- زاد إيران - المحرر
- 8 Views
في عالم أصبح فيه الإنترنت شريانا حيويا لا غنى عنه، لم يعد انقطاعه مجرد خلل تقني عابر، بل أزمة تمسّ تفاصيل الحياة اليومية والاقتصاد على حد سواء، وبين قيود فرضتها ظروف استثنائية وتصريحات رسمية تبشّر بعودة تدريجية، يعيش المستخدمون في إيران حالة من الترقّب بين واقع رقمي مُقيَّد وآمال بعودة الانفتاح، وفي هذا المشهد، يلوح أحيانا بصيص ضوء خافت داخل نفق مظلم، يطرح تساؤلات حول ما إذا كان ذلك بداية انفراج حقيقي أم مجرد إشارات مؤقتة.
وفي هذا السياق، قال محمد حافظ حكمي، مستشار وزير الاتصالات، في تصريحات صحفية بتاريخ 15 أبريل/ نيسان 2026، إنه سيتم إعادة فتح الإنترنت بشكل تدريجي وموجّه، مضيفا: ” قدرة بعض الأعمال على التحمّل كانت تعاني من مشكلات مسبقا، وهى الآن قد تعرضت لأضرار أكثر خطورة”.
وأضاف حكمي: “كما عاد الإنترنت إلى وضعه الطبيعي بعد حرب الـ 12 يوما وبعد أحداث يناير/ كانون الثاني 2026، فإن الأمر سيحدث هذه المرة أيضا”، متابعًا: “يدرك الناس تمامًا أن “حرب رمضان” كانت ظاهرة معقدة جدا وذات أبعاد أمنية، وقد اجتازت الشبكة الوطنية للمعلومات اختبار قدرتها على التحمّل بنجاح، كما أن جودة المنصات المحلية لا تُقارن بما كانت عليه قبل عدة سنوات”.
45 يوما من انقطاع الإنترنت في إيران
بعد مرور نحو شهر ونصف على الانقطاع الكامل للإنترنت في إيران، بدأت الشبكة العالمية، التي كان يُعتقد أنها فقدت حيويتها تماما، تُظهر علامات خفيفة على نشاط محدود، فبحسب بيانات شركة “Cloudflare”، سُجّل ارتفاع في حركة المرور على الشبكة مساء يوم 13 أبريل/ نيسان 2026، إلا أن هذا الارتفاع كان مؤقتا، ثم عادت الحركة إلى الانخفاض مجددا.
وحدثت ذروة هذا الارتفاع حوالي الساعة العاشرة مساء، حيث وصل حجم الترافيك إلى أعلى مستوى له خلال أسبوعين، ومع ذلك، وبالنظر إلى أخبار سابقة عن تخفيف محدود للقيود خلال الساعات المقبلة، وتداول أنباء حول احتمال إعادة فتح محرك البحث “جوجل” قريبا، تكوّن انطباع بوجود تغييرات إيجابية، لكن دون الجزم بأن هذا الارتفاع المؤقت يعني عودة الإنترنت بشكل فعلي، خاصة أنه لم يستمر طويلا.
وتجاوز انقطاع الإنترنت نحو 45 يوميا، ظل خلالها مستوى الوصول إلى الإنترنت العالمي في إيران عند حدود 1%، ومع ذلك، أفاد بعض المستخدمين بقدرتهم على تشغيل بعض شبكات VPN التي مكّنتهم من الوصول إلى الإنترنت، لكن هذه الاتصالات لم تستمر سوى دقائق معدودة ولم تكن مستقرة.
وأظهرت بيانات منصة التحليل “رادار Cloudflare” أن حركة الإنترنت الدولي في إيران خلال الـ48 ساعة الممتدة من 12 أبريل/ نيسان 2026 شهدت ارتفاعا طفيفا مقارنة بالحد الأدنى السابق (1%)، لكنها بقيت عند مستوى منخفض جدا (حوالي 2 إلى 3%) وبعيدة عن الوضع الطبيعي.
وبحسب موقع “فرارو”، يرى بعض خبراء الشبكات أن هذا النمط لا يشير إلى عودة حقيقية للإنترنت، بل إلى ما يُسمّى وصولا مُتحكَّما فيه، وفي مثل هذه الظروف، عادة ما يتم تمرير جزء من حركة البيانات عبر مسارات محدودة، مثل الوصول عبر القوائم البيضاء، أو الخدمات الحكومية، أو الاتصالات المؤسسية الخاصة، في حين يبقى الوصول العام للمستخدمين إلى الإنترنت العالمي مقيدا.

انقطاع الإنترنت الدولي في إيران
كانت المتحدثة باسم الحكومة الإيرانية، فاطمة مهاجراني، قد صرحت سابقًا بشأن وضع الإنترنت في البلاد قائلة، في 10 أبريل/ نيسان 2026، إن الحكومة تتابع مبدئيا مسألة الوصول الحر إلى المعلومات، إلا أن هناك اعتبارات مختلفة في الظروف الحربية.
وأكدت مهاجراني، بحسب موقع “فرارو”، أن هذه القيود لا تعني بالضرورة أن الوضع سيصبح دائما أو أن الإنترنت سيتحول بالكامل إلى شبكة وطنية، مشيرة إلى أنه مع انتهاء الظروف الحربية، يمكن العودة إلى الوضع الطبيعي.
وبعد مرور أكثر من 40 يوما على فرض قيود على الإنترنت الدولي في إيران نتيجة الحرب، أشارت بيانات منصة مراقبة الشبكات “NetBlocks” إلى أن حركة الإنترنت الدولي لم تتجاوز نحو 1% من مستواها الطبيعي، ويعني ذلك عمليا شبه انقطاع في الوصول العام إلى الإنترنت العالمي.
وخلال 40 يوما من انقطاع الإنترنت ، تحوّل سوق خدمات VPN إلى نظام بيئي صغير مربح، فمع ارتفاع الطلب وتراجع العرض، شهدت أسعار خدمات VPN زيادة ملحوظة، حيث تراوحت بين 5 و15 دولارا لحزم بيانات محدودة.
وهذا الوضع أدى إلى ظهور نمط جديد من الاتصال، حيث لم يعد الوصول متاحا إلا لشريحة محدودة من المستخدمين، عبر قنوات خاصة أو بنى تحتية مقيدة أو أدوات لتجاوز الحجب، ما سمح لهم بالبقاء على اتصال بالشبكة العالمية، وبناء على هذه المعطيات، تُقدَّر أعداد المستخدمين الذين اشتروا خدمات VPN فعليا خلال هذه الفترة بما يتراوح بين 140 و350 ألف مستخدم خلال 40 يوما، وفقا لبيانات “NetBlocks”.

خسائر الاقتصاد الرقمي بسبب انقطاع الإنترنت
يتسبب انقطاع الإنترنت في اضطرابات واسعة في عمليات الإنتاج وتقديم الخدمات، ما يؤدي إلى آثار سلبية كبيرة، وقد تسببت تكرار عمليات قطع الإنترنت واتساع نطاقها خلال هذا العام في خسائر كبيرة لمؤسسات منظومة الاقتصاد الرقمي، حيث تُقدَّر قيمة الأضرار بأكثر من 2000 تريليون ريال إيراني.
ووفقا لبيانات منصة “NetBlocks”، يعتمد نحو 10 ملايين شخص في إيران على الإنترنت في أعمالهم، ومن بينهم حوالي 2.5 مليون شخص يديرون متاجر صغيرة عبر الإنترنت على منصة إنستجرام، حيث يعني انقطاع الإنترنت على هذه المنصة عمليا توقفا تاما للدخل.
وكان وزير الاتصالات قد صرّح سابقا خلال اجتماع مشترك مع نائب الرئيس للشؤون العلمية والتكنولوجية والاقتصاد القائم على المعرفة، حسين أفشين، في 12 أبريل/ نيسان 2026، بأن الأضرار التي تلحق بالاقتصاد الرقمي كبيرة، مشيرا إلى أن الخسائر اليومية في نواة الاقتصاد الرقمي تُقدّر بنحو 5 تريليون ريال إيراني، وتشمل بشكل أساسي مزودي الخدمة والبنية الشبكية، بينما تصل الخسائر اليومية على مستوى الاقتصاد الكلي إلى حوالي 50 تريليون ريال إيراني، وتشمل الطبقات الثانية والثالثة من الاقتصاد الرقمي.
وبناء على هذه التقديرات، فإن إجمالي خسائر انقطاع الإنترنت خلال 43 يوما يصل إلى نحو 2150 تريليون ريال إيراني، ويشمل المتضررون بشكل خاص الأعمال التي تعتمد بشكل مباشر على الإنترنت، مثل تجار التجزئة عبر الإنترنت والعاملين المستقلين (الفريلانسرز)، وينقسم البائعون الإلكترونيون إلى فئتين: أولئك الذين يعتمدون على منصات محجوبة مثل إنستجرام وتلجرام، وأولئك الذين يبيعون عبر مواقع رسمية.
وبين وعود العودة التدريجية للإنترنت واستمرار القيود على أرض الواقع، يبقى المشهد الرقمي في إيران غير مستقر، ومع تزايد الخسائر الاقتصادية وتأثر ملايين المستخدمين، تزداد أهمية اتخاذ قرارات واضحة تعيد التوازن لهذا القطاع الحيوي، حيث أثرت القيود المفروضة بشكل مباشر على النشاط الاقتصادي والخدمات الرقمية، وتسببت في خسائر كبيرة خلال فترة الانقطاع، وبناء على ذلك، فإن مستقبل خدمة الإنترنت يعتمد على تطورات الأوضاع الإدارية والأمنية، ومدى قدرة الجهات المعنية على إعادة تشغيل الشبكة بشكل كامل خلال الفترة المقبلة.

