شخص، وهو رقم أثار موجة واسعة من الجدل، ودفع السلطة القضائية إلى إصدار بيان رسمي غير معتاد في لهجته، نفت فيه صحة هذا الادعاء بشكل قاطع، واعتبرت الصحيفة أن أهمية هذا الرد لا تكمن فقط في تصحيح الرقم، بل في دلالته السياسية، إذ إن السلطة القضائية نادرا ما تدخل في مواجهة إعلامية مباشرة مع نواب البرلمان، ما يعكس حجم القلق من تأثير مثل هذه التصريحات على المجتمع والرأي العام.

وأكدت سازندكي أن قضية المهر، والتي أصدر البرلمان فيها قرار مؤخرا يقضي بتخفيض المهور بشكل حاد، تعد من أكثر القضايا الاجتماعية حساسية، لأنها تمس بشكل مباشر حقوق النساء واستقرار الأسرة، وأن تضخيم الأرقام في هذا السياق يخلق صورة مشوهة عن النساء المطالبات بحقوقهن القانونية، ويحولهن في الخطاب العام إلى سبب مزعوم لسجن الرجال، بدل التركيز على المشكلات الاقتصادية والقانونية البنيوية، واعتبرت الصحيفة أن مثل هذا الخطاب يسهم في تعميق الوصم الاجتماعي، ويغذي سرديات شعبوية قد تستخدم لاحقا لتبرير التضييق على الحقوق القانونية للنساء.

Image

وأشار التقرير أيضا إلى أن محاولة ثابتي لاحقا تصحيح تصريحه بالقول إنه كان يقصد إجمالي المحكومين في القضايا المالية لم تخفف من حدة الانتقادات، بل زادت من الشكوك حول دقته ومصداقيته، خصوصا أن الرقم المعدل ذاته لم يكن صحيحا، ورأت أن هذه الواقعة تكشف عن استخفاف بالأرقام وبأثرها الاجتماعي، لا سيما في مجتمع تتشابك فيه القضايا الاقتصادية والقانونية مع حساسيات ثقافية واجتماعية عميقة.

ولم يقتصر نقد سازندكي على الجانب الاجتماعي، بل انتقلت إلى ما وصفته بتجاوز ثابتي للخطوط الحمراء، من خلال هجومه العلني على قائد قوات الحرس في طهران الكبرى، حسن زادة، وأوضحت الصحيفة أن الاتهامات التي وجهها النائب استندت إلى معلومات غير صحيحة حول زيارة مزعومة وتصريحات لم تصدر أصلا، وهو ما دفع حتى وسائل إعلام محسوبة على التيار الأصولي، مثل وكالة تسنيم، إلى وصف حديثه بأنه كلام محض كذب وافتراء، واعتبرت الصحيفة أن هذه الواقعة تكشف خطورة توظيف الرموز والقيم الثورية في صراعات سياسية قائمة على معلومات مغلوطة.

Image

كما تطرق التقرير إلى ادعاء ثابتي بحدوث زيادة بنسبة 500% في سعر الشريحة الثالثة للبنزين، في وقت كانت فيه الحكومة تناقش سيناريوهات محتملة لرفع الأسعار، معتبرا أن هذا التصريح، الذي طرح من دون أي سند رسمي، لم يكن نقدا اقتصاديا بقدر ما كان لعبا على مخاوف المجتمع، خاصة في ظل الذاكرة الحاضرة لاحتجاجات نوفمبر/ تشرين الثاني 2019، وهو ما ساهم في إثارة القلق والاضطراب الاجتماعي.

وفي سياق أوسع، رأت سازندكي أن سجل ثابتي مليء بادعاءات مماثلة، من قضايا تتعلق بحجب تطبيق تلغرام، إلى تصريحات عن تعاون عسكري مع روسيا، وصولا إلى اتهامات شخصية طالت مسؤولين سابقين وأفرادا من عائلاتهم، انتهت جميعها بتكذيبات رسمية أو تهديدات قانونية، وأردفت أن القاسم المشترك بينها هو طرح اتهامات ثقيلة من دون أدلة، ثم التراجع بعد أن يكون أثرها الإعلامي قد تحقق.

هجمة مرتدة… الصحافة الإصلاحية ترد على الهجوم الأصولي

لم يكن مشهد الهجوم على ثابتي باستثناء عن المشهد الاصطلاحي الحالي، ففي الأسابيع الأخيرة، شنت الصحافة الإصلاحية الإيرانية هجمة إعلامية مضادة واسعة على النهج الذي يتبعه التيار الأصولي المتشدد داخل البرلمان وخارجه، معتبرة أن ما يجري لم يعد يدخل في إطار النقد السياسي المشروع، بل تحول إلى حملة منظمة تقوم على الاتهام بلا دليل، وتضخيم الأرقام، وبث المخاوف، واستهداف الخصوم السياسيين ومؤسسات رسمية حساسة، في سياق تصفية حسابات سياسية لا علاقة لها بمصالح الدولة أو هموم المجتمع، فتقاطعت تقارير لهم ميهن، وآرمان ملي، وشرق في رسم صورة واحدة لتيار برلماني متشدد يرى في منبر البرلمان أداة للمواجهة والضغط، لا ساحة للتشريع أو الحوار العقلاني.

ركزت صحيفة آرمان ملي في تقريرها الصادر الثلاثاء 16 ديسمبر/ كانون الأول 2025، على ما وصفته بازدواجية الخطاب البرلماني في التعامل مع مفهوم الوفاق الوطني الذي رفعه الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان شعارا لإدارة المرحلة السياسية الحالية، فبينما يعلن بعض النواب دعمهم العلني لفكرة التوافق الوطني، تشير الصحيفة إلى أن السلوك العملي يعكس توجها معاكسا، يقوم على التصعيد المستمر، وتفعيل أدوات رقابية كالاستجواب بدوافع سياسية، وليس بدافع الإصلاح أو تحسين الأداء التنفيذي، وتؤكد الصحيفة أن هذا المسار يزداد وضوحا كلما أكدت الحكومة التزامها بخط التهدئة والتعاون، ليقابله تشدد برلماني يسعى إلى فرض شروطه وإرباك السلطة التنفيذية.

Image

وفي هذا السياق، توقفت آرمان ملي مطولا عند تجربة استجواب وزير الاقتصاد السابق عبد الناصر همتي، معتبرة إياها نموذجا كاشفا لطبيعة الاستجوابات ذات الطابع السياسي، فقد قدم همتي حينها بوصفه المسؤول الأول عن ارتفاع سعر العملة، وتحول إلى هدف مباشر لهجوم برلماني صاخب انتهى بإقصائه من الحكومة، غير أن تطورات الأشهر اللاحقة، وارتفاع سعر الصرف إلى مستويات أعلى، كشفت، بحسب الصحيفة، أن الأزمة أعمق من شخص وزير، وأن الخلل الحقيقي يكمن في السياسات النقدية ودور البنك المركزي، وتطرح آرمان ملي هنا سؤالا جوهريا مفاده أنه إذا لم يؤد الاستجواب إلى معالجة المشكلة، بل تفاقمت بعدها الأوضاع، فما جدوى الإصرار على استخدام هذا السلاح بالطريقة نفسها؟

من جهتها، قدمت صحيفة شرق قراءة أوسع وأكثر حدة، معتبرة أن الهجوم الأصولي لم يعد موجها فقط ضد شخصيات إصلاحية بارزة، من قبيل محمد جواد ظريف أو حسن روحاني، بل اتسع ليشمل رئيس السلطة القضائية غلام حسين محسني إيجئي، ورئيس الجمهورية نفسه، مسعود بزشكيان، فترى الصحيفة أن هذا الاتساع في دائرة الاستهداف يعكس تحولا من النقد السياسي إلى منطق الانتقام السياسي، حيث تستدعى ملفات الماضي، وتطلق اتهامات كبيرة من دون أدلة موثقة، وتستغل قضايا حساسة كالحجاب والبنزين والأمن القومي لإشعال الرأي العام وبث الخوف.

Image

وتشير شرق إلى أن الهجوم على رئيس السلطة القضائية يمثل تطورا خطيرا، إذ نادرا ما جرى في السابق استهداف هذا الموقع بهذه الحدة، وتلفت الصحيفة إلى أن إيجئي استطاع خلال فترة رئاسته أن يحظى بدرجة من القبول الشعبي والنخبوي، نتيجة تعامله العملي مع الملفات الكبرى وابتعاده عن الشعارات، وهو ما جعل الهجوم عليه يبدو، في نظرها، ذا دوافع سياسية بحتة، خصوصا عندما يصل الأمر إلى مطالبات علنية بمحاكمته من دون مسار قانوني واضح، وتعتبر الصحيفة أن مثل هذه التصريحات لا تندرج ضمن حرية التعبير أو الرقابة البرلمانية، بل تشكل مساسا باستقلال القضاء وضربا لهيبة إحدى ركائز الدولة.

أما هم ميهن من جهتها، فقد قدمت قراءة نقدية حادة لنهج التيار الأصولي المتشدد في توجيه الاتهامات الثقيلة إلى خصومه السياسيين، معتبرة أن هذه الظاهرة، وإن لم تكن جديدة في السياسة الإيرانية، فإنها بلغت في السنوات الأخيرة مستوى مقلقا من حيث الاتساع والخطورة، وترى الصحيفة أن ثقافة الاتهام بلا دليل، التي بدأت سابقا باستهداف شخصيات سياسية بارزة، تطورت اليوم لتطال مؤسسات حساسة في الدولة، ما يعكس انتقال الصراع السياسي من ساحة الجدل المشروع إلى دائرة التشكيك والتهديد المبطن للأمن المؤسسي.

Image

وتشير الصحيفة إلى أن جزءا كبيرا من هذه الاتهامات يرتبط برد فعل الأصوليين على تعطيل قانون العفاف والحجاب بقرار من المجلس الأعلى للأمن القومي، بعد التحولات السياسية الأخيرة، ففي هذا السياق، لجأ بعض قادة التيار الأصولي إلى توصيف معارضي القانون أو غير الملتزمين بتنفيذه بأنهم جزء من مشروع معاد يستهدف الهوية الدينية والأمن القومي، من دون تقديم أدلة واضحة، ما يفتح الباب أمام توسيع دائرة التخوين سياسيا.

وتؤكد هم ميهن أن سجل هذه الاتهامات حافل بأمثلة لم تدعم يوما بوثائق، ولم تحسم قضائيا، حتى في الحالات التي بادر فيها المتهمون إلى رفع دعاوى رسمية، وترى الصحيفة أن استمرار هذا النهج يعكس شعورا بالحصانة لدى مطلقي الاتهامات، ويغذي منطق الغاية تبرر الوسيلة في العمل السياسي، وتخلص إلى أن المخرج الوحيد من هذه الدوامة هو التدقيق القضائي الجاد، فإما أن تثبت الاتهامات وتتحول إلى درس رادع لكل من يسيء إلى البلاد، أو تكذب رسميا فتغدو عبرة تمنع استخدام التهم كسلاح سياسي بلا سند، حماية للدولة والمجتمع معا.

هل حان وقت المواجهة؟

يتلخص الموقف الصحفي الإصلاحي في نقطة واحدة، وهي أننا أمام مشهد سياسي لم يعد من الممكن التعامل معه بوصفه مجرد سجال عابر داخل البرلمان أو تنافسا خطابيا بين تيارات مختلفة، فالمسألة تتعلق بنهج متكرر يتبناه تيار أصولي متشدد، يقوم على إطلاق الاتهامات الثقيلة، وتسييس الملفات السيادية، واستخدام منبر البرلمان كأداة للضغط السياسي، من دون تقديم أدلة واضحة أو تحمل تبعات قانونية. وفي مقابل هذا النهج، بدأت أصوات سياسية وقانونية، من داخل المؤسسة التشريعية وخارجها، تدعو صراحة إلى ضرورة التصدي لهذا المسار قبل أن يتحول إلى عرف دائم يهدد الثقة العامة وهيبة الدولة.

ففي هذا السياق، يبرز موقف رئيس البرلمان الإيراني، محمد باقر قاليباف بوصفه علامة فارقة، فمطالبته العلنية بتدخل المدعي العام للتحقيق في ادعاءات أُطلقت من على منبر البرلمان، ونفيه الصريح لما نسب زورا إلى القيادة العليا المتمثلة في المرشد الإيراني على خامنئي، يعكسان تحولا في طريقة التعاطي الرسمي مع خطاب الاتهام، هذا الموقف، كما تشير التقارير الإصلاحية، لم يأت دفاعا عن شخص أو موقع بقدر ما جاء تأكيدا على أن المؤسسة التشريعية لا يمكن أن تتحول إلى مساحة مفتوحة لترويج روايات غير موثقة، خصوصا عندما تمس مؤسسات سيادية كالمجلس الأعلى للأمن القومي أو السلطة القضائية. الرسالة هنا واضحة، النقد حق، لكن الاتهام بلا سند خط أحمر.

Image

أما القراءة التي يقدمها المحلل السياسي الإصلاحي عباس عبدي، فتذهب إلى جوهر المسألة، حيث يحذر من أن تجاهل هذه الاتهامات أو التعامل معها بالتغاضي هو بحد ذاته أزمة أكبر من الاتهامات نفسها، فيرى عبدي أن استمرار هذا السلوك من دون مساءلة قانونية يرسخ انطباعا خطيرا لدى الرأي العام بأن بعض الفاعلين السياسيين يعتبرون أنفسهم فوق القانون وفوق العدالة، ومن هذا المنطلق، فإن المواجهة المطلوبة، وفق رأيه، ليست سياسية بقدر ما هي قضائية وأخلاقية، مواجهة تعيد الاعتبار لمبدأ بسيط، وهو من يطلق اتهاما عليه أن يقدم دليله، وإلا وجب أن يحاسب، فالدولة، كما يحذر عبدي، لا تخسر فقط سمعة أفراد حين تترك الاتهامات بلا تحقيق، بل تخاطر بفقدان مصداقية منظومة العدالة برمتها.

Image

وفي زاوية أخرى، يقدم حشمت ‌الله فلاحت‌ بيشه، رئيس لجنة الأمن القومي الأسبق في البرلمان، تفسيرا عمليا لدوافع التصعيد، لا سيما في ملف الحجاب، فيرى أن الضجيج السياسي المحيط بهذا الملف، والاتهامات التي وجهت إلى المجلس الأعلى للأمن القومي، لا تنبع فقط من خلافات فكرية أو دينية، بل ترتبط بحسابات المصالح والنفوذ، وعلى رأسها استمرار بعض الموازنات والامتيازات، ويؤكد فلاحت ‌بيشه أن قرار المجلس الأعلى للأمن القومي بعدم تبليغ القانون يجعل أي محاولة لفرض إجراءات خارجة عن هذا الإطار عملا غير قانوني، مهما تغلّف بالشعارات. من هنا، فإن التصدي لهذا النهج، برأيه، هو دفاع عن سيادة القرار المؤسسي وعن حق المجتمع في ألا تفرض عليه سياسات بالقوة أو عبر التهويل.

كلمات مفتاحية: