المأزق الدستوري لإدارة المدن في إيران: كيف تحولت الساحات المحلية إلى مساحات معلقة؟

كتب: الترجمان

تعيش الإدارة المحلية في هذه الأيام مرحلة استثنائية مشوبة بالغموض والترقب، حيث يقترب موعد 17 يونيو/حزيران 2025  ليمثل خطا فصلا في عمر المجالس البلدية والقروية الحالية. هذا التاريخ، الذي كان يُفترض أن يشهد تسليم وتسلم راية الإدارة المحلية عبر صناديق الاقتراع، تحول إلى عقدة قانونية وسياسية متشابكة جراء الظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد. 

ومع تجميد العملية الانتخابية بقرار من المجلس الأعلى للأمن القومي بسبب التحديات اللوجستية والأمنية الناجمة عن الأوضاع العسكرية الأخيرة، انفتحت الأبواب على مصراعيها أمام نقاشات قانونية وسياسية حادة وممتدة بين النخب التنفيذية والتشريعية حول شرعية استمرار هذه المجالس وآلية إدارة شؤون المواطنين اليومية.

المسارات القانونية الثلاثة: كيف تدار المدن بعد غياب صناديق الاقتراع؟

يقف القطاع التنفيذي والتشريعي في البلاد أمام معضلة دستورية غير مسبوقة تبحث عن مخرج قانوني لإدارة المدن والقرى بعد انتهاء العمر الافتراضي للمجالس المحلية. يتجلى الانقسام في الرؤى بين النخب السياسية حول ثلاث فرضيات أساسية، حيث يرى الفريق الأول، الذي يمثله رئيس بلدية طهران الأسبق بيروز حناجی وعضو الهيئة الرئاسية للمجلس الخامس علي إعطا، أن الحل القانوني والمنطقي يتمثل في تفعيل بند “نيابة وزارة الداخلية”. وفقاً لهذا المنظور، فإن القانون يمنح وزير المحافظين والمحافظين في الأقاليم سلطة إدارة البلديات بصفة قانونية مؤقتة، وهو خيار جرى اللجوء إليه تاريخياً عند انحلال المجلس البلدي الأول في العاصمة، مما يتيح الإبقاء على رؤساء البلديات الحاليين أو استبدالهم دون الحاجة لخلق سوابق قانونية مشكوك في شرعيتها.

على الجانب الآخر، يبرز مسار ثان يميل نحو التمديد التلقائي للمجالس الحالية كأمر واقع فرضته الظروف القاهرة. يوضح عضو مجلس مدينة طهران الحالي ناصر أماني أن هناك تضاربا واضحا في التصريحات الرسمية، حيث تميل وزارة الداخلية إلى تفسير قرارات المجلس الأعلى للأمن القومي بأنها تمنح صك التمديد للمجالس الحالية بشكل تلقائي حتى إجراء الانتخابات الجديدة بعد شهرين من نهاية العمليات العسكرية. ويبدو هذا الخيار مدفوعا برغبة حكومية غير معلنة في الحفاظ على استقرار الهياكل الإدارية الحالية وتجنب حدوث أي هزات أو تغييرات في قمة الهرم الإداري للعاصمة والمدن الكبرى في ظل الأوضاع الراهنة، وهو ما يراه أماني المسار الأكثر احتمالاً وقبولاً لدى البرلمان لحين عودة الحياة السياسية إلى مجراها الطبيعي.

أما المسار الثالث، فيتعلق بالمدى الزمني الذي وضعه قرار مجلس الأمن القومي، والذي يربط إجراء الانتخابات بمرور ستين يوما على استقرار السلام وتوقف الحرب. هذا الربط الزمني يراه خبراء ومشرعون بمثابة ترحيل للأزمة إلى مستقبل غير معلوم المعالم، نظراً لصعوبة تحديد جدول زمني دقيق لإنهاء النزاعات الإقليمية الراهنة. ويؤكد رئيس لجنة الشؤون الداخلية والمجالس في البرلمان محمد صالح جوكار أن القانون كان واضحا في تحديد فترات المجالس، لكن ظروف الحرب فرضت أولويات قصوى تتقدم على الممارسات الديمقراطية الاعتيادية، مما يجعل استمرار المجالس الحالية مرتبطا بجدول زمني معلق يتوقف على التطورات الميدانية والعسكرية البحتة.

Image

جدية الحكومة في الميزان: هل تراجعت الانتخابات في قائمة الأولويات؟

تثير مسألة تأجيل الانتخابات تساؤلات عميقة حول مدى رغبة أو قدرة الأجهزة التنفيذية في الدولة على تنظيم هذا الاستحقاق الدستوري في ظل الظروف الراهنة. تذهب القراءات السياسية للمشهد إلى أن الحكومة الحالية تضع الملف الانتخابي في مرتبة متأخرة مقارنة بالملفات الاقتصادية والاجتماعية الضاغطة. ويشير ناصر أماني إلى أن الدولة تواجه تحديات تمويلية حادة مرتبطة بإعادة الإعمار وتخصيص الموارد المالية المحدودة لدعم البنى التحتية المتضررة، مما يجعل إنفاق ميزانيات ضخمة على عملية انتخابية مستقلة للمجالس المحلية أمرا غير مدرج في قائمة الأولويات العاجلة، خاصة أن الحفاظ على الانسجام الوطني وتوجيه الجهود نحو الاستقرار الاقتصادي يمثلان حجر الزاوية في السياسة العامة للدولة في الوقت الراهن.

وفي سياق متصل، يرى علي إعطا أن هناك رغبة سياسية واضحة في كواليس القرار تهدف إلى الإبقاء على الخارطة الإدارية الحالية للمدن دون إدخال عناصر جديدة قد تسبب تقلبات في إدارة العاصمة طهران والحواضر الكبرى. ويعتبر إعطا أن تجميد التنافس السياسي في هذا التوقيت يعد سلوكا مفهوما من الناحية الأمنية، لتفادي حدوث انقسامات وتجاذبات سياسية قد تؤثر سلباً على التماسك المجتمعي خلال الفترات الحرجة. 

وفي المقابل، يطرح بيروز حناجی رؤية تقنية مغايرة تتحدى مبررات التأجيل المالي واللوجستي، مؤكدا أن الدولة يمكنها التغلب على عقبة التكاليف والمخاطر الأمنية من خلال التحول نحو الانتخابات الإلكترونية بالكامل، بحيث يستطيع المواطن الإدلاء بصوته من منزله عبر منصات التحقق الرقمي، مشددا على أن العائق الحقيقي ليس لوجستياً بل يكمن في توفر الإرادة السياسية لتنفيذ هذا التحول الرقمي.

Image

مخاطر التمديد: بين شلل التخطيط والقرارات الشعبوية المثيرة للجدل

يترتب على غياب الأفق الزمني الواضح للمجالس المحلية حزمة من التأثيرات السلبية التي بدأت تظهر ملامحها في أروقة البلديات، لعل أبرزها دخول العمل الإداري في نفق “الروتين واليوميات” وغياب الخطط الاستراتيجية. ويلفت ناصر أماني الانتباه إلى أن الخطة التنموية الرابعة لمدينة طهران قد انتهت مدتها الزمنية بالفعل، وكان من المفترض أن يقوم المجلس الجديد بصياغة وإقرار خطة رباعية جديدة تتناسب مع تطلعات المرحلة المقبلة، إلا أن تمديد عمر المجلس الحالي ألغى هذا المسار وجعل الإدارة الحالية تعمل دون بوصلة تخطيطية واضحة، مما يضعف آليات قياس الأداء ومحاسبة المسؤولين ويقود العمل البلدي نحو الركود.

امتدادا لهذه المخاطر، تبرز المخاوف من لجوء المجالس المعلقة إلى اتخاذ قرارات وصفها المراقبون بـ “الشائبة” أو الشعبوية غير المدروسة لكسب ود الشارع في أواخر أيامها، مثل طرح مشروع مجانية تذاكر شبكة مترو الأنفاق والاتوبيسات. وفي هذا الصدد، يقدم بيروز حناجی تحليلا ماليا واقتصاديا صارما، محذرا من أن مثل هذه القرارات قد تسعد فئة من المواطنين على المدى القصير، لكنها تمثل كارثة حقيقية على المدى الطويل، مستشهدا بسياسات تثبيت أسعار الوقود السابقة التي أدت إلى استنزاف العملة الصعبة لتغطية العجز وتحمل ميزانية الدولة لأعباء الدعم الإضافي. 

Image

نزاهة الإجراءات وصيانة أصوات المواطنين: الاستعدادات القضائية في الأقاليم

على الرغم من قرار التأجيل المركزي، فإن الهياكل القانونية والقضائية في المحافظات تواصل عملها لضمان بقاء البنية التحتية القانونية للانتخابات في حالة جاهزية تامة. وفي هذا الإطار، شهدت محافظة مازندران تحركات قضائية مكثفة تهدف إلى ضبط المسار القانوني والوقائي لمنع التجاوزات والجرائم الانتخابية. 

وشدد رئيس المحكمة العليا في المحافظة، عباس بورياني، خلال الاجتماع الثالث للجنة الخاصة بالوقاية من المخالفات، على أهمية الدور الذي تلعبه الأجهزة القضائية والأمنية والتنفيذية في مراقبة سلوك المرشحين المحتملين ومراجعة ملفات صلاحياتهم بدقة متناهية وفقاً للمادة الرابعة والستين من قانون الانتخابات، معتبرا أن ثقة المواطن في عدالة ونزاهة هذه الآليات هي الضمانة الوحيدة لتحقيق مشاركة واسعة الفعالية عندما يحين موعد صناديق الاقتراع.

من جانبه، أكد المساعد الاجتماعي لشؤون الحد من الجريمة في مازندران، مرتضي موسوي، أن نيل رضا المواطنين وحماية أصواتهم يمثلان الأولوية القصوى لمنظومة الحكم المحلي. وأوضح موسوي أن المجالس البلدية والقروية ليست مجرد كيانات إدارية لتسيير الأعمال، بل هي الرمز الأسمى للمشاركة المباشرة للمواطنين في إدارة شؤونهم وتجسيد حي لمفهوم الحوكمة المحلية، مشيرا إلى أن القرارات الصادرة عن هيئات الرقابة في المحافظة تعد قطعية ونهائية وفق القانون، وأن التنسيق المستمر يهدف إلى تقليص الجرائم والمخالفات إلى حدها الأدنى لضمان بيئة ديمقراطية صحية ونظيفة فور تهيؤ الظروف السياسية والأمنية العامة.

الرقابة الميدانية والتشريع: البرلمان يبحث عن حلول مستدامة 

في موازاة النقاش السياسي المشتعل في العاصمة والتحركات القضائية في الشمال، يواصل البرلمان ممارسة دوره الرقابي والتشريعي من خلال النزول الميداني إلى المناطق الأكثر احتياجا للوقوف على كفاءة الإدارات المحلية الحالية. وقد جسدت الزيارة الأخيرة لأعضاء لجنة الشؤون الداخلية والمجالس البرلمانية إلى مقاطعة لردكان التابعة لمحافظة جهارمحال وبختياري هذا التوجه، حيث سعى النواب، برفقة مسؤولين محليين وممثلين عن الوزارات التنفيذية، إلى تقييم مستوى تقدم المشاريع التنموية والخدمية في مناطق تعاني من معدلات فقر مرتفعة مثل لردمان وخان ميرزا وفلارد.

تجاوزت هذه الزيارة الميدانية حدود التفتيش التقليدي لتتحول إلى ورشة عمل تقنينية وتشريعية كبرى، حيث عقد البرلمانيون اجتماعات موسعة ضمت رؤساء البلديات، والمحافظين، وأعضاء المجالس المحلية والقروية، بالإضافة إلى تنظيم جلسة تشريعية تخصصية لمناقشة مشروع قانون النظام الأساسي للبلديات والقرى في عموم البلاد بالتعاون مع خبراء مركز البحوث البرلمانية. 

هذا الحراك يظهر بوضوح أن المشرع يسعى إلى سد الثغرات القانونية وتطوير الهياكل التنظيمية للإدارة المحلية لتكون أكثر مرونة وقدرة على الصمود في مواجهة الأزمات الدستورية، وضمان عدم توقف قطار التنمية والخدمات في المناطق النائية نتيجة لتأجيل الانتخابات أو غياب المجالس المنتخبة.

Image

في المحصلة، يظهر المشهد الحالي للإدارة المحلية في إيران أن الأزمة تتجاوز مجرد تأجيل تقني للاستحقاق الانتخابي؛ إنها مواجهة صريحة بين ضرورات الاستقرار الأمني والعسكري من جهة، واستحقاقات الديمقراطية المحلية والحوكمة الرشيدة من جهة أخرى. وبين المسارات القانونية المقترحة — من نيابة وزارة الداخلية إلى التمديد المعلق — تظل المدن والحواضر الإبرى تدير شؤونها اليومية بلا بوصلة تخطيطية واضحة، وفي ظل غياب خطط استراتيجية بعيدة المدى. 

إن نجاح البرلمان في صياغة تشريعات مرنة، وقدرة الأجهزة القضائية والتنفيذية على صون ثقة المواطن، هما الحصن الأخير لضمان ألا تتحول هذه “الساحات المحلية المعلقة” إلى بؤر للركود الإداري، ولتبقى مهيأة لاستعادة حيويتها السياسية فور صمت المدافع وعودة صناديق الاقتراع إلى مكانها الطبيعي كمرجعية أولى لإدارة الشأن العام.

كلمات مفتاحية: