النفط الإيراني يتحدى العقوبات.. كيف واصلت طهران التصدير رغم الحصار الأمريكي؟

منذ قيام الثورة الإسلامية في إيران في 1979 وحتى الآن تعرض قطاع النفط الإيراني لضغوط متصاعدة تمثلت في العقوبات الاقتصادية، ليضاف لها خلال العام الأخير التصعيد العسكري، المتمثل في حرب يونيو/ حزيران 2025 وفبراير/ شباط 2026، ومؤخرا الحصار البحري الذي استهدف ناقلات النفط وشبكات التصدير. ورغم أن واشنطن راهنت على أن هذه الضغوط المركبة ستؤدي إلى شل صادرات النفط الإيراني وإخراج طهران من سوق الطاقة العالمية، فإن التطورات الأخيرة أظهرت قدرة إيران على الحفاظ على جزء مهم من إنتاجها وصادراتها النفطية.

ومع تصاعد الحرب والتوترات في الخليج، ازدادت المخاوف العالمية بشأن أمن الإمدادات النفطية، غير أن إيران واصلت تصدير النفط عبر شبكات نقل معقدة وعمليات بحرية سرية، مستفيدة مما يعرف بأسطول الظل ومن استمرار الطلب الصيني على الخام الإيراني، ما جعل العقوبات الأمريكية عاجزة حتى الآن عن وقف تدفق النفط الإيراني إلى الأسواق العالمية.

أسطول الظل… كيف كشفت وول ستريت جورنال آليات تصدير النفط الإيراني؟

سلطت صحيفة وول ستريت جورنال الضوء في تقرير مطول، الأربعاء 27 ماير/ آيار 2026، على الكيفية التي تمكنت بها إيران من مواصلة بيع نفطها رغم ما وصفته الصحيفة بالحصار البحري الأمريكي. ووفق التقرير، فإن ناقلات النفط الإيرانية لا تزال تنشط في المياه الدولية، لا سيما بالقرب من السواحل الماليزية، حيث تجري عمليات نقل النفط من سفينة إلى أخرى بعيدا عن الرقابة التقليدية. وأشارت الصحيفة إلى أن ناقلات محملة بالنفط الإيراني كانت تنتظر على بعد نحو 45 ميلا من الساحل الماليزي لتفريغ شحناتها إلى سفن متجهة نحو المصافي الصينية، في مشهد يعكس وجود شبكة لوجستية متكاملة تعمل بسرية عالية.

Image

وبحسب التقرير، فإن هذه العمليات تتم عبر ما يعرف بأسطول الظل، وهو مصطلح يطلقه خبراء الملاحة والطاقة على مئات السفن القديمة التي تنقل النفط الإيراني والروسي خارج الأطر التقليدية للتجارة العالمية، وكانت زاد إيران خصصت تقريرا استقصائيا عن أسطول الظل الإيراني وتصدير النفط. هذا وتعتمد هذه السفن على تقنيات متعددة لتجنب الرصد، مثل إغلاق أجهزة التتبع، وتغيير أسماء السفن وأعلامها، وتنفيذ عمليات النقل في مناطق بحرية بعيدة عن الممرات التقليدية، كما تحدث التقرير عن سفينة قديمة خاضعة لعقوبات أمريكية كانت تنقل النفط عبر خرطوم ضخم إلى سفينة أخرى طلي اسمها باللون الأسود لإخفاء هويتها.

Image

ورأت الصحيفة أن استمرار هذه العمليات يكشف عن عنصر القوة الرئيسي لدى إيران، والمتمثل في قدرتها على بناء شبكات موازية للتجارة البحرية العالمية، الأمر الذي مكنها من الصمود لفترة طويلة أمام الضغوط الأمريكية، وأشارت إلى أن الصين ما تزال تمثل الشريان الرئيسي لصادرات النفط الإيرانية، إذ تستحوذ على النسبة الأكبر من النفط الإيراني المصدر إلى الخارج. ووفق تقديرات لجنة المراجعة الاقتصادية والأمنية الأمريكية الصينية، بلغت عائدات إيران النفطية من الصين خلال العام الماضي نحو 31 مليار دولار، وهو ما يمثل قرابة 90 بالمئة من إجمالي صادرات النفط الإيرانية، ونحو 45 بالمئة من الميزانية الحكومية الإيرانية.

Image

الأكثر أهمية في تقرير وول ستريت جورنال كان الإشارة إلى أن الحكومة الصينية أوصت، في بعض الحالات، الشركات المحلية بعدم الالتزام الكامل بالعقوبات الأمريكية المفروضة على الكيانات والمصافي المرتبطة بالنفط الإيراني. وهذه النقطة تعكس حجم التباين بين واشنطن وبكين في ملف العقوبات، كما توضح أن إيران لا تتحرك منفردة، بل تستفيد من وجود مصالح اقتصادية وسياسية تدفع بعض القوى الكبرى إلى إبقاء قنوات التجارة مفتوحة معها، ولو بصورة غير معلنة.

أرقام الإنتاج والتصدير.. إيران تتجاوز رهانات الشلل النفطي

بعيدا عن الرواية الإعلامية الغربية، جاءت تقارير المؤسسات الدولية لتؤكد أن إيران استطاعت بالفعل الحفاظ على مستوى مرتفع نسبيا من الإنتاج والتصدير النفطي رغم التصعيد العسكري والضغوط البحرية. فقد كشفت وكالة الطاقة الدولية في أحد تقاريرها الأخيرة أن إيران واصلت إنتاج نحو 3 ملايين و510 آلاف برميل يوميا، لتصبح ثاني أكبر منتج للنفط داخل منظمة أوبك خلال تلك الفترة، متقدمة على الإمارات والعراق، ولا تتفوق عليها سوى السعودية.

Image

وتكتسب هذه الأرقام أهمية خاصة إذا ما قورنت بالتصريحات الأمريكية السابقة التي تحدثت عن أن أي حصار بحري سيؤدي سريعا إلى شلل قطاع النفط الإيراني وإجبار طهران على إغلاق آبارها النفطية، إلا أن البيانات المعلنة أظهرت أن تراجع الإنتاج الإيراني كان محدودا نسبيا، إذ انخفض بمقدار 120 ألف برميل فقط مقارنة بالشهر السابق، وهو رقم لا يعكس انهيارا حقيقيا في القطاع كما كانت تتوقع واشنطن.

في المقابل، أظهرت بيانات أوبك تراجعا حادا في إنتاج عدد من الدول الخليجية الأخرى نتيجة التوترات الإقليمية وإغلاق بعض الممرات البحرية، حيث سجلت الكويت أكبر انخفاض في إنتاج النفط بين أعضاء المنظمة خلال شهر أبريل، بينما تراجع إنتاج السعودية والعراق أيضا. وهذا يعني أن الأزمة لم تؤثر على إيران وحدها، بل انعكست على السوق النفطية الخليجية ككل.

Image

أما على مستوى الصادرات، فقد قدرت وكالة الطاقة الدولية صادرات النفط الإيراني بنحو 1.4 مليون برميل يوميا خلال أحد أشهر العام الجاري، رغم الحصار الأمريكي والتوترات العسكرية. صحيح أن هذه الصادرات شهدت انخفاضا مقارنة بالشهر السابق، لكنها بقيت عند مستويات تؤكد استمرار قدرة إيران على الوصول إلى الأسواق الخارجية. كما أشارت الوكالة إلى أن عمليات تخزين النفط الإيراني في الخزانات الساحلية والعائمة استمرت بشكل طبيعي، ما يعكس قدرة طهران على إدارة فائض الإنتاج وتجنب الاختناقات اللوجستية.

ويشير محللون إلى أن نجاح إيران في الحفاظ على صادراتها يعود إلى مجموعة عوامل متداخلة، من بينها تنوع شبكات النقل، والاعتماد على وسطاء وشركات شحن غير تقليدية، فضلا عن وجود طلب آسيوي مستمر على النفط الإيراني، خصوصا من الصين. كما أن ارتفاع أسعار النفط العالمية خلال فترات التوتر ساهم في تعويض جزء من خسائر الخصومات السعرية التي تضطر إيران لتقديمها للمشترين.

أسواق النفط تراهن على الاتفاق.. لكن الحرب لم تغادر الحسابات

في موازاة استمرار تدفق النفط الإيراني، بدت الأسواق العالمية وكأنها تعيد حساباتها بشأن مستقبل الأزمة بين إيران والولايات المتحدة، فقد أظهرت تقارير وتحليلات اقتصادية حديثة أن المتعاملين في سوق النفط باتوا يميلون إلى الرهان على سيناريو التهدئة أو الاتفاق أكثر من الرهان على استمرار الحرب، وهو ما انعكس مباشرة على حركة الأسعار والعقود الآجلة.

وفي هذا السياق، أوضحت شركة الخدمات المالية العالمية StoneXأن سوق النفط أصبحت تتحرك بدرجة كبيرة تحت تأثير الأخبار المتعلقة بالمفاوضات الإيرانية الأمريكية، فكلما انتشرت تقارير عن قرب التوصل إلى تفاهم أو اتفاق، تراجعت أسعار النفط بشكل ملحوظ، قبل أن تعود للارتفاع مع صدور نفي رسمي أو حدوث تطورات عسكرية جديدة. ووفق التقرير، فإن مجرد الحديث عن إعداد مسودة تفاهم للسلام أدى إلى انخفاض أسعار النفط بنحو 3 دولارات للبرميل، قبل أن تستعيد السوق خسائرها بعد نفي البيت الأبيض لهذه الأنباء.

Image

ورغم هذا التذبذب، لاحظ التقرير أن أسعار النفط بقيت أقل من مستوياتها السابقة، ما يعكس أن الأسواق تراهن بشكل أكبر على احتواء الأزمة وعدم تحولها إلى حرب طويلة الأمد. لكن في الوقت نفسه، بقيت العقود طويلة الأجل عند مستويات مرتفعة نسبيا، في إشارة إلى أن المستثمرين ما يزالون يتوقعون استمرار حالة عدم اليقين وتأثيراتها على سوق الطاقة العالمية.

كما لفت التقرير إلى أن بداية الأزمة دفعت المشترين إلى التهافت على الإمدادات الفورية من النفط، وهو ما أدى إلى اتساع الفارق بين أسعار العقود القريبة والبعيدة، فيما يعرف بحالة الباكورديشن، فقد ارتفعت أسعار عقود النفط القريبة بشكل حاد نتيجة المخاوف من نقص الإمدادات وتعطل الملاحة في منطقة الخليج، بينما ظلت العقود البعيدة أقل ارتفاعا بسبب اعتقاد الأسواق بأن الحرب ستكون قصيرة نسبيا.

Image

ومع مرور الوقت، تراجعت حدة الذعر في الأسواق، لكن التقلبات بقيت مرتفعة نتيجة التدفق المستمر للأخبار المتناقضة. فتقارير عن استئناف عمليات عسكرية أو تشديد العقوبات كانت تدفع الأسعار للصعود، بينما تؤدي أخبار المفاوضات أو احتمالات وقف إطلاق النار إلى تراجعها سريعا. وبحسب StoneX، فإن هذه الحالة تعكس أن الأسواق لم تعد تتعامل مع الأزمة باعتبارها مواجهة عسكرية فقط، بل باعتبارها أيضا معركة اقتصادية وسياسية مفتوحة تؤثر مباشرة على أمن الطاقة العالمي.

في المحصلة، تكشف مجمل هذه التقارير أن العقوبات الأمريكية، رغم شدتها، لم تتمكن من وقف صادرات النفط الإيرانية أو إخراج طهران من سوق الطاقة العالمية. بل على العكس، دفعت إيران إلى تطوير أدوات جديدة للالتفاف على القيود، وبناء شبكات أكثر تعقيدا للتجارة والنقل والتخزين، كما أن استمرار الطلب الصيني على النفط الإيراني، إلى جانب الانقسامات الدولية بشأن العقوبات، منح طهران هامشا واسعا للمناورة.

وفي الوقت الذي تراهن فيه الأسواق على إمكانية التوصل إلى تفاهمات تخفف التوتر بين إيران والولايات المتحدة، يبقى النفط الإيراني حاضرا بقوة في معادلة الطاقة العالمية، ليس فقط باعتباره مصدرا اقتصاديا مهما لطهران، بل أيضا كعامل مؤثر في توازنات السوق الدولية وأسعار الطاقة ومستقبل الأمن البحري في الخليج والمنطقة بأكملها.

كلمات مفتاحية: