ارتفاع تاريخي لسعر صرف الدولار… أزمة اقتصادية تخيم على سماء طهران

Image

يشهد الاقتصاد الإيراني في المرحلة الراهنة واحدة من أكثر الفترات حساسية وتعقيدا، ذلك في ظل تسارع المتغيرات النقدية والمالية وتزايد الضغوط الداخلية والخارجية. وبينما تتداخل العوامل الاقتصادية مع الاعتبارات السياسية والاجتماعية، تبرز سوق الصرف بوصفها مرآة تعكس عمق الاختلالات البنيوية وتآكل الثقة العامة، حيث لم تعد التحركات المتسارعة في سعر الصرف مجرد أرقام تتداول في الأسواق، بل تحولت إلى مؤشر مباشر على حالة عدم اليقين التي تطغى على المشهد العام، وتؤثر في سلوك الأفراد والفاعلين الاقتصاديين على حد سواء، وسط تساؤلات متزايدة حول أسباب الأزمة وسبل الخروج منها.

قفزة غير مسبوقة في سوق الصرف

سجل سعر صرف الدولار في السوق غير الرسمية خلال الأيام الأخيرة ارتفاعا حادا، ليصل إلى حدود مليون و300 ألف ريال، وهو من أعلى المستويات التاريخية للعملة الأميركية مقابل الريال الإيراني، هذا الارتفاع السريع، الذي تحقق خلال فترة زمنية قصيرة نسبيا وفق الخبراء، أثار موجة واسعة من القلق في الأوساط الاقتصادية والشعبية، خاصة أن الدولار كان قبل نحو شهر واحد فقط دون مستوى مليون و130 ألف ريال، ما يعني زيادة تجاوزت 15% خلال فترة وجيزة.

Image

هذا فيما تكشف البيانات الشهرية لسوق الصرف عن نمط متكرر من التذبذب الحاد، إذ شهد سعر الدولار انخفاضات مؤقتة تلتها قفزات قوية، في ظل غياب اتجاه مستقر، تزامن هذا الارتفاع مع ازدياد الطلب التجاري على العملة الأجنبية، واقتراب نهاية السنة الميلادية، إضافة إلى تنامي التوقعات التضخمية لدى المواطنين والمستثمرين، ما عزز من تحويل المدخرات إلى الدولار بوصفه ملاذا آمنا للحفاظ على القيمة.

ولم يقتصر تأثير هذا الارتفاع على سوق العملات فقط، بل امتد إلى أسعار السلع والخدمات، خاصة تلك المرتبطة بشكل مباشر أو غير مباشر بالعملة الأجنبية، ما يضاعف من الضغوط المعيشية ويغذي حلقة جديدة من التضخم يصعب كبحها في الأمد القصير.

أمر مباشر من رئيس السلطة القضائية لضبط سوق الصرف

في ظل تصاعد الجدل حول أسباب الارتفاع الحاد في سعر الدولار، أصدر رئيس السلطة القضائية في إيران، محسني إيجئي، توجيها صريحا إلى هيئة التفتيش العامة للتدخل الاستثنائي في ملف سوق الصرف، وجاء هذا التوجيه على خلفية مخاوف متزايدة من وجود مخالفات أو ممارسات غير قانونية تسهم في اضطراب السوق وتفاقم الضغوط على العملة الوطنية.

Image

كما أكد رئيس السلطة القضائية أن مسألة سعر الصرف ترتبط بشكل مباشر بقيمة العملة الوطنية وبالاستقرار الاقتصادي العام، مشددا على ضرورة طرح هذا الملف في جلسة طارئة لمجلس تنسيق الأجهزة الرقابية، والاستعانة بآراء خبراء اقتصاديين ومسؤولي البنك المركزي، وشدد على أن أي تقصير أو تخلف أو استغلال يجب أن يقابل بالمحاسبة، وأنه لا يمكن التغاضي عن أية ممارسات تضر بالاقتصاد أو تزعزع ثقة المواطنين.

هذا التدخل القضائي عكس حجم القلق الرسمي من تطورات سوق الصرف، كما حمل رسالة مزدوجة إلى السوق مفادها أن الدولة تراقب الوضع عن كثب، لكنها في الوقت ذاته كشفت عن مدى تعقيد الأزمة، إلى حد استدعى دخول السلطة القضائية على خط المعالجة، بعد أن تجاوزت المشكلة الإطار الاقتصادي البحت.

أسباب تلك القفزة التاريخية

يرى معظم الاقتصاديين أن الارتفاع الأخير في سعر صرف الدولار ليس حدثا طارئا أو منفصلا عن السياق العام للاقتصاد الإيراني، بل هو نتيجة تراكم طويل من الاختلالات الهيكلية التي لم تعالج جذريا على مدى سنوات، وفي مقدمة هذه الاختلالات يأتي النمو المتسارع وغير المنضبط في حجم السيولة النقدية، الذي تجاوز بكثير قدرة الاقتصاد الحقيقي على الاستيعاب.

Image

وبهذا الشأن، يؤكد محمد رضا نجفي‌ منش، الخبير الاقتصادي، أن السيولة النقدية باتت المحرك الأساسي لكل موجات الغلاء، موضحا أن ضخ الأموال في الاقتصاد دون زيادة موازية في الإنتاج يؤدي حتميا إلى تآكل قيمة العملة الوطنية، فحين ترتفع الكتلة النقدية بينما يبقى حجم السلع والخدمات ثابتا أو ضعيف النمو، تصبح النتيجة الطبيعية هي ارتفاع الأسعار، ويكون الدولار أول من يعكس هذا الخلل.

ويتابع نجفي منش أن أثر السيولة لا يقتصر على سوق الصرف وحده، بل يمتد إلى جميع الأسواق تقريبا، من العقارات إلى المواد الغذائية والسلع الاستهلاكية، فيشير إلى أن محاولات الحكومة في السنوات الماضية لكبح الأسعار بشكل إداري أو اصطناعي لم تؤدِّ إلا إلى تأجيل الانفجار، قبل أن تعود الأسعار للارتفاع بوتيرة أسرع وأشد.

Image

إلى جانب عامل السيولة، تلعب التوقعات التضخمية دورا حاسما في تسريع صعود الدولار، فمع تصاعد المخاوف من استمرار التضخم وغياب أفق واضح للإصلاح، يتجه الأفراد والتجار إلى تحويل مدخراتهم إلى عملات أجنبية كوسيلة للتحوط، ما يخلق طلبًا متزايدًا في السوق غير الرسمية ويزيد الضغط على سعر الصرف.

كذلك، يشير خبراء إلى أن تعدد أسعار الصرف يمثل عاملا إضافيا في تشويه السوق، فوجود سعر رسمي، وسعر نيما، منظمة البنك المركزي الإيراني، وسعر في مركز المبادلة، وسعر في السوق غير الرسمية، يخلق بيئة خصبة للمضاربة والطلب الريعي، ويدفع الفاعلين الاقتصاديين إلى البحث عن القنوات الأكثر ربحًا بدل الالتزام بالمسارات الرسمية.

من جهة أخرى، يرى مجيد رضا حريري، الخبير الأقتصادي، أن تفسير ارتفاع الدولار لا يمكن أن يكون اقتصاديا بحتا، مشيرا إلى دور ما يسميه بهيمنة الطبقة الأرستقراطية في التأثير على السوق، فبحسب رأيه، فإن مجموعات نافذة تمتلك ارتباطات وثيقة بمراكز القرار تستفيد من خلق نقص مصطنع في عرض العملة، سواء عبر تأخير تخصيص الدولار للمستوردين أو عبر التلاعب بتوقيت السياسات الاقتصادية.

Image

ويضيف حريري أن اضطرار الحكومة للتفاوض مع شركات حكومية أو شبه حكومية لإعادة العملة الأجنبية يعكس خللا عميقا في ميزان القوة داخل الاقتصاد، ويؤشر إلى انتقال النفوذ من المؤسسات الرسمية إلى شبكات اقتصادية ضيقة، ما يضعف قدرة الدولة على إدارة السوق بفعالية، كذلك، فلا يمكن إغفال أثر السياسة الخارجية والعقوبات الاقتصادية في هذا السياق، فالتوترات المستمرة، والعقوبات، وارتفاع كلفة المعاملات المالية، كلها تقلص موارد العملة الأجنبية وتدفع جزءا متزايدا من النشاط التجاري نحو القنوات غير الرسمية، وهو ما يزيد هشاشة سوق الصرف ويجعلها أكثر عرضة للصدمات.

قلق عام وتآكل الثقة

هذا ولا يقتصر تأثير ارتفاع سعر الدولار على المؤشرات الاقتصادية فحسب، بل يمتد بعمق إلى البعد النفسي والاجتماعي، فقد كتبت صحيفة ابتكار في عددها ليوم الثلاثاء 16 ديسمبر/ كانون الأول 2025، بأن سعر الصرف في الوعي الجمعي ينظر له بوصفه مقياسا مباشرا للاستقرار أو الاضطراب، فكل قفزة في سعر الدولار تترجم تلقائيا لدى المواطنين إلى شعور بعدم الأمان، وتوقع موجة جديدة من الغلاء، حتى قبل أن تنعكس فعليا على الأسعار.

Image

هذا القلق النفسي، حسب ابتكار، يدفع الأسر إلى تعديل سلوكها الاستهلاكي، من خلال تقليص النفقات، أو الإسراع في شراء السلع خوفا من ارتفاع أسعارها مستقبلا، ما يخلق طلبا مضاعفا ويغذي التضخم من جديد، كما تؤدي حالة عدم اليقين إلى تراجع الثقة بالمستقبل، وتأجيل قرارات الاستثمار أو الزواج أو شراء السكن، ما ينعكس سلبا على النشاط الاقتصادي ككل.

كما تنقل الصحيفة آراء خبراء بهذا الشأن، حيث تقول الصحيفة أنهم يعتبرون أن غياب الرسائل الواضحة والمتسقة من الجهات الرسمية يزيد من حدة الاضطراب النفسي، فالتصريحات المتناقضة حول أسباب الأزمة أو توقيتها، وعدم تقديم خارطة طريق واضحة للخروج منها، يعمق الشعور بالعجز وفقدان السيطرة، وفي مثل هذه الأجواء، لم تعد الدعوات إلى الصبر أو التعاطف كافية لتهدئة الشارع، إذ بات المواطن ينتظر إجراءات ملموسة وإشارات عملية تعيد له قدرا من الطمأنينة.

كما تحذر ابتكار من أن استمرار التقلبات الحادة في سوق الصرف يضعف رأس المال الاجتماعي، ويؤثر في العلاقة بين الدولة والمجتمع، فكلما طال أمد عدم الاستقرار، زادت الشكوك في قدرة المؤسسات على إدارة الأزمة، وارتفعت مستويات التوتر والاحتقان، ما يجعل البعد النفسي أحد أخطر تداعيات ارتفاع سعر الصرف، وربما الأكثر استعصاءً على المعالجة السريعة.

سبل الخروج من الأزمة

يرى المراقبين الماليين أن الخروج من أزمة سعر الصرف الإيرانية تلك يتطلب رؤية شاملة وإصلاحات هيكلية عميقة، بدل الاكتفاء بإجراءات مؤقتة أو تدخلات ظرفية لا تعالج جذور المشكلة، فيجمع معظمهم على أن السيطرة على نمو السيولة النقدية تمثل نقطة الانطلاق الأساسية لأي مسار إصلاحي جاد.

Image

ويؤكد اقتصاديون أن ضبط السيولة لا يمكن أن يتحقق دون إصلاح حقيقي للموازنة العامة، وتقليص العجز المزمن الذي يدفع الحكومة إلى اللجوء للتمويل التضخمي، فطالما استمر الإنفاق العام في الارتفاع دون موارد مستدامة، سيبقى البنك المركزي تحت ضغط تمويل العجز، وستظل قيمة الريال عرضة للتآكل.

كما يشدد الخبراء على ضرورة إعادة الاعتبار لدور البنك المركزي، ومنحه استقلالية حقيقية تمكنه من إدارة السياسة النقدية بعيدا عن الإملاءات السياسية، فبنك مركزي ضعيف أو خاضع للضغوط لا يستطيع كبح التضخم ولا ضبط سوق الصرف، مهما بلغت قوة أدواته النظرية.

ومن الحلول المحورية التي يطرحها الاقتصاديون كذلك إصلاح نظام أسعار الصرف، ذلك عبر تقليص الفجوة بين الأسعار المختلفة، والسير تدريجيا نحو نظام أكثر شفافية وتوازنا، فاستمرار التعدد السعري لا يخلق فقط فرصا للفساد والمضاربة، بل يقوّض أيضا ثقة الفاعلين الاقتصاديين في السياسات الرسمية، وفي هذا الإطار، يرى بعض الخبراء أن توحيد سعر الصرف، ولو بشكل تدريجي، من شأنه أن يقلل الطلب الريعي على الدولار، ويعيد توجيه الموارد نحو النشاط الإنتاجي بدل المضاربة، كما أن وضوح قواعد السوق يساعد التجار والمستثمرين على التخطيط بشكل أفضل، ويخفف من حالة عدم اليقين السائدة.

Image

كذلك تبرز مسألة عودة عائدات الصادرات كأحد المفاتيح الأساسية لاستقرار سوق الصرف، فالتشدد في إلزام المصدرين بإعادة العملة، أو تقديم حوافز حقيقية للالتزام، يمكن أن يعزز عرض الدولار في السوق الرسمية ويخفف الضغط عن السوق غير الرسمية.

ويشير خبراء آخرون إلى أهمية ترشيد الاستيراد، لا عبر القيود الإدارية العشوائية، بل من خلال سياسات صناعية واضحة تشجع الإنتاج المحلي وتقلل الاعتماد على الواردات ذات القيمة المضافة المنخفضة، فخفض الطلب التجاري على الدولار يمثل عنصرا أساسيا في أي استراتيجية لتحقيق التوازن.

ولا يقل البعد المؤسسي والحوكمي أهمية عن الأدوات الاقتصادية، فمواجهة نفوذ الطبقات الاقتصادية الغنية، وتعزيز الشفافية، ومحاسبة الجهات التي تستفيد من الفوضى السعرية، تعد شروطًا ضرورية لاستعادة ثقة السوق والمجتمع. فبدون عدالة في تطبيق القوانين، ستظل أي إصلاحات معرضة للتقويض.

وأخيرا، يشدد الخبراء على أن إدارة الأزمة لا تكتمل دون إدارة التوقعات، فخطاب رسمي صريح، ومتسق، ومدعوم بإجراءات ملموسة، يمكن أن يخفف من القلق النفسي ويحد من السلوكيات التحوطية التي تغذي الطلب على الدولار، فاستعادة الثقة، في نظر كثير من الاقتصاديين، لا تقل أهمية عن استعادة التوازنات المالية، وهي حجر الأساس لأي استقرار مستدام في سعر الصرف.