- زاد إيران - المحرر
- متميز
- 289 Views
جاء خطاب السيد مجتبى خامنئي بمناسبة حلول العام الإيراني الجديد، ويبدأ مع عيد النيروز في 21 مارس/آذار من كل عام، في لحظة تاريخية فارقة من عمر الجمهورية الإسلامية. فالخطاب ليس مجرد تهنئة بالعيد القديم بل هو إعلان رسمي عن ملامح “الولاية الثانية” في مرحلة ما بعد المرشد الراحل.
يكتسب الخطاب أهميته من كونه الجردة الأولى لنتائج العام الماضي ، الذي وصفه الخطاب بـ”عام الحروب الثلاث”، مما يضعنا أمام نص مشبع بالدلالات الأمنية والسياسية والاجتماعية.
سيميائية النص ولغة الجسد السياسي
بدأ الخطاب بالدعاء التقليدي (يا مقلب القلوب)، لكنه سرعان ما انتقل إلى لغة “المكاشفة”. استخدم السيد مجتبى لغة تجمع بين “الأبوية الروحية” و”الواقعية الميدانية”.
التقارن الزمكاني: أشار الخطاب إلى تقارن عيد الفطر مع النيروز، وهو توظيف رمزي لدمج “الهوية الإسلامية” بـ”الهوية القومية الإيرانية”، لتعزيز الوحدة الوطنية في مواجهة الانقسامات المفترضة.
التواضع الاستراتيجي: وصف نفسه بـ”المواطن البسيط” الذي لديه شهداء في دائرته المقربة. هذا الاستخدام اللغوي يهدف إلى كسر الحاجز الطبقي والسياسي بين “بيت القيادة” والشارع، خاصة بعد الأزمات التي شهدها العام الماضي.
جردة حساب “عام الحروب الثلاث”
قدم الخطاب توصيفا دراماتيكيا لأحداث العام المنصرم، مقسماً إياها إلى ثلاث جبهات وجودية:
حرب يونيو/حزيران 2025 وصفها بأنها “غدر صهيوني-أمريكي” استهدف النخبة العلمية والعسكرية. الدلالة هنا هي الاعتراف بحجم الخرق الأمني، لكن مع التأكيد على فشل “المحاسبات العدائية” في إسقاط النظام.
احتجاجات يناير/كانون الثاني 2026 هنا استخدم الخطاب مصطلح “كودتا” والتي تعني (انقلاب) بدلا من “احتجاجات” أو “اضطرابات”، مما يشير إلى رؤية القيادة لهذه الأحداث كعملية استخباراتية منظمة استغلت “الثغرات المعيشية”.
الحرب الثالثة وفقدان المرشد علي خامنئي هي الحرب النفسية التي تلت رحيل المرشد. اعتبر الخطاب أن صمود الشعب في هذه المرحلة كان الضربة الساحقة لمشاريع التقسيم واليأس.
“الأنثروبولوجيا السياسية” والنزول إلى الشارع
من أكثر النقاط إثارة للجدل والتحليل في الخطاب هي إشارة السيد مجتبى إلى استقلاله “تاكسي” للتحدث مع الناس بصفة مجهولة.
الرسالة من هنا أن القيادة لا تعتمد فقط على تقارير الأجهزة الأمنية بل تمارس “الاستطلاع المباشر. والهدف منها امتصاص الغضب الشعبي عبر التأكيد على أن “أنين الناس” يصل إلى قمة الهرم، فالاعتراف بـ”ضعف الإدارة” و”المشكلات المعيشية” هو تكتيك لامتلاك زمام المبادرة قبل أن يتحول النقد إلى فعل ثوري معارض.
العقيدة الاقتصادية للعام الجديد
تحت شعار “الاقتصاد المقاوم في ظل الوحدة الوطنية والأمن القومي”، حدد الخطاب الأولويات التالية:
خطة العلاج الشاملة: أعلن عن وجود خطة مدروسة من قبل الخبراء ستطرح قريبا. هذا يوحي بتغيير جذري في السياسات المالية، ربما يتضمن “جراحة اقتصادية” مؤلمة لكنها مغلفة بوعود “تأمين المعيشة”.
الربط بين الاقتصاد والأمن: لم يعد الاقتصاد مجرد رفاهية، بل هو “خط دفاعي”، وأي تعثر اقتصادي هو خرق أمني. هذا الربط يمنح الدولة صلاحيات استثنائية للتدخل في الأسواق ومحاربة ما تسميه “الفساد الممنهج”.
السياسة الخارجية وتكتيك “نزع الفتيل”
خَصّ الخطاب دول الجوار برسائل مشفرة وحاسمة:
باكستان وأفغانستان: دعوة “شق عصا المسلمين” هي تحذير مبطن من الانجرار خلف صراعات حدودية تخدم أجندات خارجية. إبداء الاستعداد للوساطة يكرس إيران كـ”مرجعية إقليمية”.
تركيا وعمان: نفى الخطاب بشكل قاطع ضلوع إيران أو “محور المقاومة” في الهجمات الأخيرة في هذه الدول. استخدام مصطلح “پرچم دروغین” (False Flag) يعكس وعيا استخباراتيا بمحاولات عزل إيران عن محيطها الدبلوماسي.
رسالة إلى الجوار: “نحن لا نستهدفكم، عدونا المشترك هو من يريد تفرقتنا”. هي سياسة احتواء تهدف لتأمين الحدود وتفريغ الجهد العسكري لمواجهة إسرائيل.
الإعلام والمعركة
وجه السيد مجتبى تحذيرا شديدا لوسائل الإعلام الداخلية، وطالبها بـ”عدم التركيز على نقاط الضعف. هذا يشير إلى توجه نحو “مركزية إعلامية” أكثر صرامة في العام الجديد. القيادة ترى أن “النقد العلني” في ظل الحرب النفسية هو خيانة وطنية تؤدي إلى خدش “الوحدة الوطنية”.
قراءة في مستقبل “الولاية”
يمكن تلخيص رؤية السيد مجتبى خامنئي لإيران في العام الجديد في النقاط التالية:
التحول من الثورة إلى “الدولة القوية”: الخطاب يركز على “الإدارة”، “الإنتاج”، و”الوحدة”، أكثر من التركيز على الشعارات الأيديولوجية البحتة. إنه خطاب “رجل دولة” يحاول تثبيت أركان حكمه عبر الكفاءة.
الشرعية الشعبية المباشرة: محاولة بناء علاقة مباشرة مع الشعب هي محاولة لتجاوز “البيروقراطية السياسية” المتهمة بالفساد، وتقديم المرشد كحكم بين الشعب والجهاز التنفيذي.
إدارة الصراع بـ”الصبر الاستراتيجي”: في ظل الحروب التي ذكرها، يبدو أن العام الجديد سيكون عام “الاستعداد والتحصين”. لن تبدأ إيران حروبا جديدة، بل ستعمل على “تثبيت المكاسب” وترميم الداخل.
الاختبار الكبير: الرهان الحقيقي للسيد مجتبى يكمن في “خطة العلاج الاقتصادي”. إذا نجحت هذه النسخة في تخفيف وطأة التضخم، فسوف يرسخ شرعيته كقائد “منقذ”. أما إذا فشلت، فإن شعار “الأمن القومي” قد يُستخدم لتبرير قمع أي حراك اجتماعي ناتج عن العوز الاقتصادي.
الخطاب وثيقة تؤسس لـ “إيران البراغماتية-الأمنية”، إيران التي تعترف بآلامها لكنها ترفض الانكسار، وتحاول أن توازن بين إرث المرشد الراحل ومتطلبات جيل جديد يطالب بالخبز والكرامة والأمن.
تصفير الأزمات البينية: الخطاب يعكس رغبة إيرانية في “تجميد الجبهات الثانوية”. إن دعوة باكستان وأفغانستان للصلح، ونفي التورط في أحداث تركيا وعُمان، يشيران إلى أن طهران في العام الجديد تتبنى استراتيجية “التحصين الإقليمي”. الهدف هو ضمان هدوء الحدود لتركيز الجهود على “جبهة الداخل” المنهكة اقتصاديا، و”جبهة المواجهة الكبرى” مع إسرائيل التي وُصفت بأنها في حالة “ضعف إدراكي”.
الخلاصة أن إيران في العام الجديد، من منظور السيد مجتبى خامنئي، هي دولة تمر بمرحلة “النقاهة القوية”. هي تدرك جراح عام الحروب الثلاثة، لكنها تستخدم تلك الجراح لشرعنة نظام صارم يضع “الخبز والأمن” كأولويتين مطلقتين. إن نجاح هذا العهد الجديد مرهون بمدى قدرة “خطة العلاج” الموعودة على ملامسة جيوب الناس، قبل أن تنفد طاقة “الصبر الاستراتيجي” التي طالبهم بها في خطابه.

