المفاوضات النووية من جديد.. طريق محفوف بالشك وعدم الثقة

مرة أخرى الولايات المتحدة تلمح وإيران توافق مع إبداء الريبة، لتعود احتمالات استئناف المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة إلى الواجهة من جديد، مدفوعة بجملة من التحركات الدبلوماسية والمؤشرات السياسية التي توحي بإمكانية فتح نافذة جديدة للحوار.

وبين الضرورة المُلحة للحوار والمخاوف المتبادلة من النوايا الحقيقية لكل طرف، تبرز الحاجة المُلحة لإعادة بناء الثقة، ولو بحدها الأدنى، تمهيدا لمسار تفاوضي أكثر واقعية واستقرارا.

فقد تناقلت وسائل الإعلام الإيرانية قول لارنس نورمان، مراسل صحيفة وول ستريت جورنال، أن هناك احتمالا لانطلاق المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة في النصف الثاني من شهر أغسطس/آب، حيث كتب نورمان على حسابه عبر منصة إكس في 24 يوليو/تموز 2025، ‌أنه “سيتم اتخاذ خطوات للتعاون، وسيكون من الصعب جدا على الدول الأوروبية الثلاث اتخاذ قرار بتفعيل آلية سناب باك، في الوقت الذي تكون فيه الوكالة الدولية للطاقة الذرية وإيران في محادثات لإعادة تفعيل عمليات التفتيش، هذا يتركنا مع الجزء الثاني. لدينا متسع من الوقت، والرهان قائم على النصف الثاني من أغسطس/آب كي تستأنف إيران شيئا ما”.

«وال استریت ژورنال» مدعی شد: شروع قریب الوقوع مذاکرات ایران و آمریکا

ويتابع نورمان: “نوع من المحادثات مع الولايات المتحدة، ربما غير مباشرة، وربما بحضور أطراف أخرى في الغرفة، من يدري؟ لكن إيران قالت بوضوحٍ إنها مستعدة للحوار مع الولايات المتحدة، بل وترحب بذلك، لكنها تريد ضمانات بعدم وقوع أي هجوم عسكري خلال فترة المحادثات”.

تأتي تلك التصريحات في الوقت الذي أبدى فيه عدد من القادة الإيرانيين، على رأسهم مسعود بزشكيان الرئيس الإيراني ووزير خارجيته عباس عراقجي، النية لقبول عقد دور جديد من المفاوضات مع الولايات المتحدة بشأن المشروع النووي، على أنهم قد أبدوا تحفظ من عدم الثقة بالجانب الأمريكي، وأن على الأخير أن يضمن سير المفاوضات ولا يتكرر سيناريو الحرب مع إسرائيل خلال المفاوضات.

A person sitting in a chair with a flag behind him

AI-generated content may be incorrect.
عراقچی در مصاحبه با

جدير بالذكر أن دور المفاوضات الأخير الذي جمع الجانبين كان في العاصمة الإيطالية روما في 23 مايو/أيار 2025، وكان من المحدد انعقاد دور سادس إلا أن الهجوم الإسرائيلي على إيران في 13 يونيو/حزيران قد ألغاه.

السوق في انتظار الإشارات الإيجابية

على الفور وبعد انتشار تلك الأخبار، تفاعل سوق الذهب مع هذه الأنباء بانخفاض حذر بعد صعود حاد تجاوز فيه سعر جرام الذهب عيار 24 مستوى 103 ملايين ريال، ما يعادل 111 دولارا تقريبا، فقد أظهرت المؤشرات الفنية، مثل RSI وMACD، إشارات على دخول السوق في منطقة التشبع الشرائي، ما ينبئ بتصحيح محتمل، الدعم الأبرز يقع بين 9.6 و98 مليون ريال، من 103 إلى 104 دولارات تقريبا، حيث من المتوقع أن يتوقف التراجع أو يعاد اختبار هذه المستويات، إلا أنه رغم عودة السعر إلى ما دون حاجز 100 ملايين ريال، لا يزال السوق يتطلع إلى إشارات جديدة تحدد اتجاهه القادم، وسط ترقب سياسي واقتصادي.

مؤشرات على قرب انطلاق المفاوضات

رغم الشكوك التي تحيط بصحة الأنباء المتداولة عن قرب استئناف المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة، فقد اعتبرت صحيفة دنياي اقتصاد في عددها الصادر الأربعاء 6 أغسطس/آب 2025، أن هناك سلسلة من التطورات السياسية والدبلوماسية، إضافة إلى مواقف رسمية معلنة من الطرفين، تؤشر بوضوح إلى أن عودة الحوار بين الجانبين لم تعد مستبعدة، بل أصبحت مسألة وقت وظروف مناسبة.

أول هذه المؤشرات يأتي من تصريحات وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، الذي أعرب خلال مقابلته الأخيرة مع صحيفة فايننشال تايمز، عن استعداد بلاده للعودة إلى طاولة المفاوضات، بشرط أن يتم ضمان مصالح إيران بشكل واضح وصريح.

وكان عراقجي قد حدد ثلاثة شروط أساسية لهذا الاستئناف وهي: تعويضات مالية عن الأضرار، والاعتراف بحق إيران في التخصيب النووي، وضمان عدم وقوع أي هجوم عسكري خلال فترة التفاوض، الشروط التي، وإن بدت صعبة التنفيذ في المدى القصير، إلا أنها تضع إطارا تفاوضيا يمكن البناء عليه في المرحلة المقبلة.

المؤشر الثاني يتمثل في تأكيدات نائب وزير الخارجية الإيراني، مجيد تخت روانجي، الذي أشار إلى أن رسائل غير مباشرة يتم تبادلها حاليا بين طهران وواشنطن عبر وسطاء إقليميين ودوليين، كما شدد روانجي على أن انطلاق أي جولة جديدة من المفاوضات مشروط بالحصول على ضمانات تمنع تكرار الهجمات العسكرية مثل تلك التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل في ذروة المحادثات النووية غير المباشرة.

وأما المؤشر الثالث، فقد جاء من الحانب الآخر، فقد لوحظ من الجانب الأمريكي خلال الأسابيع الأخيرة تكرار دعوات المسؤولين في الخارجية الأمريكية إلى استئناف المفاوضات، حيث أشار نائب المتحدث باسم الخارجية الأمريكية إلى أن واشنطن ما زالت تعتبر التفاوض الخيار الأفضل والأقل تكلفة، خصوصا بعد أن ثبت لديها أن البرنامج النووي الإيراني قابل للاستعادة رغم الضربات، وأن القدرة على تخصيب اليورانيوم لم تمحَ كما زعم في السابق.

أما المؤشر الرابع، فهو ما يتعلق بآلية سناب باك، وهي آلية العقوبات ضد إيران بموجب الاتفاق النووي، والتي لوحت بها الترويكا الأوروبية فرنسا، ألمانيا، بريطانيا، في حال رفضت إيران العودة إلى المفاوضات، الدول التي أوضحت في تصريحات سابقة أن تعليق هذه الآلية مرهون بعودة طهران إلى طاولة الحوار واستئناف التعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وقد تحركت إيران بالفعل لإقناع الأوروبيين بعدم شرعية تفعيل هذه الآلية، مبدية استعدادها للحوار من أجل تجنب التصعيد.

كذلك فتبرز زيارة مرتقبة لأحد كبار مسؤولي الوكالة الدولية للطاقة الذرية، ماسيمو ابارو، نائب الأمين العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية، إلى طهران خلال الأسبوع المقبل كمؤشر خامس، حيث تهدف الزيارة إلى التوصل إلى إطار تعاون جديد يعيد الثقة بين الجانبين، ويمهد لاستئناف المفاوضات بشكل أكثر تنظيما.

أما المؤشر السادس والأخير، فيتعلق بالحراك الدبلوماسي الواسع الذي تقوده عدة دول في المنطقة، مثل السعودية والإمارات وقطر وسلطنة عمان ومصر، بالإضافة إلى أدوار متزايدة لكل من الصين وروسيا، الأمر الذي عكس إدراكا دوليا بأن استمرار الوضع الحالي من الجمود والتوتر غير قابل للاستمرار، وأن هناك حاجة ماسة للتوصل إلى اتفاق يرضي الطرفين ويمنع انزلاق المنطقة إلى حرب مفتوحة.

رؤية استراتيجية للمفاوضات وغياب الثقة

في أعقاب الحرب الأخيرة بين إيران وإسرائيل، والتي خلفت دمارا كبيرا في البنية التحتية النووية الإيرانية، تزداد القناعة لدى كثير من الأطراف السياسية والإعلامية في إيران والولايات المتحدة بأن المفاوضات باتت ضرورة لا مفر منها، فقد أظهرت الحرب أن كلفة المواجهة المباشرة بين الطرفين لا تقتصر على الجانب العسكري أو الأمني فحسب، بل تشمل أيضا آثارا اقتصادية وسياسية طويلة الأمد، على رأسها تراجع قيمة العملة الإيرانية بشكل كبير، وازدياد الضغوط الشعبية في الداخل الإيراني على الحكومة للبحث عن حلول دبلوماسية، بما في ذلك استئناف الحوار مع واشنطن.

غير أن الدعوات المتكررة إلى استئناف المفاوضات لا تعني بالضرورة وجود ثقة بين الجانبين، فتشير التقارير إلى أن المناخ الذي يسبق المحادثات القادمة لا يزال مشحونا بتصريحات تهديدية من كلا الطرفين، فالرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، لم يتوان عن وصف إيران بأنها سيئة السلوك، غير قادرة على قول الحقيقة، و أن مشروعها النووي قد دمر، لكنه في الوقت نفسه لم يخف تهديده المباشر بأنه “إذا عادت إيران لاستئناف أنشطتها النووية، فسندمرها أسرع مما يتخيله أحد”، هذه اللغة التصعيدية تعكس عدم وجود نية واضحة لبناء مسار تفاوضي، بل إنها تهدف على الأرجح إلى إظهار القوة لردع طهران ودفعها إلى التفاوض من موقع ضعف.

في المقابل، تتابع طهران عن كثبٍ التحركات الأمريكية والإسرائيلية، فطهران، وفق محللين، تضع في حسبانها أن التهديدات الموجهة إليها لا تنفصل عن الحسابات الانتخابية الأمريكية ولا عن التوازنات الإقليمية، فرغم تدمير بعض منشآتها النووية، لا تزال إيران تحتفظ بنسبة كبيرة من اليورانيوم المخصب حتى نسبة 60%، وهو مستوى قريب من درجة التخصيب اللازمة لتصنيع سلاح نووي، فضلا عن احتفاظها بما يقرب من ألف جهاز طرد مركزي متطور لم يتضرر خلال الحرب.

هذه المعطيات تجعل طهران تعتبر أن لديها أوراق قوة يمكن استخدامها في أي مسار تفاوضي محتمل، وأن العودة إلى طاولة الحوار ليست تنازلا بقدر ما هي فرصة لإعادة التموضع.

في هذا السياق، تكشف التقارير الإعلامية الغربية عن تزايد الحديث عن احتمال انطلاق مفاوضات غير مباشرة بين طهران وواشنطن، وهو ما يعكس ديناميكية جديدة تفرض نفسها رغم مناخ انعدام الثقة.

إن الضرورة الملحة للتفاوض لا تعني تلاشي الشكوك. فكل طرف لا يزال يشك في نوايا الآخر، فطهران من جهتها تخشى من أن تكون المحادثات مجرد غطاء لتكتيكات أمريكية هدفها كسب الوقت وتعميق الضغوط، بينما ترى واشنطن أن إيران تلجأ إلى الحوار فقط عندما تشعر بالاختناق العسكري أو الاقتصادي.

 ومع ذلك، فإن الواقع السياسي والعسكري الذي فرضته الحرب الأخيرة على الأرض يدفع باتجاه خيار واحد فقط: التفاوض، ولو على قاعدة الحد الأدنى من الثقة، لأن البديل هو الانزلاق مجددا إلى حرب شاملة غير محسوبة النتائج لا يريدها أحد.

كلمات مفتاحية: