أزمة النقد في إيران.. بين شح السيولة الورقية وطباعة الأموال وهشاشة النظام المصرفي

تشهد إيران في الآونة الأخيرة أزمة نقدية متفاقمة أعادت إلى الواجهة أسئلة قديمة تتعلق بقدرة النظام المصرفي على إدارة السيولة، وحدود سياسات البنك المركزي في مواجهة التضخم، وطبيعة العلاقة المعقدة بين طباعة الأموال وتدهور القوة الشرائية للمواطنين. ففي الوقت الذي يشتكي فيه الإيرانيون من اختفاء الأوراق النقدية من أجهزة الصراف الآلي، وتراجع قدرة البنوك على تلبية الطلب المتزايد على السيولة، تتصاعد التحذيرات الاقتصادية من هشاشة البنية المصرفية، وارتفاع معدلات التضخم، وتزايد الاعتماد على خلق السيولة كحل مؤقت للأزمات المالية والاقتصادية المتراكمة.

ولا تبدو الأزمة الحالية مجرد نقص عابر في الأوراق النقدية، بل تعكس أزمة أعمق ترتبط بطبيعة الاقتصاد الإيراني نفسه، الذي يواجه منذ سنوات ضغوطا مركبة تشمل العقوبات الدولية، وتراجع قيمة العملة المحلية، وتضخم الديون الحكومية، وارتفاع معدلات السيولة النقدية، إلى جانب اختلالات هيكلية داخل القطاع المصرفي. وبينما تسعى السلطات الإيرانية إلى دفع المواطنين نحو استخدام الخدمات المصرفية الإلكترونية وتقليل الاعتماد على النقد الورقي، يرى كثير من المواطنين والخبراء أن ما يحدث اليوم يكشف حدود هذه السياسات في ظل اقتصاد لا يزال يعتمد بصورة واسعة على التداول النقدي في الحياة اليومية.

شح النقد الورقي… أزمة يومية تكشف اختلالات أعمق

في شوارع طهران وعدد من المدن الإيرانية، تحولت عملية الحصول على الأموال النقدية إلى معاناة يومية بالنسبة للمواطنين. فالمشاهد المتكررة لأجهزة الصراف الآلي الفارغة، والطوابير الطويلة أمام الفروع البنكية، والقيود المفروضة على السحب النقدي، باتت تعكس أزمة ملموسة يشعر بها المواطن الإيراني بشكل مباشر.

Image

وتشير التقارير الميدانية الصادرة عن وسائل إعلام إيرانية إلى أن كثيرا من أجهزة الصراف الآلي أصبحت إما خارج الخدمة أو غير قادرة على صرف الأموال، فيما تفرض بعض البنوك قيودا على السحب النقدي بحجة نقص السيولة أو محدودية توفر الأوراق النقدية. هذا الواقع دفع كثيرا من المواطنين إلى التنقل بين عدة أجهزة صراف أو فروع مصرفية للحصول على مبالغ مالية بسيطة، في مشهد يعكس حجم الضغط الواقع على النظام النقدي.

ولا يقتصر الأمر على نقص الأوراق النقدية الكبيرة فقط، بل امتد أيضا إلى اختفاء الفئات الصغيرة أو ما يعرف بالفكة، وهو ما تسبب في إرباك المعاملات اليومية داخل الأسواق ووسائل النقل والمحلات التجارية، وأصبح الخلاف بين السائقين والركاب، أو بين البائعين والزبائن بسبب غياب النقود الصغيرة، جزءا من المشهد اليومي داخل المدن الإيرانية.

Image

وفي محاولة لتفسير هذه الأزمة، أشار مسؤولون مصرفيون إلى أن تكلفة طباعة بعض الفئات النقدية الصغيرة أصبحت أعلى من قيمتها الاسمية نفسها، ما دفع البنك المركزي إلى تقليل إنتاجها تدريجيا. ويقول أمين اللجنة القانونية لرابطة البنوك الإيرانية إن تكلفة طباعة وتوزيع بعض الأوراق النقدية الصغيرة تجاوزت قيمتها الفعلية، وهو ما جعل البنك المركزي يتجه إلى تقليص إنتاج هذه الفئات، وتشجيع المواطنين على استخدام وسائل الدفع الإلكتروني بدلا منها.

لكن هذا التبرير لم يخفف من غضب الشارع الإيراني، خاصة أن الاقتصاد الإيراني لا يزال يعتمد بشكل واسع على التداول النقدي، سواء في الأسواق التقليدية أو بين أصحاب الأعمال الصغيرة والباعة المتجولين، الذين لا تزال المدفوعات النقدية تمثل بالنسبة لهم الوسيلة الأساسية للتعاملات اليومية.

Image

كما أن الأزمة كشفت في الوقت ذاته عن هشاشة الوضع المالي لبعض البنوك الإيرانية، التي باتت تواجه صعوبة في تلبية الطلب المتزايد على السيولة النقدية، خصوصا في أوقات صرف الرواتب أو خلال المناسبات والأعياد. ويرى خبراء أن هذه الأزمة ليست منفصلة عن حالة الاختلال البنيوي التي يعاني منها النظام المصرفي الإيراني منذ سنوات، نتيجة تراكم الديون، وارتفاع القروض المتعثرة، وضعف رؤوس الأموال، والاعتماد المفرط على الودائع قصيرة الأجل.

طباعة الأموال وخلق السيولة… العلاج الذي يتحول إلى أزمة

في قلب الأزمة النقدية الإيرانية يقف سؤال أكثر عمقا يتعلق بكيفية خلق الأموال وإدارة السيولة داخل الاقتصاد. فالكثير من الإيرانيين، كما هو الحال في عدد من دول العالم، ينظرون إلى طباعة الأموال باعتبارها السبب المباشر وراء التضخم وتراجع قيمة العملة المحلية.

غير أن مفهوم طباعة الأموال في الاقتصاد الحديث لا يقتصر فقط على تشغيل المطابع وإنتاج أوراق نقدية جديدة، بل يرتبط أساسا بعملية خلق السيولة عبر النظام المصرفي. ففي الأنظمة المالية الحديثة، لا تشكل الأوراق النقدية سوى نسبة صغيرة من إجمالي المعروض النقدي، بينما يتم خلق الجزء الأكبر من الأموال عبر البنوك التجارية من خلال القروض والائتمان.

ويعمل النظام المصرفي وفق ما يعرف بالاحتياطي الجزئي، حيث تحتفظ البنوك بجزء محدود من أموال المودعين لدى البنك المركزي، بينما تقوم بإقراض الجزء الأكبر للمواطنين والشركات. وعندما تمنح البنوك قروضا جديدة، فإنها في الواقع تخلق أموالا جديدة تدخل إلى الدورة الاقتصادية، ما يؤدي إلى زيادة السيولة المتداولة في السوق.

Image

وتلجأ الحكومات عادة إلى توسيع المعروض النقدي عندما تواجه أزمات مالية أو عجزا في الموازنة أو ركودا اقتصاديا، باعتبار أن ضخ السيولة يساعد على تنشيط الاقتصاد وتحفيز الإنفاق والاستثمار. لكن المشكلة تظهر عندما ترتفع كمية الأموال المتداولة بوتيرة أسرع من نمو الإنتاج الحقيقي للسلع والخدمات، وهو ما يؤدي إلى ارتفاع الأسعار وتفاقم التضخم.

وفي إيران، تفاقمت هذه المشكلة خلال السنوات الأخيرة نتيجة العقوبات الاقتصادية، وتراجع عائدات النفط، وارتفاع الإنفاق الحكومي، ما دفع السلطات إلى الاعتماد بشكل متزايد على خلق السيولة لتغطية العجز وتمويل النفقات. ويرى اقتصاديون أن هذا التوسع النقدي ساهم بصورة مباشرة في تراجع قيمة الريال الإيراني وارتفاع معدلات التضخم بصورة حادة.

Image

ويحذر خبراء الاقتصاد من أن الاستمرار في زيادة السيولة دون إصلاحات هيكلية حقيقية قد يقود إلى دوامة تضخمية خطيرة، خصوصا في ظل ضعف الإنتاج المحلي وتراجع الثقة بالعملة الوطنية. كما أن الاعتماد المفرط على السياسات النقدية لمعالجة الأزمات الاقتصادية يؤدي غالبا إلى نتائج عكسية، حيث تتحول السيولة الجديدة إلى مضاربات في العملات الأجنبية والذهب والعقارات بدلا من توجيهها نحو القطاعات الإنتاجية.

ولهذا السبب، أصبحت مسألة «طباعة الأموال» أو خلق السيولة محورا رئيسيا في النقاشات الاقتصادية داخل إيران، خاصة مع تزايد المخاوف من تكرار سيناريوهات التضخم الجامح التي شهدتها دول أخرى مثل فنزويلا أو بعض التجارب التاريخية في أوروبا.

هشاشة البنوك الإيرانية… المخاطر الكامنة خلف الأزمة

إلى جانب أزمة النقد والتضخم، تكشف التطورات الأخيرة عن أزمة أكثر خطورة تتعلق بقدرة النظام المصرفي الإيراني نفسه على الصمود أمام الضغوط الاقتصادية والسياسية المتزايدة. فبحسب خبراء مصرفيين، تعاني البنوك الإيرانية من ضعف واضح في كفاية رأس المال، وارتفاع حجم الأصول غير القابلة للتسييل، إضافة إلى اعتمادها الكبير على الودائع قصيرة الأجل كمصدر أساسي للتمويل.

Image

ويؤكد باحثون اقتصاديون أن جزءا كبيرا من رؤوس أموال البنوك الإيرانية يعتمد على أصول معاد تقييمها أو أرباح غير محققة، ما يعني أن جودة رأس المال أقل بكثير من المعايير الدولية المعتمدة. وفي حال تعرض الاقتصاد لصدمات قوية، مثل تصاعد التوترات العسكرية أو تشديد العقوبات أو انهيار العملة، فإن قدرة هذه البنوك على امتصاص الخسائر ستكون محدودة للغاية.

كما أن البنوك الإيرانية تواجه مشكلة متزايدة تتعلق بالقروض المتعثرة والأصول الوهمية، حيث تحتفظ بعض المؤسسات المالية بأصول منخفضة القيمة داخل ميزانياتها دون الاعتراف الحقيقي بالخسائر، الأمر الذي يمنح صورة محاسبية مضللة عن وضعها المالي.

Image

وتزداد المخاوف أكثر مع استمرار اعتماد البنوك الإيرانية بصورة شبه كاملة على الودائع التقليدية، في غياب أدوات مالية حديثة تساعد على توزيع المخاطر وتعزيز القدرة على امتصاص الصدمات. ويرى خبراء أن هذا النموذج التقليدي يجعل النظام المصرفي أكثر هشاشة أمام أي أزمة اقتصادية أو سياسية كبرى.

وفي ظل هذه الظروف، يواجه البنك المركزي الإيراني معضلة معقدة؛ فمن جهة يحتاج إلى السيطرة على التضخم وتقليص السيولة، ومن جهة أخرى لا يستطيع تشديد القيود بصورة كبيرة خوفا من تعثر البنوك أو توقفها عن تلبية احتياجات المواطنين من النقد والائتمان.

كما أن استمرار الحكومة في فرض القروض الإلزامية على البنوك، مثل قروض الزواج والدعم الاجتماعي، يزيد من الضغوط الواقعة على المؤسسات المالية، خاصة في ظل محدودية الموارد وضعف السيولة.

Image

ويرى محللون أن الأزمة الحالية لا تتعلق فقط بإدارة النقد أو توفر الأوراق المالية، بل ترتبط بطبيعة النموذج الاقتصادي الإيراني بأكمله، الذي بات يواجه تحديات مركبة تشمل التضخم، والعقوبات، وتراجع الاستثمار، وضعف الثقة في العملة المحلية، وارتفاع الاعتماد على خلق السيولة كحل قصير الأجل.

وفي الوقت الذي تدفع فيه السلطات نحو توسيع الخدمات الإلكترونية وتقليل الاعتماد على النقد الورقي، يعتقد كثير من الإيرانيين أن المشكلة الأساسية ليست في شكل الأموال، بل في تراجع قيمتها الحقيقية، وفي القلق المتزايد من المستقبل الإقتصادي.

ومع استمرار الضغوط الاقتصادية والسياسية، تبدو أزمة النقد في إيران مرشحة لمزيد من التعقيد، خصوصا إذا لم ترافقها إصلاحات هيكلية حقيقية تعيد التوازن إلى النظام المصرفي، وتحد من التضخم، وتعزز الثقة بالاقتصاد الوطني. وحتى ذلك الحين، سيبقى المواطن الإيراني يواجه يوميا أزمة الحصول على أمواله، في مشهد يعكس عمق الاختلالات الاقتصادية التي تعيشها البلاد.

كلمات مفتاحية: