اتهامات وتبريرات.. صدام محتدم تحت قبة البرلمان الإيراني

شهدت الساحة السياسية الإيرانية، الثلاثاء 13 مايو/أيار 2025، مشهدا برلمانيا استثنائيا حظي باهتمام واسع داخل الأوساط التشريعية والحكومية على حد سواء، فقد تحولت إحدى جلسات البرلمان إلى ساحة مواجهة حادة بين أحد الوزراء البارزين ومجموعة من النواب، وسط أجواء مشحونة بالاتهامات والتراشق الكلامي والتساؤلات العلنية حول الولاءات والتوجهات السياسية، فالجلسة لم تكن مجرد نقاش اعتيادي حول أداء وزير، بل عكست تصدعات أعمق داخل بنية السلطة، ورسائل متبادلة تحمل في طياتها صراعا متناميا بين مؤسسات الدولة المختلفة وتياراتها المتباينة في الرؤية والنهج.

فقد شهد البرلمان الإيراني، صباح الثلاثاء، واحدة من أكثر جلسات الاستجواب توترا في الأسابيع الأخيرة، حيث خُصصت الجلسة لاستجواب أحمد ميدري، وزير التعاون والعمل والتضامن الاجتماعي في حكومة مسعود بزشكيان، حول أدائه في الوزارة والقرارات التي اتخذها مؤخرا والتي أثارت جدلا واسعا في الأوساط السياسية والبرلمانية وحتى داخل أجنحة الحكومة نفسها.

وضعیت قرمز میدری

عاصفة من الانتقادات

بدأت الجلسة بتقدم حسين إمامي راد، النائب عن جناران وشاندیز، والذي تصدر قائمة المستجوبين برفقة 38 نائبا آخرين، بطرح شكواه وقال مخاطبا بزشكيان: “لقد مرّت تسعة أشهر على رئاسة السيد بزشكيان، وهي حكومة بدأت عملها بشعار الوفاق الوطني، يا سيادة الرئيس، نحن نراكم شخصا صالحا وصادقا ونزيها، لكن بعض القرارات المتخذة في الحكومة، والتي أدت إلى إدخال عناصر مشبوهة ومثيرة للجدل ومتطرفة إلى الحكومة، تثير القلق والتساؤلات”.

‫حسین امامی راد - خبرگزاری مهر | اخبار ایران و جهان | Mehr News Agency‬‎

كذلك تحدث علي خضريان، النائب المنسوب لجبهة الصمود الأصولية، ووجه انتقادات كبيرة لآداء الوزير، وقد كان خضريان قد اتهم الوزير سابقا في رسالة مفتوحة وحادة بتعيين أشخاص مشبوهين في شركة فولاد خراسان، وتحدث عن “تسلل شخصيات ذات مواقف معادية للنظام” إلى هياكل الشركات التابعة للوزارة.

انتقاد علی خضریان از گران‌سازی ارز و فشار اقتصادی بر اقشار ضعیف

وبشكل عام، فقد تلخصت الانتقادات التي وجهت إلى ميدري في عناصر رئيسة أولها التعيينات المثيرة للجدل، فقد انتقد النواب ما سموه الإقصاء المنظم للكوادر الثورية وتعيين شخصيات ذات خلفيات مشبوهة أو مرتبطة بجماعات بعيدة عن التوجهات السياسية السائدة في الدولة، كما أشار بعضهم إلى أن العديد من التعيينات تمت بطريقة غامضة ودون العودة للمعايير المهنية حسب وصفهم.

كذلك سوء الإدارة في مجال الضمان الاجتماعي، فتركزت اتهامات أخرى على أداء الوزارة في مجال الضمان الاجتماعي، حيث أشار النواب إلى فشل ميدري في تحسين أوضاع المتقاعدين أو تقديم برامج واضحة للضمان الاجتماعي، معتبرين أن الوضع ازداد سوءا بعد استلامه الوزارة.

أيضا، فكان من ضمن الانتقادات البرلمانية الافتقار إلى الشفافية، حيث عاب بعض النواب على ميدري ما وصفوه بالتعتيم في ملفات تخص الدعم النقدي وسياسات الرعاية الاجتماعية، معتبرين أن الوزير يتهرب من تقديم تقارير دورية للبرلمان حول تنفيذ برامج الحكومة في قطاع التضامن الاجتماعي.

وأخيرا جاء التنصل من المسؤولية، فاتُهم ميدري بالاختباء وراء أعذار بيروقراطية وعدم تحمّل مسؤولياته السياسية، في إشارة إلى ما اعتبره البعض تكرارا لمحاولة تحميل مدراء سابقين أخطاء المرحلة الحالية.

دفاع ناري من الوزير

بعد انتهاء النواب من تقديم شكواهم، شرع ميدري كلمته في الجلسة، وقد شرح ميدري آلية اختيار رئيس منظمة الرعاية الاجتماعية، موضحًا أنها بدأت بإعلان عام، تلاه فحص لسير ذاتية عددها 290، ثم مقابلات مع 25 مرشحا، واختيار 5 منهم للمرحلة النهائية، حيث تم تعيين الدكتور حسيني، وهو إحدى الشخصيات محل الاعتراض من النواب، رئيسا للمنظمة.

استیضاح «میدری» در سامانه مجلس ثبت شد | وزیر کار فردا به کمیسیون اجتماعی

 ووفقا لميدري، فإن حسيني لديه خلفية تطوعية في مجال الرعاية الاجتماعية، دون أي نشاط حزبي أو سياسي. وأضاف: “حسب ما تحققنا منه، لم يكتب أي مقالات سياسية، ولا ينتمي إلى أي حزب. وحتى إن كان الأمر كذلك، فهل هذا يُعد جريمة؟”.

كما أثار وزير العمل خلال تصريحاته الجدل حول تعيينات وصفها بالمريبة لم يُثر البرلمان أي اعتراض حولها، قائلا: “هناك أشخاص لا يملكون أي خبرة، تم تعيينهم في مجالس إدارة شركات بعد وفاة رئيس الجمهورية، يقصد إبراهيم رئيسي الذي توفي عقب سقوط طائرته في مايو/أيار 2025، وقبل تشكيل الحكومة الجديدة. هؤلاء يعيشون على المال العام، وحين يُرسَل إليهم مفتش، يهددون بالفضح”.

A person standing at a desk

AI-generated content may be incorrect.

كما صرح بأن “بعض الأفراد في تلك الشركات ينفقون مبالغ طائلة، ولكن استبدالهم سيؤدي قريبا إلى هجمات سياسية”.

كما انتقد الوزير أيضا طريقة مساءلة النواب، قائلا: “في أي مكان في العالم، المتهم هو آخر من يتحدث. لكن هنا، الأمر معكوس”، وفي تحذير واضح، قال ميدري: “إذا لم يكن باستطاعة الوزير إرسال مفتش إلى شركة فولاد خراسان، فربما من الأفضل إلغاء وجود هذه الوزارة من الأساس”.

وتابع ميدري انتقاده لأسلوب مساءلة النواب، مشيرا إلى أنه “في جميع أنحاء العالم، المتهم أو الشخص محل الاستجواب يُمنح الكلمة الأخيرة للدفاع. أما هنا، فالمطلوب أن أتكلم أولا، ثم يتحدث الطرف الآخر، وفي النهاية تُجرى عملية التصويت دون أن تُمنح لي فرصة للرد”.

وأوضح الوزير، الذي تلقى في السابق بطاقة صفراء من بعض النواب استنادا إلى معلومات مغلوطة بحسب وصفه، أن مثل هذه القرارات لا يمكن أن تكون عادلة أو قائمة على الواقع.

وانتقد ميدري أيضا بعض تصريحات النواب التي استخدمت عبارات مثل أشخاص مشبوهون، معتبرا أن ذلك يسيء إلى أجواء الوزارة ويُعزز من انعدام الثقة العامة، مؤكدا أن جميع التعيينات خضعت لمراجعة ثلاث جهات رقابية وتمت بموافقتها.

Bottom of Form

بين البرلمان والحكومة.. رسائل سياسية متبادلة

في ختام الجلسة، صوّت البرلمان لصالح ميدري، إذ وافق 125 نائبا من أصل 232 صوتا على ردوده، دون حصوله على بطاقة صفراء أخرى، الأمر الذي كان سيدل على عدم اقتناعهم بما قاله، ولكن هناك إشارات تقول إن تلك لن تكون المرة الأخيرة التي يقف فيها ميدري أمام البرلمان، فيرى مراقبون أن جلسة استجواب ميدري حملت رسائل سياسية أبعد من مجرد تقييم الأداء الوزاري، فقد وُصفت الجلسة بأنها جزء من صراع أكبر بين البرلمان الذي تهيمن عليه التيارات الأصولية، والحكومة الإصلاحية التي يقودها بزشكيان.

میدری بار دیگر در کانون پرسش‌های مجلس؛ طرح 2 سوال از وزیر کار اعلام وصول

وبحسب مصدر مطلع في البرلمان، فإن “استجواب ميدري ما هو إلا مقدمة لمزيد من الضغوط على فريق بزشكيان، خصوصا في ظل تصاعد التوتر بين السلطتين التنفيذية والتشريعية، كما أن اختيار ميدري، وهو شخصية أكاديمية لا تنتمي للتيارات السياسية التقليدية، ليشغل هذا المنصب الحساس، اعتُبر منذ البداية خطوة جريئة من بزشكيان، لكنها الآن تواجه اختبارا حقيقيا أمام البرلمان”.

مستقبل ميدري.. بين التحدي السياسي والبقاء الفني

بعد جلسة الأمس، بات واضحا أن مستقبل أحمد ميدري في الحكومة ليس مضمونا، خاصة إذا ما استمرت الحملة البرلمانية ضده، فالمعادلة اليوم أصبحت معقدة، حيث يشير المحللون إلى أنه من جهة، يريد بزشكيان الحفاظ على استقلاليته في اختيار الوزراء وتشكيل الحكومة دون الخضوع للضغوط، ومن جهة أخرى، يسعى البرلمان إلى إثبات قدرته على محاسبة الوزراء الذين لا ينسجمون مع توجهاته.

في هذا السياق، يؤكد المحللون أن بقاء ميدري مرهون بقدرته على احتواء الغضب البرلماني، وربما إجراء تعديلات سريعة في طاقمه الإداري لتهدئة الأجواء. كما أن دعمه لبعض الملفات الاجتماعية، كرفع مستوى معيشة المتقاعدين وتحديث برامج الرعاية، قد يمنحه نقطة تعاطف داخل الرأي العام، قد يستخدمها بزشكيان لصالحه.