إيران تعيد النظر في سياسات الصادرات غير النفطية وصناعة الأحذية في ضوء خارطة الطريق الاقتصادية الجديدة

ترجمة دنيا ياسر نورالدين 

تناولت الصحف ووكالات الأنباء الإيرانية الثلاثاء 16سبتمبر/أيلول 2025 مشهد الاقتصاد الوطني من زاويتين مترابطتين؛ الأولى تكشف أزمات صناعة الجلود والأحذية كإحدى ركائز الصادرات غير النفطية في ظل السياسات النقدية وتراجع الأسواق الإقليمية، والثانية تبرز خريطة الطريق التي طرحها المرشد الإيراني لإنعاش الإنتاج وضبط الأسواق وتعزيز الشراكات، وسط جدل حول سبل كسر الركود وإعادة الثقة لبيئة الأعمال.

صناعة الأحذية في أحلك ظروفها

نشرت كل من وكالة أنباء “تسنيم” الإيرانية وصحيفة “مشرق نيوز“، المحسوبتين على التيار الأصولي، تقريرين سلطتا فيهما الضوء على التحديات التي تواجه صناعة الأحذية في البلاد، نتيجة غياب الدعم الحكومي والضغوط الضريبية وتفشي التهريب وتقادم الآلات، وأكد التقريران أن هذه الأزمات دفعت بعض المنتجين إلى تصدير الأحذية الإيرانية تحت علامات تجارية أجنبية، رغم ما تمتلكه الصناعة من طاقات كبيرة تؤهلها للانتعاش مجددا في حال توافر السياسات الداعمة.

وحذّر الأمين العام لجمعية صناعة الأحذية في إيران من أنّ غياب السياسات الفعّالة والدعم العملي دفع منتجي الأحذية إلى حافة الإغلاق، مؤكدا أنّ هذه الصناعة العريقة تعيش في أكثر ظروفها صعوبة وتهميشا.

ذكرت وكالة تسنيم أنّ صناعة الأحذية في إيران كانت ولا تزال إحدى الركائز المهمة في الإنتاج الوطني وتوفير فرص العمل، فهذه الصناعة، إضافة إلى تلبية الجزء الأكبر من احتياجات السوق المحلية، تمتلك طاقة تصديرية عالية.

وأشارت الوكالة إلى أنّ امتلاك إيران لأيد عاملة ماهرة، وخبرة طويلة في إنتاج الأحذية اليدوية والآلية، إلى جانب توفر المواد الأولية الجلدية، منحها مكانة مميزة بين الدول المنتجة للأحذية، كما أن العديد من المنتجات اليدوية الإيرانية عُرفت بجودتها العالية وتصاميمها الأصيلة وحظيت باهتمام خاص في الأسواق العالمية، لاسيما الأوروبية.

وتابعت الوكالة أنّه رغم هذه الإمكانات، فإنّ الصناعة العريقة تواجه منذ سنوات تحديات بنيوية واقتصادية قيدت قدرتها على المنافسة في الأسواق المحلية والخارجية وأكد التقرير أنّ الأحذية اليدوية الإيرانية لطالما لاقت اهتماماً في الأسواق الأوروبية، بل تُعرف في دول مثل إيطاليا باعتبارها منتجاً عالي الجودة، فيما تمكنت صناعة الأحذية الآلية في إيران، الممتدة منذ عقود، من خلق سلسلة قيمة في مجالات الإنتاج والتشغيل.

Image

الخبراء: الصناعة قادرة على النهوض مجددا

أشارت صحيفة  مشرق نيوز إلى أنّ التحديات الأساسية لهذه الصناعة تتراوح بين الضرائب والتأمين من جهة، وبين مشكلات التهريب وتآكل الآلات من جهة أخرى، ونقلت عن أمين عام جمعية صناعة الأحذية، أمير أحمدي، قوله إنّ غياب التخطيط والسياسات الحكومية الملائمة يمثل أحد أبرز أزمات هذا القطاع. 

وأضاف أنّ الصناعيين يواجهون مشكلات معقدة، فيما لا تتخذ الجهات الرسمية قرارات مناسبة لإدارة الوضع، مشيرا إلى أنّ القوانين المصممة للصناعات الكبرى تتحول إلى عوائق أمام الصناعات الصغيرة وتكبح نموها.

وتابع أحمدي أنّ الضرائب والتأمين يشكلان ضغطا مضاعفا على المنتجين، وأوضح أنّه خلال الأزمات الأخيرة، ولا سيما “الأيام الاثني عشر العصيبة” التي مرت على القطاع، لم تتحرك أي من مؤسسات التأمين أو الضرائب لمساندة الصناعة، كما أنّ الحزم التحفيزية التي أعلنت الحكومة عنها لم تُنفذ حتى الآن في هذا المجال.

وأكدت الصحيفة أنّ التهريب الواسع للأحذية إلى جانب تهالك المعدات أصبحا تهديدين خطيرين لبقاء الورش والمصانع، فبينما العمر القياسي للآلات في هذه الصناعة يتراوح بين 10 و15 عاما، فإن كثيراً من الأجهزة العاملة تجاوزت العشرين عاما.

وبيّنت أنّ الركود الاقتصادي وتراجع القوة الشرائية للمواطنين أجبر منتجي الأحذية على طرح منتجات أرخص وأقل جودة، وهو ما أضعف السوق الداخلية وأربك أيضا مسار التصدير.

ونقلت عن أحمدي قوله إن المنتجين يضطرون أحيانا إلى تصدير الأحذية الإيرانية إلى الأسواق العالمية تحت علامات تجارية أجنبية، في خطوة تتعارض مع قواعد التجارة، غير أن العقوبات وغياب الدعم دفعاهم إلى هذا المسار.

وختمت وكالة “تسنيم” تقريرها بالتأكيد على أنّ خبراء القطاع يرون أن صناعة الأحذية في إيران ما تزال تملك مقومات التحول إلى إحدى الركائز الأساسية للصادرات غير النفطية، غير أن تحقيق ذلك يستلزم تغييرا جوهريا في النهج القائم، من خلال إضفاء مزيد من المرونة على القوانين بما يسمح بنمو الصناعات الصغيرة إلى جانب الكبرى، فضلا عن إصلاح النظامين الضريبي والتأميني وتوفير المواد الأولية كشرط لإحياء هذه الصناعة.

أما صحيفة “مشرق نيوز”، فقد نقلت عن الأمين العام لجمعية صناعة الأحذية في ختام تقريرها قوله إن هذه الصناعة التاريخية لا تزال قادرة على تقديم مستويات عالية من الجودة، مؤكدا أن إزالة العراقيل القائمة يمكن أن يعيد لها موقعها المتميز في السوقين المحلية والعالمية.

Image

اليوم الوطني لصناعة الجلود والأحذية

في هذا الصدد أجرت وكالة أنباء الطلبة الإيرانية (إيسنا)  الأصولية حوارا مع علي لشكري، عضو مجلس إدارة جمعية صناعة الأحذية الإيرانية، تناول فيه تحديات صناعة الجلود والأحذية في البلاد، خصوصا مشاكل العملة وتراجع الصادرات إلى العراق.

ذكر علي لشكري، عضو مجلس إدارة جمعية صناعة الأحذية الإيرانية، إنّ القدرات والإمكانات التي تتمتع بها صناعة الجلود والأحذية في إيران لا تخفى على أحد، إلا أنّها تواجه في يومها الوطني جملة من التحديات الخطيرة. 

وأوضح أنّ غلبة السياسات النقدية وسياسات الصرف الأجنبي على السياسات الصناعية والتجارية، وصعوبة استيراد المواد الخام والآلات، إلى جانب تراجع الصادرات، خصوصا إلى العراق، من أبرز هذه التحديات.

وتابع، أنّ الفترة من 15 إلى 21 سبتمبر/أيلول 2025 قد سُمّيت أسبوع صناعة الجلود والأحذية في البلاد، وهي صناعة ذات طاقات كبيرة، خاصة في الأسواق الإقليمية، غير أنها باتت اليوم تواجه أزمات متعددة في مجالات الإنتاج، توريد الآلات، والسياسات النقدية.

 24% تراجع في قيمة الصادرات خلال أربعة أشهر

أكد لشكري أنّ الإحصاءات تظهر تراجع صادرات الأحذية بمختلف أنواعها خلال الأشهر الأربعة الأولى من العام الجاري بنسبة 24% من حيث القيمة و13% من حيث الوزن، في وقت كانت صادرات العام الماضي قد سجلت نموا إيجابيا بنسبة 20%.

وأردف أنّ السبب الرئيسي لهذا التراجع يعود إلى هيمنة السياسات النقدية وسياسات الصرف على السياسات الصناعية والتجارية. 

وأضاف أنّ البنك المركزي، بقيوده وتعليماته، حال دون تنفيذ سياسات وزارة الصناعة والتجارة الموجهة لتنمية الصادرات، وأوضح أنّ اعتماد التكلفة الكاملة للإنتاج على سعر صرف الدولار الحر يجعل من المستحيل على المصدر بيع منتجاته بأسعار أقل، وهو ما يعني عمليا “معاقبة المصدر”.

تابع لشكري قائلا إنّ الحل واضح، ويتمثل في السماح للمصدرين بتأمين احتياجاتهم من المواد الخام والآلات باستخدام العملات الأجنبية الناتجة عن صادراتهم، وأشار إلى أنّه رغم الوعود بتحسين أوضاع النظام التجاري الشامل، فإنّ المصدرين لا يزالون محرومين من هذه الإمكانية.

وأكد أنّ تجاوز التحديات الراهنة يتطلب دعما من القطاع الخاص والنظام المصرفي، وقال إنّ الأوضاع الاقتصادية للبلاد بعد الحرب الأخيرة التي دامت 12 يوما والتطورات الإقليمية أدت إلى تفاقم أزمات الصناع.

موضحا أنّ انخفاض المبيعات، انقطاع العلاقات مع الأسواق الخارجية، والقيود التصديرية، وارتفاع تكاليف الإنتاج، ونقص السيولة، وعودة الشيكات دون صرف، والعجز عن سداد الديون، كلها مشكلات جدية تهدد العاملين في هذا القطاع، وأضاف أنّ استمرار هذه الظروف قد يؤدي إلى فقدان الثقة في العلاقات التجارية وانتشار البطالة بما يرافقها من آثار اجتماعية سلبية.

Image

فرص النمو قائمة رغم التحديات الإقليمية

أشار لشكري إلى هشاشة المؤسسات الصغيرة والمتوسطة في هذه الصناعة، مبينا أنّها تواجه صعوبات في دفع رواتب العاملين وأقساط البنوك، فضلا عن الاضطرابات في سلاسل توريد المواد الخام، وأكد أنّ مواجهة هذه التحديات تتطلب تعاونا وثقة متبادلة بين الحكومة، القطاع الخاص، والنظام المصرفي.

وفيما يتعلق بالأسواق الإقليمية، قال لشكري إنّ العراق ما يزال الوجهة الأهم لصادرات الأحذية الإيرانية، حيث تستحوذ وحدها على أكثر من 50% من إجمالي الصادرات، لكنه أوضح أنّ الحكومة العراقية فرضت مؤخرا تعريفات جمركية جديدة رفعت أسعار الأحذية الإيرانية وأضعفت القدرة الشرائية للتجار العراقيين، وهو ما قد يؤدي إلى مزيد من تراجع حصة إيران في سوق تبلغ قيمتها 500 مليون دولار، لصالح منافسين مثل الصين وتركيا.

وأعرب لشكري عن أمله في أن يتمكن مسؤولو منظمة تنمية التجارة وغرفة التجارة الإيرانية العراقية من حل هذه المشكلة في أسرع وقت ممكن، وأضاف أنّ إزالة العقبات من شأنها أن تؤدي إلى ازدهار الصادرات، وتنشيط السوق المحلية، وإعطاء المؤسسات الصغيرة والمتوسطة متنفسا أكبر.

وختم لشكري بالتأكيد على أنّ صناعة الجلود والأحذية الإيرانية ما تزال تملك فرصا كبيرة للنمو، وقال إنّ الجودة العالية للجلود الإيرانية، وتنوع التصاميم، ومهارة الحرفيين، إذا ما توافرت لها خطط واضحة ودعم فعلي، يمكن أن تعزز موقع إيران في الأسواق الإقليمية بل وحتى العالمية. 

وأردف أنّ تطوير الصادرات غير النفطية مع الاهتمام الخاص بهذه الصناعة يشكل أحد الحلول العملية لزيادة الإنتاج وتعزيز الإيرادات الوطنية من النقد الأجنبي.