إيران على مفترق تفاوضي.. بين التصعيد العسكري وفرص الدبلوماسية

نشر موقع فرارو، الخميس 7 أغسطس/آب 2025، تقريرا ذكر فيه أن خبرا يفيد باحتمال بدء مفاوضات بين إيران والولايات المتحدة في المستقبل القريب قد انتشر في الفضاء الإعلامي يوم الثلاثاء 6 أغسطس/آب 2025، وقد حظي هذا الخبر باهتمام واسع. 

وأضاف الموقع أن موقع تابناك الإخباري هو من نشر هذا الخبر، وقد تم تداوله على شبكات التواصل الاجتماعي بطريقتين، الأولى، أن مراسل هذا الموقع حصل على معلومات تفيد بأن هذه المفاوضات ستجرى؛ والثانية، أن مصدر هذا الخبر هو لورنس نورمان، مراسل صحيفة وول ستريت جورنال، وعلى أي حال، تم حذف هذا الخبر من موقع تابناك، كما نفى نورمان هذه الرواية.

وتابع أن نشر هذا الخبر ثم حذفه، إلى جانب التصريحات والأحداث الأخرى التي وقعت، أعاد تسليط الضوء مجددا على قضية المفاوضات، وحتى الآن، لا يوجد أي خبر رسمي يؤكد ما إذا كانت المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة ستجرى أم لا لكن من خلال تجميع الأحداث والظروف معا، يمكن رسم خريطة أولية ودراسة الاحتمالات.


إجراء اتصال مع الوكالة

أوضح الموقع أن نائب المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية ماسيمو أبارو، من المقرّر أن يزور إيران خلال الأيام العشرة المقبلة، وقد أثار الإعلان عن هذه الزيارة ردود فعل، خصوصا بين نواب البرلمان المتشددين الذين اعتبروا هذا الإجراء بمثابة التفاف على القانون الذي أقره البرلمان، في حين أن اتخاذ القرار في مثل هذه القضايا يقع – وفق قانون تعليق التعاون – ضمن صلاحيات المجلس الأعلى للأمن القومي .

وأفاد بأن إيران، ما دامت عضوا في معاهدة عدم الانتشار النووي (NPT)، تبقى ملزمة بالتعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، أما مسألة الانسحاب من المعاهدة، فهي قضية منفصلة ينبغي النظر فيها في سياقها الخاص، لذا، فمن الطبيعي، رغم تعاون المدير العام للوكالة رافائيل غروسي مع الولايات المتحدة والنظام الإسرائيلي، أن يستمر هذا التعاون وفقا لقانون التعليق. 

وبيَّن أن الهجوم الذي استهدف المنشآت النووية الإيرانية خلال حرب الأيام الـ12 يُعد غير مسبوق تاريخيا، فقد نُفذت هجمات محدودة في السنوات الماضية من قبل إسرائيل على البرامج النووية لدول أخرى، لكنها لا تُقارن بما حصل.

وأبرز أن التعاون مع الوكالة أمر ضروري، والظروف الجديدة تتطلب وضع إطار لهذا التعاون، ومن الطبيعي إجراء مفاوضات مع الوكالة، سواء أفضت إلى نتيجة أم لا، وسيُبحث – ضمن الإطار الذي سيُعتمد ووفق ما يقرّه المجلس الأعلى للأمن القومي – مدى السماح لمفتشي الوكالة بالوصول إلى بعض المواقع، وتحديد المناطق التي تُعد غير قابلة للوصول لأسباب أمنية أو متعلقة بالسلامة أو لاعتبارات أخرى.

وذكر أنه إذا قررت إيران الانسحاب من معاهدة NPT، فلن تكون ملزمة بهذا التعاون، وهو ما سيترتب عليه ردود فعل وظروف جديدة، وفي ظل الظروف الحالية، فإن هذا التعاون ضروري من أجل المحاسبة على المواد النووية وتفتيش المنشآت، وإذا كانت هناك أي آفاق لحل الملف النووي الإيراني، فإن التعاون مع الوكالة يُعد عاملا مؤثرا في ذلك، كما أن عدم التعاون مع الوكالة قد يؤدي، بشكل منفصل، إلى إحالة إيران مجددا إلى مجلس الأمن الدولي.

آلية الزناد

أكَّد الموقع أنّ تعارض إيران مع تمديد قرار مجلس الأمن 2231 وآلية الزناد واضح، وقد جرى إعلان هذا الموقف مرارا من قبل مسؤولي الجهاز الدبلوماسي، وطهران لا تُبدي ترحيبا بمقترحات الأطراف الأوروبية في هذا الشأن، ومع ذلك، فإن هذا الموضوع ينبغي أن يُحل، والمحادثات مع الأوروبيين تُجرى على هذا الأساس.

ونوَّه إلى أن البعض داخل إيران يصف المفاوضات بأنها نوع من الافتتان، بينما تسير الدبلوماسية في مسارها وفق أجندة استراتيجية، ووظيفتها هي حل الأزمات بأقل تكلفة ممكنة، وموضوع آلية الزناد، أو إعادة فرض العقوبات، يتطلب بدوره مفاوضات مع الأطراف الأوروبية، إلى جانب الصين وروسيا.

وأضاف أن محللي السياسة الخارجية، وفي تصريحاتهم لوسائل الإعلام، يشيرون إلى أن إيران تُجري مشاورات تهدف إلى منع إعادة فرض قرارات مجلس الأمن الصادرة بموجب الفصل السابع، بل إن بعضهم يرى أنه في حال التوصل إلى اتفاق مع الولايات المتحدة، فقد يكون من الممكن الاستفادة من نفوذ واشنطن على الأوروبيين لمنع تفعيل هذه الآلية.

وأردف أن إيران تتابع أيضا المسارات القانونية المتعلقة بهذه القضية، ومن ذلك رسالة أرسلها مؤخرا وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إلى رئيس وأعضاء مجلس الأمن، أشار فيها إلى أن الدول الأوروبية الثلاث فقدت عمليا صفتها كأطراف مشاركة في الاتفاق النووي، بسبب مواقفها وأفعالها، ومنها الدعم السياسي والمادي للعدوان العسكري غير القانوني الأخير من قِبل إسرائيل والولايات المتحدة، وانتهاك المبادئ الأساسية للاتفاق، وفشلها المزمن في تنفيذ التزاماتها.

وأوضح أن أي محاولة من قبلها لإعادة تفعيل قرارات مجلس الأمن الملغاة تُعد غير مشروعة وباطلة قانونيا، ومن الطبيعي أن تُستخدم كل الإمكانيات المتاحة لمنع عودة إيران إلى وضع الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، وهو فصل عنوانه، الإجراءات في حالات تهديد السلم، والإخلال به، وأعمال العدوان.


التفاوض مع الولايات المتحدة

أورد الموقع أن التفاوض بين إيران والولايات المتحدة، من حيث المبدأ، واستمراره، ونتائجه، كان دائما موضعا مثيرا للجدل داخل إيران، لأسباب متعددة، يرتبط جانب منها بالتجارب التاريخية، فقد وقفت الولايات المتحدة بكل ثقلها إلى جانب النظام الإسرائيلي خلال حرب الأيام الـ12، وهي حقيقة لا يمكن إنكارها. 

وتابع أن واشنطن شاركت في البداية، بشكل غير مباشر وقدمت الدعم اللوجستي، لكنها لاحقا، خاصة في الهجمات التي عجزت إسرائيل عن تنفيذها ضد المنشآت النووية الإيرانية، تدخلت عسكريا بشكل مباشر، وقد تم التوصل إلى وقف إطلاق النار بين إيران وإسرائيل بتدخل من الولايات المتحدة وعدد من الدول الإقليمية، وذلك في وقت كانت فيه إيران، رغم ضعفها الواضح في مجال الدفاع الجوي، قد دخلت بثقل في العمليات الهجومية.

وأبلغ أنه من الصعب تقديم تفسير نهائي لأسباب التدخل العسكري الأمريكي، نظرا لقلة المعلومات المتاحة، فهل كانت واشنطن تسعى لتغيير قواعد اللعبة في الملف النووي الإيراني؟ وهل قررت ذلك بعد رفض إيران لمطلب التخصيب الصفري؟ في كل الأحوال، فإن هذا التدخل وجّه ضربة كبيرة للمسار الدبلوماسي، وهو ما أشار إليه عراقجي في مقابلته الأخيرة مع صحيفة فايننشل تايمز، حيث قال:

  • تقريبا هناك ضغط من الجميع لعدم التفاوض، فالمشاعر المعادية لأميركا، بل حتى المعادية للتفاوض، قوية جدا، فالناس يقولون لي: لا تضيّع وقتك ووقتنا، ولا تنخدع بهم مجددا، فإذا أبدوا استعدادهم للتفاوض، فهو مجرد غطاء لأهداف أخرى، ولهذا، فإن إقناع الجميع بأن التفاوض قد يكون مجديا، مهمة صعبة جدا بالنسبة لي.
  • وصرَّح بأن المفاوضات في عام 2015 أثمرت، لكن الولايات المتحدة انسحبت، وهذه المرة، كنا نتفاوض، لكنهم اختاروا الخيار العسكري، لذا، فإن إقناع الشعب والمسؤولين بات أمرا بالغ الصعوبة.
    ملف التفاوض مع الولايات المتحدة

أفاد الموقع أن موضوع التفاوض مع الولايات المتحدة كان مثيرا للجدل في السابق، لكنه أصبح أكثر تعقيدا بعد حرب الأيام الـ12، فإيران تجد نفسها، من جهة، مضطرة لمعالجة هذا الملف نظرا لمكانة الولايات المتحدة السياسية والاقتصادية على الساحة الدولية، ومن جهة أخرى، فإن تدخل واشنطن العسكري الأخير جعل الظروف أكثر صعوبة من أي وقت مضى.

وبيَّن بشأن ما إذا كان تبادل الرسائل المباشرة بين عراقجي والمبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف يُعد بمثابة مفاوضات مباشرة بين إيران والولايات المتحدة، اكتفى المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية هذا الأسبوع بكلمة واحدة (لا)، رغم ذلك، لا يزال بعض المحللين يأملون في استئناف المسار الدبلوماسي بين إيران وأمريكا، وإن كانت نظرتهم للأمر تختلف. 

وضرب مثالا بما قاله الخبير في الشأن الأمريكي أمير علي أبو الفتح: “بصراحة، إذا كانت الدولة ترى أنه لا حاجة للتفاوض، فلننتهِ من هذا الجدل، وإن كانت ترى ضرورة لذلك، فلتتفاوض، لكن إذا كان القرار هو التفاوض، فلا معنى لاعتماد نماذج مثل مفاوضات مسقط أو روما، أو فرض شروط مسبقة مثل مطالبة أمريكا بتقديم ضمان بعدم مهاجمتنا”.

 وأكَّد أبو الفتح أنه “لا فائدة تُرجى من هذا الموقف إذا قال الأمريكيون إنهم لن يهاجمونا، فلا ينبغي لنا أن نصدقهم يجب على مؤسساتنا العسكرية والأمنية أن تبقى يقظة ولا تتغافل عن الخطر، حتى لو صرّح الطرف المقابل بعدم نية الهجوم”.

وأبرز الموقع أن “أمريكا نكثت بوعودها كثيرا، فحتى لو خرج الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أو إدارته الآن وقالوا إنهم لن يهاجموا خلال المفاوضات، فلا ينبغي لنا أن نصدقهم، فإيران تعرّضت للكثير من الخيانات والضربات من واشنطن، وباتت الثقة بها مفقودة، فحتى لو أصدر البيت الأبيض بيانا رسميا يقول فيه إنه لن يهاجم، يجب ألا نقبل بذلك”.

وفي الختام أقرَّ الموقع بأن “هناك أيضا من يحاول تنظير عدم الحاجة إلى الدبلوماسية، ومع ذلك، تُظهر التجارب أن المسار الدبلوماسي غالبا ما يُستأنف في نهاية المطاف، إذ لا يتعارض مع الظروف الراهنة، لكن شكل هذا المسار وطريقته يظلان موضع نقاش، تماما كما أن عنصر الزمن يلعب دورا حاسما في تحديد توقيته”.