- زاد إيران - المحرر
- 465 Views
جلسة غير علنية لتأكيد التماسك الوطني، هكذا رد البرلمان الإيراني على عودة العقوبات، ببيان شجب وتمهل وصمت بمعنى كبير، فلأول مرة منذ مجيء مسعود بزشكيان على رأس السلطة التنفيذية، تستطيع قبة البرلمان أن تحوي اعتراضات الأصوليين، الذين وبالرغم من المواقف القوية على وسائل التواصل الاجتماعي، استطاع قاليباف أن يقنعهم بأن الوقت لم يحن بعد للخروج من المعاهدة.
شهد البرلمان الإيراني، 28 سبتمبر/أيلول 2025، جلسة غير علنية استمرت لساعتين تقريبا خصصت لمناقشة تفعيل آلية الزناد من قبل الدول الأوروبية، وما يترتب عليها من تبعات سياسية واقتصادية وأمنية على إيران.

وخلال الجلسة، بدأ محمد باقر قاليباف، رئيس البرلمان الإيراني، وذلك قبل إعلانه الجلسة غير علنية بناء على طلب أغلبية النواب، كلمته قبل جدول الأعمال بالتأكيد على عدم شرعية تنفيذ آلية سناب باك من قِبل الترويكا الأوروبية، وقال: “إن إيران لا تعتبر نفسها ملزمة بالامتثال لهذه القرارات غير القانونية، بما في ذلك تعليق التخصيب”، لكنه في الوقت نفسه شدد على ضرورة أن تكون معالجة القضايا المعيشية للشعب والحفاظ على التماسك الوطني في صدارة مهام مؤسسات النظام المختلفة.

هذا الموقف من رئيس البرلمان، وفقا لمصادر، حظي بتأييد أغلبية النواب، ومنهم المعسكر الأصولي وجبهة الصمود، وانعكس في القرارات التي اتخذت خلال الجلسة غير العلنية، والتي أعلن بعضها بعد الجلسة، وهي مطالبة الحكومة بالإسراع في تنفيذ خطة البطاقة التموينية بحيث يدفع المواطنون سعرا ثابتا للسلع الأساسية، وتتحمل الحكومة دفع الفارق، إحداث تحوّل في قطاع الإسكان، وتعزيز الجاهزية الدفاعية والأمن الداخلي.
كما دعا قاليباف في نهاية الجلسة جميع المسؤولين والفاعلين السياسيين إلى الحفاظ على الوحدة الوطنية وتجنب النزاعات الفئوية والحزبية، قائلا: “إن الشعب يراقب بدقة سلوك كل واحد منا، ومن يسيء إلى التماسك الوطني ويفتح شهية العدو سيتم عزله من قبل الشعب”.
وحول تفاصيل الجلسة البرلمانية، قال عباس كودرزي، المتحدث باسم هيئة رئاسة البرلمان: “بسبب تفعيل آلية سناب باك، ستفرض عقوبات على 112 فردا ومؤسسة، في حين أن العقوبات الأحادية الأمريكية شملت نحو ألفي فرد ومؤسسة”، وأضاف: “لذلك فإن ما نراه اليوم هو تأثيرات نفسية لآلية سناب باك، وهذه التأثيرات النفسية أكبر بكثير من الواقع الميداني أو الاقتصادي”.

وأكد كودرزي: “إن البرلمان يرى أنه من الإجراءات الضرورية بث الطمأنينة في المجتمع بأسره، فقد توصل البرلمان والحكومة اليوم إلى فهم مشترك، والتأكيد هو على ضرورة السيطرة على الآثار النفسية لآلية سناب باك، ومع الاعتماد على إمكانيات البلاد سنتمكن من تجاوز هذه المرحلة أيضا”.
كما أوضح المتحدث باسم هيئة رئاسة البرلمان أنه “طرحت آراء مختلفة ومقترحات متعددة بشأن كيفية مواجهة آلية سناب باك، وكان الخروج من NPT أحد هذه الآراء”، لكنه شدد: “ولكن أي قرار يتخذه البرلمان حول هذه المقترحات سيكون في إطار لجنة الأمن القومي، وبالتنسيق مع باقي مؤسسات النظام”.
وفي الشأن نفسه، قال إبراهيم رضائي، البرلماني الأصولي والمتحدث باسم لجنة الأمن القومي والسياسية الخارجية بالبرلمان، في حديث صحفي، إنه بالفعل قدمت طلبات متعددة لمناقشة الانسحاب من معاهدة منع انتشار السلاح النووي، وإن نحو 15 مقترحا مطروحا في البرلمان بهذا الخصوص، إلا أن أي قرار نهائي لم يتخذ بعد”.

وأضاف رضائي أن اتخاذ قرار مصيري كهذا يحتاج إلى إجماع وطني، لكنه شخصيا يرى أن إيران يجب أن تنسحب من المعاهدة، وأرجع ذلك إلى أداء الوكالة الدولية للطاقة الذرية الذي وصفه بغير المرضي، وإلى خرق الدول الغربية لالتزاماتها. وأكد أن إيران لطالما التزمت بتعهداتها في إطار NPT وتعاونت مع الوكالة، لكن الأخيرة لم تقم بواجباتها، بل هيأت الظروف لتكون ذريعة للهجوم على البلاد، وخلص إلى أن استمرار التعاون مع الوكالة والبقاء في NPT لم يعد في مصلحة إيران.
أين تقف السلطة من المعاهدة؟
رغم الغضب الحاضر في أروقة النظام الإيراني، إلا أن السلطة لا ترى فائدة من الانسحاب من المعاهدة، فالرئيس الإيراني بزشكيان قد صرح: “لا ننوي الخروج من معاهدة منع انتشار السلاح النووي، حتى لو عادت عقوبات مجلس الأمن، على الجانب الأخر فإن القوى الأجنبية تبحث عن ذريعة سطحية لإشعال المنطقة”.

من جانبه، قال علي لاريجاني، أمين المجلس الأعلى للأمن القومي: “لقد تابعنا جميع الخيارات والآليات الممكنة لحل هذه الأزمة سلميا”، مؤكدا أن إيران، في حال عودة العقوبات، ستوقف أي إصدار لتصاريح التفتيش على منشآتها النووية”، لكنه في الوقت نفسه لم يشر إلى الخروج من المعاهدة.

كذلك، أوضح وزير الخارجية عباس عراقجي في وقت سابق، ردا على تساؤل مشابه: “إن إيران لم تخرج من NPT، وستواصل تعاونها مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية تحت إشراف المجلس الأعلى للأمن القومي”.

إيران ومنع انتشار… هل نشهد نموذج بيونج يانج مرة أخرى؟
تعتبر معاهدة منع انتشار الاسلحة النووية NPT، والتي وقعت عام 1968 ودخلت حيز التنفيذ عام 1970، حجر الزاوية في النظام العالمي للحد من التسلح، فهي ترتكز على ثلاثة مبادئ أساسية تشكل الإطار القانوني والسياسي لها، أولا منع انتشار الأسلحة النووية الى الدول غير المالكة لها، ثانيا السعي نحو نزع السلاح النووي تدريجيا من قبل الدول الحائزة له، وثالثا ضمان حق جميع الدول الأعضاء في الاستخدام السلمي للطاقة النووية تحت إشراف ورقابة الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
ومنذ دخولها حيز التنفيذ، حظيت المعاهدة بقبول واسع، حيث انضمت اليها حتى اليوم أكثر من 190 دولة، لتصبح واحدة من أكثر الاتفاقيات الدولية انتشارا على الإطلاق، ومع ذلك، ثمة استثناءات بارزة، فالهند وباكستان واسرائيل لم توقع عليها، وكل منها يملك قدرات نووية معروفة او مفترضة، بينما انسحبت كوريا الشمالية رسميا من المعاهدة عام 2003 لتسلك مسارا نوويا خاصا بها انتهى بإجراء تجارب لقنابل ذرية.

أما إيران، فقد كانت من أوائل الموقعين على المعاهدة عام 1968، وصادقت عليها رسميا في عام 1970 في عهد الشاه محمد رضا بهلوي، ومنذ ذلك الوقت، أصبحت إيران ملتزمة على الورق بمقتضيات المعاهدة، اي الامتناع عن تطوير السلاح النووي والسماح للوكالة الدولية للطاقة الذرية بالتفتيش على منشآتها، ومع ذلك، فإن علاقتها بالمعاهدة وبالوكالة لم تكن يوما مستقرة او خالية من التوتر.
فبعد قيام الثورة عام 1979، ورثت الجمهورية الجديدة التزامات الشاه، لكنها سرعان ما دخلت في دائرة الشبهات الدولية، خاصة في ظل خطابها المناهض للغرب وحرصها على تطوير قدراتها الذاتية في مجالات حساسة، ومع مطلع الالفية الجديدة، تصاعدت الخلافات بصورة غير مسبوقة عندما كشف عن منشآت نووية غير معلنة في نطنز واراك، وهو ما دفع الوكالة الدولية للطاقة الذرية الى فتح تحقيقات موسعة، تبعها فرض مجلس الأمن الدولي ست قرارات بالعقوبات بين عامي 2006 و2010 استنادا إلى الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة.

رغم هذه العقوبات والاتهامات، ظلت طهران تؤكد ان برنامجها النووي ذو طبيعة سلمية، وأنها لم تخرق جوهر التزاماتها في NPT، وأصرت القيادة الإيرانية على أن المشكلة تكمن في تسييس الملف من جانب القوى الكبرى، لا في مخالفة إيران لنصوص المعاهدة. وقد بلغ الجدل ذروته مع التوصل إلى خطة العمل المشتركة الشاملة الاتفاق النووي في عام 2015، التي هدفت إلى وضع قيود إضافية على برنامج إيران مقابل رفع تدريجي للعقوبات الدولية. الاتفاق، الذي اعتبر اختراقا دبلوماسيا كبيرا، جاء ليؤكد مجددا التزام إيران بعضوية NPT، مع ترتيبات رقابية أكثر صرامة.
غير ان انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق عام 2018 تحت إدارة الرئيس دونالد ترامب أعاد الأمور إلى نقطة الصفر، إذ عادت العقوبات بقوة، وبدأت طهران بتقليص التزاماتها تدريجيا، دون أن تعلن الخروج رسميا من المعاهدة. هذا الوضع خلق انقساما داخليا في إيران، فالبعض يرى أن البقاء في NPT يمنح البلاد غطاء قانونيا ودوليا يحمي برنامجها السلمي من الاتهامات، بينما يعتقد آخرون أن الانسحاب سيمنح طهران ورقة ضغط قوية في مواجهة الغرب، وبعد إعادة العقوبات الأممية على إيران الأحد 28 سبتمبر/أيلول 2025، تجدد الجدل حول ما إذا كان يجب أن تستمر إيران في المعاهدة أو أن تخرج منها ردا على العقوبات.
من بين النقاشات التي أثيرت، حضرت تجربة كوريا الشمالية كدليل على مخاطر الانسحاب من NPT، فبعد انسحاب بيونج يانج عام 2003 وتجربتها النووية الأولى عام 2006، تبنى مؤتمر مراجعة المعاهدة عام 2010 تعديلا ينص على أن الدول المنسحبة تبقى مسؤولة عن المخالفات السابقة للانسحاب، وهذا يعني أن إيران، حتى لو انسحبت، ستظل عرضة لمطالبات المجتمع الدولي بالمساءلة عن أنشطتها السابقة، وهو ما قد يزيد الضغط عليها بدلا من تخفيفه.


