- زاد إيران - المحرر
- 440 Views
شهدت الساحة السياسية والإعلامية في إيران جدلا واسعا بعد بث مناظرة تلفزيونية على تلفزيون همشهري التابع للصحيفة الإيرانية الشهرية، الأحد 10 نوفمبر/ تشرين الثاني 2025، جمعت بين النائبين في البرلمان الإيراني، حميد رسائي، ممثل طهران في البرلمان وأحد أشهر الأوجه الأصولية، وجلال رشيدي كوجي، النائب عن الدورة الحادية عشرة، لمناقشة واحدة من أكثر القضايا حساسية في المشهد الرقمي الإيراني.


وتأتي هذه المناظرة في سياق سياسي محتدم، إذ يشدد نواب البرلمان والمتحدث باسم مجلس صيانة الدستور، طحان نظيف، على أن أي قرار بشأن رفع الحظر عن تلغرام يجب أن يمر عبر المسار القانوني الكامل وتقديم مشروع رسمي إلى البرلمان، في الوقت الذي يدور فيه جدل شعبي واسع حول جدوى استمرار القيود المفروضة على المنصات الأجنبية، خصوصا مع تصاعد اعتماد الإيرانيين على أدوات كسر الحجب، VPN، لتجاوز القيود المفروضة على الإنترنت.

رشيدي كوجي.. الحجب قرار خاطئ قوض الحوكمة الرقمية
منذ اللحظات الأولى من المناظرة، تبنى كوجي موقفا ناقدا بشدة لسياسة الحجب، معتبرا أن حظر تطبيق التلجرام، والذي جاء في العام 2018 على أثر احتجاجات كبيرة في إيران، كان قرارا خاطئا منذ البداية، لأنه لم يؤد إلى ضبط الشائعات أو محاربة الأخبار الكاذبة، بل بالعكس، دفع المستخدمين إلى سلوك طرق ملتوية للوصول إلى المعلومات.

وصرح كوجي” إن النقاش لا يجب أن يختزل في رفع الحجب، بل في مفهوم الحوكمة نفسه، فقد اختارت السلطات طريقا خاطئا لإدارة الفضاء السيبراني، مما جعل إيران، تسير نحو المجهول، هذا النهج أضر بثقة الناس في مؤسسات الحكم، لأن الدولة ركزت على الجانب القمعي دون تطوير سياسات تنظيمية فعالة”.

كما تابع النائب الإصلاحي الأسبق أن الحجب، وبدلا من أن يعزز الأمن، قد قوضه فعليا، وذلك عبر تشجيع ملايين الإيرانيين على استخدام برامج كسر الحجب، التي يعتقد أن كثيرا منها تدار من قبل جهات معادية، وهو ما يعرض البلاد لمخاطر أمنية أكبر.
كما تساءل كوجي عن الهدف الحقيقي من الحجب، مشيرا إلى أن السلطات لم تستطع تقديم تبرير منطقي لنتائج سياساتها، مستشهدا بإحصاءات تشير إلى أن عدد مستخدمي تلغرام في إيران ازداد بعد الحظر، ومتسائلا بسخرية “كيف يمكن أن يزيد المستخدمون بينما تزعم التقارير الرسمية أن الجرائم الإلكترونية انخفضت؟”
رسائي… الحجب ليس هدفا بحد ذاته، بل جزء من الحوكمة
على الجانب الآخر، رفض حميد رسائي اتهامات كوجي، مؤكدا أنه ليس من أنصار الحجب المطلق، بل من دعاة الإدارة المنضبطة للفضاء السيبراني، موضحا أن أي دولة عاقلة لا يمكن أن تسمح بترك فضائها الرقمي دون ضوابط، خصوصا عندما تستخدم المنصات لأغراض عدائية ضد الأمن القومي.

وقال رسائي إن الحجب ليس أداة نهائية، بل أحد أركان السياسة العامة لصيانة المجتمع، مشيرا إلى أن كل دول العالم تمتلك سياسات رقابة رقمية بدرجات متفاوتة، وضارب مثل بتشريعات الاتحاد الأوروبي في هذا المجال، وأضاف أن الحوكمة الرقمية في إيران تهدف إلى ثلاثة أهداف رئيسية وهي مكافحة الجرائم السيبرانية المنظمة، تقليص الوصول إلى المحتوى الإباحي أو الإرهابي، وإدارة الحرب الإعلامية والحد من التبعية لشبكات معادية.
كما أشار رسائي خلال حديثه إلى أن الإحصاءات الرسمية تؤكد انخفاض قضايا الاحتيال المالي والتصيد الإلكتروني بنسبة 40٪ منذ عام 2022، مرجعا الفضل في ذلك الحجب، ومؤكدا أن هذا وحده يبرر استمرار السياسة الحالية.
رغم ذلك، أقر رسائي بأن الحجب لا يمكن أن يغلق جميع منافذ الاختراق، لكنه شدد على أنه يساهم في الحد من الأضرار، حيث صرح “كل العالم ينظم فضاءه الرقمي وفقا لقيمه، فلماذا يعد ذلك في إيران تقييدا للحرية؟”
الخلاف حول مفهوم راي الشعب والأضرار الاقتصادية
على أن تلك المناظرة لم تخل من النقاط الخلافية والمثيرة، فقد كان أبرزها الخلاف الحاد حول من يمثل صوت الشعب في هذا النقاش، حيث أكد كوجي أن القانون الذي يضر بأغلبية الناس قانون خاطئ، معتبرًا أن غالبية الإيرانيين يرفضون سياسة الحجب، بدليل لجوئهم اليومي إلى تطبيقات كسر الحظر، وقال إن استطلاعات الرأي تؤكد ذلك، وأنه يمكن رؤية رأي الناس بوضوح في الفضاء الافتراضي.
لكن رسائي رد على ذلك الطرح بسخرية، مخاطبا كوجي “إن صفحتك الشخصية على الإنترنت ليست معيارا لقياس رأي الشعب، أن الحديث عن الأغلبية لا بد أن يستند إلى مؤسسات رسمية وإلى فهم أعمق لرغبات الناس، وليس إلى ما يتداول في وسائل التواصل الاجتماعي، متهما خصمه بالسطحية في قراءة الرأي العام.
كذلك، فكان من القضايا التي أبرزها كوجي في المناظرة الأثر الاقتصادي السلبي للحجب على حياة الإيرانيين، فقد اعتبر أن الحجب سد أبواب الرزق أمام كثير من الشباب، وأدى إلى انهيار مشاريع صغيرة اعتمدت على المنصات الرقمية في التسويق والعمل الحر، مضيفا أن السياسات الحالية تعرّض الأمن الاقتصادي والاجتماعي للخطر أكثر مما تحميه، كما أشار إلى البعد الثقافي، قائلا إن الحجب لم ينجح في حماية الأخلاق العامة كما يدعي مؤيدوه، لأن الناس ببساطة وجدوا طرقا بديلة للوصول إلى المحتوى، بينما فقدت الثقة في فعالية الدولة.
في المقابل، أقر رسائي بوجود بعض الأضرار الاقتصادية، لكنه رأى أن الحل ليس في رفع الحجب، بل في تقنين الوضع وفرض قواعد على المنصات الأجنبية، وأوضح أن على تلغرام وغيرها أن تفتح مكاتب رسمية داخل إيران وتلتزم بالقوانين المحلية كي يسمح لها بالعمل بحرية.
الحجب بين الأمن والتناقض السياسي
في ختام المناظرة، كشف رسائي عن موقفه الرسمي من خطة الحكومة قائلا إنه يؤيد رفع الحظر عن تلغرام بشرط تنفيذ ثلاث خطوات تتمثل في إقرار وثيقة سياسات وضوابط التسعير وتقاسم العائدات الرقمية، تمرير مشروع قانون مكافحة الأخبار الكاذبة في الحكومة والبرلمان، وفتح مكاتب رسمية للمنصة داخل إيران، وأوضح أن رفع الحجب دون تحقيق هذه الشروط يعني دعم الفوضى، مؤكدا أن الهدف ليس المنع، بل التنظيم.ط

أما كوجي، فرأى أن هذه الشروط ليست سوى تسويف سياسي، مؤكدا أن رفع الحظر لم يعد مطلبا عاجلا للناس لأنهم تجاوزوه عمليا، لكن على الرئيس أن يلتزم بوعوده، وقال” الناس لم يعودوا يهتمون لأنهم اعتادوا على كسر الحجب، لكن استمرار الوضع الحالي خطر على الاقتصاد والأمن الاجتماعي، والحجب لم يحقق أهدافه ولم يخدم لا الثقافة ولا الأمن”.
أصوات تتعالى ضد الحجب… ودعوات تخوين
سبب التليجرام عاصفة في الداخل الإيراني خلال الفترة الماضية، فخلال الجلسة العلنية التي عقدت الأحد 2 نوفمبر/ تشرين الثاني 2025، صرح النائب البرلماني الأصولي محمد نقد علي، في تنبيه شفهي قائلا” تفيد الأنباء بأن الحكومة وقعت اتفاقا مع تلجرام لم يعرض على المجلس الأعلى للفضاء السيبراني، وأحذر وزير الاتصالات، ستار هاشمي، من أن أي اتفاق في هذا المجال يجب أن يُصادق عليه البرلمان، وإذا تم توقيع هذا الاتفاق دون مصادقة البرلمان، فسيدرج استجواب وزير الاتصالات على جدول الأعمال”.

فيما رد رئيس البرلمان، محمد باقر قاليباف على تلك التصريحات قائلا” أدعو النائب لعدم تقديم معلومات مغلوطة لا في جلسات البرلمان ولا من على منبره، وأنا، بصفتي عضوا في المجلس الأعلى للفضاء السيبراني، أعلن أن ما قلتموه عار تماما عن الصحة، السيد آقا تهراني عضو في هذا المجلس، وقد أُقر فيه قرار مكوَّن من 32 بندا، وأبلغ سماحة القائد به وصدرت الموافقة عليه، والعمل جار بموجبه”.

وعلى خلفية ذلك، عبر عدد من النشطاء السياسيين عن آرائهم في ذلك الأمر، كان من بينهم محمد جوادي حصار، الذي صرح خلال حديث له” كل شخص أو مجموعة تطرح فكرة أو خطة ما تسعى إما لتحقيق مصلحة أو درء ضرر، يجب أن نسأل السيد وأمثاله، ما الضرر الذي تلحقه بكم شبكة الإنترنت التي يجمع معظم الخبراء على أنها مصدر رزق لكثير من الأسر؟ اشرحوا للناس هذا الضرر إن كان منطقيا، ولن يترددوا في دعمكم، أما إذا كانت لديكم مصلحة في استمرار الحجب تتعارض مع مصلحة الناس، فلماذا لا تصرحون بشجاعة بأن رفع الحجب لا يخدمكم أنتم وأصدقاءكم؟”.

ويضيف” لقد قال الإمام الخميني إن الشعب هو صاحب القرار، حتى لو اتخذ قرارا يضر به! وكان يؤكد على المسؤولين أن يستجيبوا لمطالب الشعب وألا يقفوا في وجهه، فلماذا يظن بعض النواب، الذين لا يشكلون سوى 4% من البرلمان ودخلوا إليه بظروف خاصة، أنهم أدرى بمصالح الناس من الناس أنفسهم؟ لقد أظهر الناس في الانتخابات رغبتهم بوضوح حين صوتوا لمن وعد برفع الحجب ولم يصوّتوا لمن كان رمزا للقيود”.
ويتابع” لماذا يحب بعضهم أن يغرس إصبعه في عين الشعب ويبقيه ساخطًا؟ حسب بعض النواب، تجارة برامج كسر الحجب تدر أرباحا ضخمة، فهل هناك علاقة بين أنصار الحجب وبائعي تلك البرامج؟ من الذي سيتضرر إذا توقفت تجارتهم؟ النواب هم وكلاء الشعب، ولا يجوز أن يعمل الوكيل ضد مصلحة موكله. وإن فعل، فالموكل يملك حق عزله”.
أما محمد مهاجري، الناشط السياسي من التيار الأصولي، فصرح” بوصفي شخصا يكن احتراما لرجال الدين، يؤسفني حين أرى أمثال السيد نقد علي وأستمع إلى أقوالهم، لأنهم يزرعون النفور من رجال الدين، فمشكلتهم الحقيقية ليست مع تلجرام أو الفضاء السيبراني، بل مع الرئيس الحالي الذي لم يكن مرشحهم المفضل، ما يثار اليوم من ضجة ضد الرئيس والحكومة والمجتمع المدني هو انتقام لفشل مرشحهم في الانتخابات”.

ويضيف “إن مطلب رفع الحجب مطلب، شعبي عام، فهناك 85% من الإيرانيين يستخدمون برامج كسر الحجب، وجميعهم يريدون رفعه، يجب الإصغاء إلى صوت الأغلبية، أما بعض الأشخاص والجماعات، فيعيشون أوهاما لا تمت بصلة إلى مطالب الناس الحقيقية. حتى إن تصريحاتهم كذبت من قبل قاليباف نفسه”.
مناظرة تكشف عمق الأزمة الرقمية
اختتمت المناظرة دون توافق، لكنها كشفت بوضوح عن الانقسام البنيوي في الرؤية الإيرانية للفضاء السيبراني، بين من يرى الإنترنت مجالا للسيطرة السياسية، ومن يراه فرصة اقتصادية وثقافية تحتاج إلى إدارة مرنة لا إلى إغلاق الأبواب. وفي ظل واقعٍ يعيش فيه الإيرانيون خلف جدران رقمية مكسورة، يبدو أن النقاش حول تلجرام لم يعد مجرد قضية تطبيق محجوب، بل مرآة لصراع أعمق حول علاقة الدولة بالمجتمع في عصر الإنترنت، صراع بين الانفتاح والانضباط، بين الحوكمة والسيطرة، بين الخوف من الخارج وفقدان الثقة في الداخل.

