- محمود شعبان
- 618 Views
نشرت وكالة أنباء إيلنا الإصلاحية، السبت 5 يوليو/تموز 2025، تقريرا ذكرت فيه تصريحات لعلي بمان إقبالي زارجي، السفير الإيراني السابق لدى ألبانيا والقنصل العام السابق في قازان، في حوار أجرته معه حول أداء الدول الأوروبية خلال الحرب بين إيران وإسرائيل والتصريحات السلبية الصادرة عن قادة الترويكا الأوروبية.
الأوروبيون يتبنون نظرة مزدوجة تجاه القضايا النووية الإيرانية
نقلت الوكالة عن زارجي قوله إنه منذ البداية، تبنّى الأوروبيون نهجا مزدوجا في ما يتعلق بالبرنامج النووي السلمي الإيراني، وهذا النهج لا يقتصر فقط على الملف النووي، بل يظهر كذلك في قضايا أخرى. وينبغي أخذ حساسيات أوروبا في الاعتبار، إذ إن أولويتها الأساسية اليوم هي الحرب في أوكرانيا، التي تُعد بالنسبة لها قضية وجودية ومحورية.
وأضاف أن الأولوية القصوى لأوروبا حاليا هي كيفية الخروج من الحرب الأوكرانية والحد من نفوذ روسيا، وبالنظر إلى طبيعة العلاقة القائمة بين الجانبين، يشعر الروس بقلق بالغ إزاء نهج المحور الأطلسي، وسيظلون كذلك.
وتابع أن ملف أوكرانيا، دون أدنى شك، يتصدر أولويات السياسة الخارجية الأوروبية في مجالي الأمن والدفاع في المرحلة الراهنة، خصوصا بعد وصول الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، إذ شهدت مؤشرات التنسيق والتقارب بين الولايات المتحدة والدول الأوروبية تراجعا ملموسا، سواء ضمن إطار حلف الناتو أو في ملفات سياسية وأمنية أخرى.
وأردف أن نمطا من التفاعلات الخاصة بدأ يتشكل بين ترامب وبوتين، ما أثار مزيدا من القلق لدى الأوروبيين. أما فيما يتعلق بإيران، فقد كان من الواضح دائما أن الأوروبيين يتعاملون بازدواجية في نظرتهم إلى الملف النووي، إذ استخدموه كأداة للضغط على إيران ومحاولة خلق توازن في ملفات أخرى.

في التعامل مع أوروبا هناك حاجة إلى دبلوماسية ذكية
أوردت الوكالة عن زارجي قوله: “في ما يتصل بمفاوضات إيران مع الترويكا الأوروبية، هناك عدة قضايا مطروحة على جدول أعمال التقييم، من أبرزها أولويات أوروبا في المجالات الأمنية والدفاعية، إلى جانب الحرب في أوكرانيا، والبرنامج النووي السلمي الإيراني”.
وأفاد بأن من بين القضايا المطروحة لاحقا تلك المتعلقة بالتطورات في الشرق الأوسط، إضافة إلى الضغوط التي تمارسها بعض الجهات مرتبطة بالنظام الإسرائيلي داخل أوروبا ضد إيران. وأشارت إلى أن التوصل إلى نتائج ملموسة في المفاوضات بين إيران والدول الأوروبية يستدعي أولا حوارا جادا يعبّر فيه الطرفان عن إرادتهما الحقيقية لتسوية الخلافات القائمة.
وصرَّح بأن من غير المرجح أن تكون إيران وأوروبا عاجزتين عن استخدام إمكاناتهما لحل المشاكل التي ألقت بظلالها على علاقاتهما. فإيران كانت دائما ذات أهمية بالنسبة لأوروبا، فهي مصدر للطاقة، ودولة ذات حضارة وثقافة عريقة في منطقة غرب آسيا، وتتمتع بإمكانية الوصول إلى 15 دولة وسوق يضم نحو 500 مليون نسمة.
وأوضح أن دور إيران في الخليج العربي ومضيق هرمز يشكل مجموعة من العوامل التي يمكن اعتبارها نقاطا مشتركة بين إيران وأوروبا. وبالرغم من وجود بعض الخلافات، فإن أعداء إيران دائما ما سعوا إلى توتير العلاقات عبر التذرع بقضايا غير جوهرية وغير أساسية. لذلك، هناك حاجة إلى دبلوماسية ذكية، مستمرة ومتواصلة.
علاقات الدول الأوروبية مع إيران تتسم بتفاوت في المستويات
نقلت الوكالة عن لزارجي تأكيده أن أوروبا لا تقتصر فقط على الترويكا أو الاتحاد الأوروبي، مشددا على ضرورة وجود برنامج شامل للتعاون مع أوروبا على عدة مستويات. وأحد هذه المستويات هو التفاعل مع الترويكا الأوروبية، والمستوى الآخر يشمل التعاون مع الاتحاد الأوروبي ودوله الأعضاء، بالإضافة إلى مستوى آخر من التعاون يمكن أن يتم مع المؤسسات الأوروبية مثل البرلمان الأوروبي ومجلس أوروبا.
وبيَّن أن البرلمان الأوروبي يضم أكثر من 700 نائب، وهم بلا شك يؤثرون في السياسات الأوروبية. ولهذا، يجب أن نُولي أهمية لمسألة مدى جدّيتنا في مجال الدبلوماسية البرلمانية، وحجم المشاركة الإيرانية في العمل البرلماني الأوروبي واللوبي السياسي داخله، مؤكدا أن هذه الجهود ينبغي أن تكون مستمرة وموجهة.
وأبرز أن علاقات الدول الأوروبية مع إيران قائمة على مستويات متعددة، فبعض الدول تتبنى مواقف شديدة الحدة تجاه إيران، بينما تتخذ دول أخرى مواقف متوسطة، وهناك من تعتمد مواقف أكثر مرونة. والعنصر الأهم في هذا السياق هو أننا بحاجة إلى دبلوماسية متواصلة ودائمة في تعاملنا مع أوروبا.
وأشار إلى أن المسؤولين الأوروبيين- خاصة مع تغير الأجيال السياسية- لا يمتلكون فهما كافيا لقدرات وثقافة إيران، ويقعون تحت تأثير الإعلام والدعاية الغربية، ما يستدعي القيام بخطوات أوسع في مجال الدبلوماسية العامة. وتشمل هذه الخطوات أنماطا متعددة من الدبلوماسية، كالدبلوماسية الرياضية، والبرلمانية، والثقافية، وكذلك الدبلوماسية العلمية والأكاديمية.
وأكّد أن المطلوب هو جهد متماسك وأكثر فاعلية لوقف الاتجاهات السلبية في العلاقات، تمهيدا للانتقال إلى مرحلة تطويرها وتعزيزها.
في فترات مختلفة، انتهجت فرنسا سياسة متقلبة ومزدوجة تجاه إيران
ذكرت الوكالة أن زارجي شدّد، في معرض تعليقه على تصريحات المستشار الألماني خلال زيارته للأراضي المحتلة، وعلى مواقف فرنسا المتشددة في المفاوضات مع إيران، على أن تحركات بعض المسؤولين الأوروبيين وتصريحاتهم لا يجب أن تُشغلنا أو تشتّت تركيزنا، فهي غالبا ما تأتي لإظهار نوع من التضامن والمجاملة، ثم يعودون بعدها إلى ممارسة نشاطاتهم السياسية والاقتصادية والثقافية كالمعتاد.
ونوَّه إلى أن الأولوية الأساسية للأوروبيين اليوم تتمثل في الملفات الأمنية والدفاعية، وعلى رأسها أزمة أوكرانيا. وأضاف أن الفرنسيين لطالما استفادوا من الطاقة النووية السلمية، إذ تعتمد فرنسا بشكل كبير على مفاعلاتها النووية في إنتاج الكهرباء، ولذلك فهم يدركون جيدا الدور الحيوي الذي تؤديه الصناعة النووية في المجالات العلاجية والبيئية.
وأوضح أنه، عبر فترات تاريخية مختلفة، انتهج الفرنسيون سياسة مزدوجة ومتقلبة في علاقاتهم مع إيران؛ ففي الحرب العراقية الإيرانية، كما في ملفات أخرى، وخاصة الملف النووي، كانوا يدّعون دائما السعي إلى التفاوض والتفاهم، لكنهم في الوقت ذاته استخدموا أدوات مثل الوكالة الدولية للطاقة الذرية والأمم المتحدة للضغط على إيران.
ولفت إلى أن امتناع الأوروبيين عن إدانة الهجمات التي طالت المنشآت النووية الإيرانية، لا يُسهم في تهيئة أجواء مناسبة لاستئناف المفاوضات النووية.
ازدواجية الأوروبيين في حقوق الإنسان والمنشآت النووية
بحسب ما أفادت به الوكالة، فقد أكد زارجي ضرورة أن يدرك الأوروبيون أنهم لا يستطيعون الاستمرار في هذا النهج المزدوج؛ فمن جهة يتحدثون عن الحوار والتفاوض، ومن جهة أخرى يحرضون الوكالة الدولية للطاقة الذرية ضد إيران.
وسلّط الضوء على أن فبركة تقارير كاذبة من قبل تلك الأطراف لعبت دورا مباشرا في تسهيل الهجمات على منشآتنا النووية وعلى علمائنا، مما يكشف التناقض الفاضح في مواقف الأوروبيين، الذين يدّعون التزامهم بالديمقراطية وحقوق الإنسان، بينما يغضّون الطرف عن الاعتداءات المتكررة على المنشآت الإيرانية والعقول العلمية، بل وحتى على المدنيين الأبرياء.
وشدّد على أن الأوروبيين يجب أن يُدركوا أن بعض التصرفات قد تشكل سابقة خطيرة في النظام الدولي، وربما يأتي يوم تُمارس فيه نفس الأفعال ضدهم من قبل قوة أخرى. وعندها، لن يكون لديهم مجال للدفاع أو تبرير موقفهم، أو حتى الاستعانة ببلدان ومؤسسات دولية أخرى.
لا ينبغي أن نغفل عن طاقة الجالية الإيرانية في أوروبا
ووفقا لما نقلته الوكالة، أعرب زارجي عن قناعته بأن طرح المطالب الجدية والأساسية على أوروبا يجب أن يترافق مع وضع خارطة طريق واضحة تقوم على نهج دبلوماسي متواصل. وأوضح أن هذا النهج ينبغي أن يرتكز على دور فاعل لوزير الخارجية وسفارات إيران في الدول الأوروبية، إلى جانب تفعيل قنوات متعددة تشمل النخب الفكرية، والجامعات، والدبلوماسية البرلمانية، فضلا عن منظمات المجتمع المدني.
ونبَّه إلى أنه لا ينبغي التغافل عن طاقات الجالية الإيرانية في أوروبا، فهي جالية تمتلك إمكانات قيّمة، وغالبية أفرادها من النخب الذين ما زال قلبهم ينبض بحب إيران العزيزة. فهؤلاء يمكنهم أن يكونوا عناصر فاعلة في الحد من تدهور العلاقات، بل والمساهمة في تحسينها في كثير من الأحيان.
وفي ختام حديثه، أعرب زارجي عن ثقته بأن العلاقات، رغم وصولها إلى مرحلة دقيقة وشديدة الهشاشة، فإنها لم تشهد يوما انقطاعا كليا، وفقا لما تؤكده السوابق التاريخية.

