- زاد إيران - المحرر
- 255 Views
في لحظة مفصلية من تاريخ المنطقة، تتقاطع التحولات العسكرية مع الحسابات السياسية لتعيد رسم ملامح المشهد داخل إيران وخارجها. فالحرب الدائرة لم تعد مجرد مواجهة ميدانية، بل تحولت إلى اختبار عميق لموازين القوة، ولطبيعة الخيارات المطروحة أمام الفاعلين السياسيين. وبين تصاعد الخطاب السيادي وتراجع رهانات التهدئة، تتبلور مواقف تعكس قراءة مختلفة لمستقبل الصراع ومساراته المحتملة. وفي ظل هذا المشهد المعقد، يبرز سؤال جوهري حول الكيفية التي ستدار بها المرحلة المقبلة، وما إذا كانت ستفتح الباب أمام إعادة تشكيل التوازنات أم ترسخ الاتجاهات القائمة.
شروط كيهان لوقف الحرب… رؤية ردعية لإعادة تشكيل موازين القوة
ففي خضم الحرب الجارية بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، برزت صحيفة كيهان بوصفها أحد أبرز المنابر المعبرة عن المزاج السياسي للتيار الأصولي، مقدمة تصورا متكاملا ومشددا لإنهاء الحرب لا يقتصر على وقف العمليات العسكرية، بل يتجاوز ذلك إلى إعادة صياغة قواعد الاشتباك الإقليمي والدولي. فيما يكشف هذا التصور عن مقاربة أصولية ترى أن أي نهاية للحرب لا ينبغي أن تكون مجرد هدنة مؤقتة أو تسوية سياسية تقليدية، بل يجب أن تقوم على شروط مسبقة صارمة تفرضها إيران وتُنفذ فعليًا على الأرض قبل إعلان انتهاء الحرب.
فقد قدمت كيهان، في تقريرها الصادر اليوم 29 مارس/ آذار 2026، قراءة تراكمية للتجارب السابقة، وعلى رأسها تجربة الاتفاق النووي، التي ينظر إليها التيار الأصولي باعتبارها نموذجا لفشل الثقة بالولايات المتحدة والغرب، حيث لم تؤد، وفق هذا الطرح، إلى ضمانات حقيقية أو التزامات مستدامة. ومن هنا، تؤكد كيهان أن أي إعلان لنهاية الحرب لا يكون ذا معنى إلا إذا تحقق على أساس شروط أساسية وشاملة ورادعة، يتم تنفيذها عمليا في الميدان وعلى المستويين الإقليمي والدولي، لا الاكتفاء بالتعهدات أو البيانات السياسية.

وتتمثل أول هذه الشروط من وجهة نظر كيهان في الانسحاب الكامل للقوات الأمريكية من المنطقة، مع تفكيك قواعدها العسكرية في غرب آسيا، وهو شرط يعكس سعيا واضحا لإنهاء الوجود العسكري الأمريكي في المجال الحيوي لإيران. ولا يقتصر هذا الطرح على البعد العسكري فحسب، بل يحمل دلالة استراتيجية تتعلق بإعادة توزيع النفوذ في المنطقة بما يعزز موقع إيران كقوة إقليمية مركزية.
أما الشرط الثاني، فيتمثل في فرض نظام رسمي وقانوني اقتصادي لتنظيم عبور السفن عبر مضيق هرمز، بحيث يكون هذا النظام خاضعًا لسيادة الجمهورية الإسلامية الإيرانية. ويكتسب هذا الشرط أهمية خاصة بالنظر إلى المكانة الحيوية للمضيق في التجارة العالمية للطاقة، ما يعني أن إيران تسعى، من خلال هذا الطرح، إلى تثبيت دورها كفاعل رئيسي في أحد أهم الممرات البحرية الدولية.
ويشمل الطرح أيضا شرطا ثالثا يتعلق بعدم التعرض للعراق ولبنان ومحور المقاومة، في إشارة واضحة إلى شبكة الحلفاء الإقليميين التي تمثل أحد أعمدة الاستراتيجية الإيرانية في المنطقة، وعلى الصعيد الاقتصادي، تطالب كيهان بالإعلان الرسمي عن رفع العقوبات المفروضة من قبل الأمم المتحدة والولايات المتحدة، إلى جانب الإفراج الفوري عن الأصول الإيرانية المجمدة في الخارج وإعادتها، في إشارة تعكس إدراكا عميقا لأثر العقوبات على الاقتصاد الإيراني، ورغبة في تحويل نهاية الحرب إلى فرصة لإنهاء الضغوط الاقتصادية الممتدة منذ سنوات.
وفي بعد قانوني وسياسي، تدعو الصحيفة إلى إعلان الولايات المتحدة وإسرائيل كجهتين معتديتين، مع إلزامهما بدفع تعويضات مبدئية يتم تثبيتها ميدانيا إلى حين التوصل إلى تسوية نهائية، كما تطرح شرطا إضافيا يتمثل في إنهاء ادعاءات الإمارات بشأن الجزر الثلاث عبر بيان رسمي دائم، وهو ما يعكس توسيع نطاق المطالب الإيرانية ليشمل ملفات إقليمية أخرى.

كما تتضمن الشروط التزاما رسميا من قبل من وصفتهم بالمعتدين بوقف دائم للحرب وعمليات الاغتيال، في محاولة لضمان عدم تكرار سيناريوهات التصعيد السابقة. أما فيما يتعلق بالملف النووي، فتذهب الرؤية الأصولية إلى أبعد من ذلك، إذ تطرح خيار انسحاب إيران من معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، استنادًا إلى البند العاشر منها، مع الإبقاء على إمكانية العودة إليها وفق ما تقتضيه المصالح الوطنية.
بهذا الطرح، يتضح أن التيار الأصولي لا يتعامل مع نهاية الحرب كمسألة تكتيكية أو ظرفية، بل كفرصة استراتيجية لإعادة رسم موقع إيران في النظامين الإقليمي والدولي، من خلال فرض شروط تعكس ميزان قوة جديدًا قائمًا على الردع والسيادة الكاملة.
الأصوليون والمفاوضات… بين الحذر التكتيكي والرفض الجوهري
على الرغم من هذه الشروط الصارمة، فحسب خبراء وقراءات للمواقف الأصولية بين حرب يونيو/ حزيران 2025 والحرب الجارية، فلا يتبنى التيار الأعلى صوتا في إيران موقفا رافضا بشكل مطلق لفكرة المفاوضات، لكنه يتعامل معها بمنطق مركب يجمع بين القبول التكتيكي والرفض الجوهري. فالموقف الأصولي يقوم على التشكيك العميق في نوايا الطرف المقابل، واعتبار المفاوضات ساحة صراع بحد ذاتها، لا وسيلة محايدة لحل النزاعات.
في هذا السياق، ينتقد الأصوليون بشدة الأصوات الداخلية التي تدعو إلى تسريع المفاوضات أو إنهائها بسرعة، معتبرين أن هذه الدعوات تنم عن تبسيط مخل لطبيعة الصراع، وتجاهل لسجل طويل من التوتر والعداء مع الولايات المتحدة. ويذهب الخطاب الأصولي إلى حد اعتبار أن مثل هذه الطروحات تفضي عمليا إلى القبول بشروط الطرف الآخر، وهو ما يُفسر بوصفه شكلًا من أشكال الاستسلام السياسي.

ويستند هذا الموقف إلى قراءة ترى أن الولايات المتحدة لا تسعى إلى تسوية متوازنة، بل إلى فرض شروط تؤدي إلى إضعاف إيران أو تقويض بنيتها الداخلية، فيما تعزز هذه القراءة بالإشارة إلى الهجمات العسكرية، والعقوبات الاقتصادية، والتصريحات التي تربط الضغوط الاقتصادية بإثارة الاضطرابات الداخلية، ما يعمّق الشعور بانعدام الثقة.
وفي هذا الإطار، يدافع الأصوليون عن خيار المفاوضات غير المباشرة، معتبرين أنه أسلوب مشروع وواقعي في إدارة النزاعات المعقدة، يتيح الحفاظ على مسافة سياسية ونفسية مع الطرف المقابل، ويقدم هذا الخيار بوصفه وسيلة لتجنب تقديم تنازلات رمزية قد تفهم على أنها ضعف، مع إبقاء قنوات التواصل مفتوحة عبر وسطاء.
لكن الأهم من ذلك، أن قبول الأصوليين بالمفاوضات لا ينبع من قناعة بإمكانية تحقيق اختراق حقيقي، بل من اعتبارات أخرى، أبرزها كسر الصورة التي تروجها الأطراف المعادية عن إيران بوصفها دولة رافضة للحوار، وكذلك إظهار الاستعداد لمواجهة جميع الخيارات، بما في ذلك التصعيد العسكري.

وفيما يتعلق بإمكانية تحقيق نتائج ملموسة، مثل رفع العقوبات أو إنهاء العداء، يتسم الخطاب الأصولي بدرجة عالية من التشكيك، إذ ينظر إلى السياسة الدولية باعتبارها مجالا غير قابل للتنبؤ، تحكمه مصالح متغيرة وعوامل معقدة. ومن هنا، يرفض تقديم أي توقعات حاسمة بشأن نتائج المفاوضات، مع التأكيد على أن تحقيق الأهداف يتطلب الاعتماد على الجهد الذاتي أكثر من التعويل على التفاهمات الخارجية.
وبذلك، يتضح أن الموقف الأصولي من المفاوضات يقوم على معادلة دقيقة، وهي استخدام المفاوضات كأداة تكتيكية ضمن استراتيجية أوسع، دون الانخراط فيها بوصفها المسار الأساسي أو الوحيد لإنهاء الصراع.
ما بعد الحرب… صعود الأصوليين وتراجع الإصلاحيين في ميزان القوة الداخلي
تشير المعطيات الصادرة عن الداخل الإيراني أن تلك الحرب، في حال انتهائها ضمن السياق الحالي حيث لا غالب مباشر ولا مغلوب مباشر، ستفضي على الأرجح إلى تعزيز موقع التيار الأصولي داخل إيران، مقابل تراجع ملحوظ في نفوذ التيار الإصلاحي. فالحرب، بطبيعتها، تعيد ترتيب الأولويات الوطنية، وتدفع نحو تغليب الاعتبارات الأمنية على الاعتبارات التنموية، وهو ما يصب في صالح الخطاب الأصولي.
فمن جهة، أدت المواجهة العسكرية إلى تعزيز الرواية التي ترى في الولايات المتحدة تهديدا وجوديا يتجاوز مجرد الخلافات السياسية، وهو ما منح التيار الأصولي مصداقية أكبر، خاصة مع تلاقي بعض الأصوات الإصلاحية مع هذا الطرح. هذا التطور جعل من الصعب على الإصلاحيين الاستمرار في الدفاع عن خيار التفاوض أو التقارب مع الغرب دون التعرض لانتقادات حادة.

من جهة أخرى، أفرزت الحرب حالة من التلاحم الوطني تجاوزت الانقسامات التقليدية، حيث أظهر المجتمع الإيراني قدرته على التوحد في مواجهة التهديدات الخارجية، غير أن هذا التلاحم، رغم طابعه الجامع، قد يعزز من موقع الأصوليين الذين يقدمون أنفسهم كحماة السيادة والبقاء، خاصة في ظل تصاعد الخطاب الأمني.
كما أن الحرب قد أسهمت في تعزيز نفوذ المؤسسات العسكرية، وعلى رأسها الحرس الثوري، الذي يعد أحد الركائز الأساسية للتيار الأصولي. ومع تزايد دور هذه المؤسسات في إدارة الأزمة، يصبح من المرجح أن يستمر نفوذها في مرحلة ما بعد الحرب، ما ينعكس بدوره على موازين القوة السياسية.
في المقابل، يواجه التيار الإصلاحي تحديات متزايدة، إذ يجد نفسه محاصرا بين واقع ميداني يعزز الرواية الأصولية، ومجال سياسي يتقلص بفعل تصاعد الاعتبارات الأمنية. كما أن استمرار النهج الحالي قد يؤدي إلى مزيد من التضييق على المساحة المتاحة للإصلاح السياسي، خاصة إذا تم ربط أي دعوات للتغيير الداخلي بمخاطر خارجية.

ومع ذلك، لا يمكن إغفال أن الحرب كشفت أيضا عن وجود رصيد اجتماعي مهم من التلاحم الوطني، وهو ما قد يشكل فرصة لإعادة بناء العلاقة بين الدولة والمجتمع. غير أن استثمار هذه الفرصة يتطلب مراجعة سياسية عميقة، وهو أمر يبقى مرهونا بمدى استعداد التيار الأصولي لإعادة النظر في بعض سياساته.
في المحصلة، يبدو أن نهاية الحرب، إن حدثت، لن تكون مجرد نهاية لمرحلة عسكرية، بل بداية لمرحلة سياسية جديدة داخل إيران، يرجح فيها أن يخرج التيار الأصولي أكثر قوة وتماسكا، مستفيدا من الظروف التي فرضتها الحرب، فيما يواجه التيار الإصلاحي تحديات كبيرة في الحفاظ على موقعه ودوره في المشهد السياسي.

