- زاد إيران - المحرر
- 579 Views
نشرت وكالة أنباء تسنيم الأصولية، الثلاثاء 22 يوليو/تموز 2025، تقريرا أفادت فيه بأن النفايات الكيميائية تُعدّ من التحديات الأساسية في عالم الصناعة الحديثة؛ وهو تحدٍّ ازداد تعقيدا وخطورة مع تطوّر صناعات النفط والبتروكيماويات والأدوية والدهانات والمنظفات، وغيرها من العمليات الصناعية.
وأضافت الوكالة أن هذه النفايات تحتوي في كثير من الأحيان على مركبات عضوية متطايرة، ومعادن ثقيلة، هيدروكربونات مشبعة بالكلور، وفينولات، ومركبات نيترو عطرية، وغيرها من المواد التي تُلحق ضررا بالغا بالبيئة وصحة الإنسان، وحرق هذه النفايات يُنتج غازات سامة مثل الديوكسين والفوران، كما أن دفنها ينطوي على خطر تسربها إلى المياه الجوفية.
وأكَّدت أن البحث عن طريقة آمنة ومنخفضة التكلفة وفعالة لتقليل حجم وسُمية هذه النفايات أصبح من أولويات صُنّاع السياسات البيئية والباحثين في مجال التكنولوجيا، ومن الحلول العلمية التي حظيت باهتمام متزايد خلال العقود الأخيرة، استخدام الإشعاع المؤين لتفكيك البُنى الكيميائية السامة وتقليل سُميّة المواد المُهدِرة.
وتابعت أن الإشعاع يُفكّك الملوّثات على المستوى الجزيئي، ويُدمّر السلاسل السامّة ويحوّلها إلى مركّبات غير ضارّة، بدلاً من نقل التلوّث من شكل إلى آخر. وفي هذه المذكرة، سيتم تناول هذا التوجّه التكنولوجي من زاوية تحليلية وفنية، مع استعراض إمكانياته في مجال إدارة النفايات الكيميائية.

مقدمة ومبادئ عامة لتقنية الإشعاع
أوضحت الوكالة أن الإشعاع، بشكل عام، هو استخدام الأشعة المؤيِّنة مثل الإلكترونات، وأشعة غاما أو الأشعة السينية لتغيير البنية الفيزيائية أو الكيميائية للمواد، وفي مجال إدارة النفايات الكيميائية، تُستخدم هذه التقنية لتفكيك الروابط الجزيئية في المركبات السامة وتحويلها إلى مواد غير ضارة أو أقل سُمية.
وذكرت أن آلية عمل الإشعاع في هذا المجال تعتمد على تحفيز تفاعلات جذرية (راديكالية) وعمليات أكسدة في وجود الماء أو الأكسجين؛ حيث يؤدي تعرض المواد للإشعاع إلى توليد جذور حرّة نشطة مثل ·OH، ·H و ·O₂⁻، وهذه تمتلك قدرة عالية على تدمير بنية المركبات العضوية المقاومة.
وأفادت بأنه عكس الطرق التقليدية الحرارية أو الكيميائية، لا تتطلب تقنية الإشعاع درجات حرارة عالية، أو ضغوطا مرتفعة، أو إضافة كواشف خاصة، بل يمكن تنفيذها في ظروف بيئية معتدلة، بالإضافة إلى ذلك، تتيح هذه التقنية تحكما دقيقا في الجرعة، والمدة، وعمق الاختراق، ما يُمكّن من تحقيق تفكيك مستهدف للمركبات وتقليل إنتاج النواتج الجانبية غير المرغوب فيها.
وأردفت أن تلك المبادئ تجعل من تقنية الإشعاع واحدا من أكثر الخيارات أمانا واستدامة لإدارة النفايات الكيميائية بطريقة علمية.

المكوّنات الرئيسية لنظام إشعاع النفايات
أوردت الوكالة أن نظام الإشعاع المستخدم لإزالة أو تقليل سُميّة النفايات الكيميائية يتكوّن من عدّة مكوّنات رئيسية، وهي كما يلي:
- مصدر الإشعاع:
يُعدّ العنصر الأساسي في النظام، ويُختار عادة من بين مصادر أشعة غاما مثل الكوبالت-60 (Co-60)، أو الإشعاع الإلكتروني (Electron Beam – EB)، أو الأشعة السينية (X-Ray)، وذلك وفقا لمتطلبات العملية. - نظام نقل وتداول النفايات:
يضم خزانات تخزين، ومضخّات حقن، وأنابيب مقاومة للتآكل، وتُستخدم لنقل النفايات إلى منطقة المعالجة الإشعاعية بطريقة آمنة ومنظمة. - حجرة الإشعاع (خلية الإشعاع):
هي الحيز الذي تُعرَّض فيه النفايات للإشعاع، ويتم تصميمها بناء على نوع الإشعاع المستخدم، ومعدل تدفق المواد، والجرعة المطلوبة، لتحقيق أعلى كفاءة في التفاعل.
- نظام المراقبة والتحكم:
يشمل أدوات قياس الجرعة (دزيمترات)، وأنظمة السلامة الإشعاعية، وحساسات للكشف عن الغازات والضغط، ووحدة تحكم رقمية (PLC) لضبط كافة عناصر العملية بدقة عالية وضمان الأمان. - الوحدات التكميلية:
وهي وحدات اختيارية تُضاف حسب الحاجة، مثل وحدات ما قبل المعالجة (لإزالة الجزيئات العالقة أو ضبط درجة الحموضة pH)، وأنظمة تقليب، أو وحدات تبريد لتقليل حرارة النظام أثناء التشغيل.
وأكَّدت أنه في المنشآت التي تُطبّق فيها هذه التقنية على النفايات السائلة، يمكن استخدام نظام الجريان المستمر (continuous flow) أو الأنظمة غير المستمرة (batch systems)، بحسب خصائص النفايات ومتطلبات المعالجة، ويختلف اختيار التجهيزات والتصميم الفني للنظام باختلاف نوع النفايات،و تركيبها الكيميائي، ومستوى التلوث، والأهداف المحددة للعملية.
.
العملية العامة للإشعاع في تقليل سُمية النفايات
أبرزت الوكالة أن معالجة النفايات الكيميائية تبدأ بالإشعاع بإزالة الشوائب مثل الجزيئات الكبيرة، والمعادن الثقيلة، لتحسين فعالية الإشعاع، ثم تُضخ النفايات إلى حجرة إشعاع، حيث تُعرض لجرعات تتراوح بين 5 و50 كيلو غرام حسب نوع المركبات، ويُنتج الإشعاع جذورا حرّة نشطة تهاجم الروابط الكيميائية المعقدة وتحوّلها إلى مركبات أبسط وأقل سُمية.
وأوضحت أنه يمكن تحسين العملية بإضافة هواء أو أوزون أو محفزات، وتُستكمل المعالجة بفصل النواتج عبر الامتصاص أو الترشيح لتنقية المياه بشكل فعّال.
أنواع الاستخدامات
نوَّهت الوكالة إلى أن تقنية الإشعاع تُستخدم لتقليل حجم وسُمية النفايات الكيميائية في صناعات متعددة، وفقا لنوع الملوثات والهدف من المعالجة، ومن أبرز الاستخدامات معالجة النفايات السائلة التي تحتوي على مركبات معقدة مثل الفينولات، والمبيدات، والأدوية، والأصباغ، خاصة في الصناعات الدوائية والزراعية والنسيجية، وبفضل الجرعات العالية، يُمكن للإشعاع تفكيك هذه المواد إلى مركبات أبسط وأقل ضررا.

وبيَّنت أن التقنية أثبتت فعاليتها في معالجة مياه الصرف الصحي للمستشفيات، التي تحتوي على أدوية وهرمونات، وتُستخدم في دول مثل ألمانيا، واليابان، لإزالة بقايا الأدوية من المياه القريبة من المصادر الحساسة، وكذلك، يُستخدم الإشعاع في معالجة النفايات الصلبة، والتربة الملوثة، لتقليل سمّية الهيدروكربونات، ومشتقات الكلور، وقد أُنشئت منشآت شبه صناعية لهذا الغرض في بولندا وكوريا الجنوبية.
مزايا هذه التقنية مقارنة بالطرق التقليدية
أشارت الوكالة إلى أن تقنية الإشعاع في معالجة النفايات الكيميائية تتميز بقدرتها على تفكيك المركبات المعقدة دون الحاجة لمواد كيميائية إضافية، مما يجعلها من تقنيات الأكسدة المتقدمة الفعالة، وبخلاف الطرق التقليدية التي تنقل الملوثات، تقوم هذه التقنية بتدميرها بالكامل، ما يقلل من خطر انتقال التلوث.
وأوردت أن العملية تُنفذ في ظروف عادية وبتفاعل سريع جدا، ما يسمح بمعالجة كميات كبيرة بكفاءة وبتكلفة تشغيل منخفضة، كما أنها لا تنتج نفايات ثانوية تُذكر ولا تُسبب تآكلا للمعدات، مما يعزز استدامتها مقارنة بالأساليب التقليدية الأخرى.
التحديات والقيود
ذكرت الوكالة أنه رغم ما تحمله تقنية الإشعاع من فوائد في معالجة النفايات، فإنها لا تخلو من تحديات ملحوظة، من أبرزها التكاليف الأولية المرتفعة للمعدات، وتعقيد عمليات صيانتها، فضلا عن محدودية عمق اختراق الأشعة، وهو ما قد ينعكس سلبا على كفاءة المعالجة ما لم يتم تصميم النظام بعناية فائقة.
ودعت إلى أن استخدام المصادر المشعة من منظور السلامة يتطلّب التزاما صارما بإجراءات الحماية، وتدريبا متخصصا للكوادر، إضافة إلى الحصول على التصاريح القانونية اللازمة، وهي متطلبات تفتقر إليها بعض الدول بسبب ضعف البنية التنظيمية وقصور الثقافة الفنية، كما أن التفاعلات الإشعاعية قد تسفر عن نواتج سامة، ما يستدعي مراقبة دقيقة للعملية لتفادي أي آثار جانبية خطيرة.
المعايير والإرشادات الدولية
لفتت الوكالة إلى أن هيئات دولية كالوكالة الدولية للطاقة الذرية، ومنظمة الصحة العالمية، ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، تُشرف على استخدام تقنية الإشعاع في المجال البيئي، من خلال إصدار معايير دقيقة تضمن السلامة والجودة.
وأبرزت أن المعيار IAEA-TECDOC-1276 (الدليل التقني لحماية المواد النووية الصادر عن الوكالة الدولية للطاقة الذرية) يركّز على استخدام الأشعة الإلكترونية في معالجة مياه الصرف، موضحا متطلبات الجرعة الفعالة ونوعية الملوثات، كما تؤكد وثائق الفاو، وWHO، أهمية الجرعة في تحديد الخصائص الكيميائية للنفايات المعالجة.

وأضافت أنه من ناحية السلامة، تشمل الإرشادات الدولية مثل GSR Part 3 (اللوائح العامة للسلامة – الجزء الثالث) وNS-R-1 (معايير الأمان الخاصة بتصميم المفاعلات) جوانب تصميم المنشآت وحماية العاملين ومراقبة النشاط الإشعاعي، وتفرض لوائح EURATOM (الجماعة الأوروبية للطاقة الذرية) في أوروبا، وهيئة NRC (هيئة التنظيم النووي الأمريكية) في الولايات المتحدة، التزاما صارما باستخدام المصادر المشعة.
وشددت على ضرورة إجراء تقييم دورة الحياة (LCA)، وتحليل النواتج الثانوية لتفادي المخاطر البيئية، ويُعد الالتزام بهذه المعايير شرطا أساسيا لأي استخدام صناعي لتقنيات الإشعاع، وتجاوزه قد يؤدي إلى إيقاف المشروع أو فرض عقوبات.
تقليص النفايات الكيميائية بالإشعاع
أفادت الوكالة بأن الإشعاع الصناعي شهد تطورات ملحوظة شملت تحسين مصادره وضبط الجرعات ودمجه مع تقنيات أخرى، مما رفع كفاءته في إزالة الملوثات الكيميائية، وأبرز هذه التحولات تمثلت في استخدام المسرّعات الإلكترونية لمعالجة كميات كبيرة من مياه الصرف، والبحث في الإشعاع عند درجات حرارة منخفضة لتفكيك المركبات المعقدة بشكل أدق.
ونوَّهت إلى أن دولا مثل كوريا، واليابان، وألمانيا، طوّرت أنظمة مزدوجة تدمج الإشعاع مع تقنيات مثل الامتزاز والأغشية لمعالجة المركّبات المقاومة، كما استُخدم الذكاء الاصطناعي في ضبط العملية بما يتناسب مع نوع النفايات وظروف المعالجة.
وأبلغت أن تصاميم الجرعة الجديدة حسّنت توزيع الإشعاع، في مجال المواد الصلبة، وتعمل إيران على توطين التقنية عبر تطوير مصادر محلية ووضع معايير وطنية لاستخدامها في إدارة النفايات الكيميائية.
استشراف المستقبل والتوصيات
رأت الوكالة أنه في أفق المستقبل، يُتوقّع أن تزداد أهمية استخدام تقنية الإشعاع كإحدى الركائز الأساسية في السياسات الشاملة لإدارة النفايات الكيميائية، خاصة في ظلّ تزايد تراكم المركّبات المقاومة وغير القابلة للتحلّل الحيوي في البيئة، والتي تعجز الأساليب التقليدية عن معالجتها، كما يشكّل التوجّه العالمي نحو تشديد القوانين المتعلقة بتصريف النفايات الصناعية دافعا إضافيا لتطوير تقنيات الإشعاع.
وأردفت أن التقديرات تشير إلى أنه بحلول عام 2035، ستستخدم أكثر من 40٪ من وحدات معالجة مياه الصرف الصناعي في دول منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية (OECD) أنظمة إشعاعية أو هجينة قائمة عليها.
ولتحقيق هذا المستقبل، يمكن تقديم التوصيات التالية:
- وضع أطر سياسية تحفيزية لدعم انتقال الصناعات من الطرق التقليدية إلى تقنيات الإشعاع، عبر تقديم الإعانات والقروض منخفضة الفائدة والإعفاءات الضريبية.
- الاستثمار في البحث العلمي المحلي لتطوير أنظمة إشعاعية صغيرة الحجم وقابلة للنشر في المنشآت الصناعية المتوسطة.
- صياغة أدلة تشغيل محلية لاستخدام آمن وفعّال ومنخفض الكلفة لتقنية الإشعاع في تقليل سمية النفايات.
- إعداد كوادر متخصصة في مجال الإشعاع الصناعي بمنهجية متعددة التخصصات، تجمع بين المعرفة الفيزيائية والكيميائية والبيئية.
وأشارت إلى أنه في أفق الابتكار، يُتوقع أن يؤدي دمج الإشعاع مع التكنولوجيا الحيوية – مثل تطوير إنزيمات تنشط تحت الإشعاع أو تصميم مفاعلات ذاتية التنظيم تعتمد على تقنيات التعلم الآلي – إلى تحوّل هذه التقنية من مجرد أداة فيزيائية إلى منظومة ذكية وقابلة للتكيف مع التحديات البيئية المعقدة، وبهذا، سيتحول الإشعاع من وسيلة معالجة تقليدية إلى عنصر محوري في إدارة مستدامة للنفايات الصناعية.
الخلاصة والاستنتاج
أكَّدت الوكالة أن تقنية الإشعاع تبرز كأداة متقدمة وواعدة في إدارة النفايات الكيميائية، بفضل مزاياها مثل عدم الحاجة لمواد كيميائية مساعدة، والعمل في درجات حرارة عادية، والقدرة على تفكيك المركّبات المعقدة وتقليل السمية والحجم، وفي ظل تزايد التحديات البيئية، تمثل هذه التقنية استجابة فعالة وعلمية.
ووجّهت إلى أن التخطيط الجيد، والاستثمار المدروس، وتأهيل الكوادر، من شأنها أن تُمكّن تقنيات الإشعاع من أن تحل محل الأساليب التقليدية، بل وتشكل نواة ضمن منظومة متكاملة ومستدامة إلى جانب الأساليب البيولوجية والفيزيائية.
وفي الختام أقرّت الوكالة بأنه على الرغم من التحديات القائمة، مثل ارتفاع الكلفة وضعف البنية التحتية ومتطلبات السلامة، فإن فوائد تقنية الإشعاع على المدى الطويل تجعل هذه العقبات قابلة للتجاوز، والأهم من ذلك هو اعتماد رؤية استراتيجية تنظر إلى الإشعاع كأداة فاعلة في مسار التنمية المستدامة والاقتصاد الدائري، بما يفتح المجال لتحويل النفايات إلى موارد قابلة للاستفادة والتدوير.

