- زاد إيران - المحرر
- 207 Views
شهد المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس هذا العام سجالا سياسيا لافتا تجاوز الإطار الأوروبي الروسي، ليتحول إلى مواجهة خطابية غير مباشرة بين الرئيس الأوكراني فلاديمير زيلنسكي ووزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، على خلفية تصريحات حادة أطلقها زيلنسكي ضد إيران، ورد إيراني اتهم كييف بازدواجية المعايير واستغلال الخطاب الحقوقي لتبرير سياسات تصعيدية.
هذا السجال جاء في لحظة دولية شديدة الحساسية، تتقاطع فيها الحرب الروسية الأوكرانية مع التوترات الإقليمية في الشرق الأوسط، ومع إعادة تشكل أولويات الغرب السياسية والأمنية.
تصريحات زيلنسكي عن إيران في دافوس وسياقها الأوسع
خلال كلمته في الدورة السادسة والخمسين للمنتدى الاقتصادي العالمي في المنتدى الاقتصادي العالمي بمدينة دافوس السويسرية، والذي عقد في الفترة من 19 إلى 23 يناير/ كانون الثاني 2026، خص الرئيس الأوكراني جزءا ملحوظا من خطابه للحديث عن إيران، في خروج واضح عن السياق التقليدي لكلماته التي تركز عادة على الحرب مع روسيا والدعم الغربي لكييف، حيث اعتبر زيلنسكي أن ما جرى في إيران خلال الاحتجاجات الأخيرة التي شملت عدة مدن إيرانية وتخللها أعمال عنف راحة ضحيتها أكثر من 3000 شخص، يشكل، بحسب توصيفه، مثالا على فشل المجتمع الدولي في حماية الشعوب.

وقال زيلنسكي إن العالم تحدث كثيرا عن الاحتجاجات في إيران، لكنه في النهاية وقف متفرجا بينما غرق المتظاهرون في الدماء، مضيفا أن ردود الفعل الدولية جاءت متأخرة، وبعد أن كان آلاف الأشخاص قد قتلوا بالفعل، وأشار إلى أن انشغال أوروبا بالأعياد ونهاية العام ساهم، برأيه، في تأخير اتخاذ مواقف سياسية واضحة تجاه ما يجري داخل إيران.
وفي ذروة تصريحاته، أطلق الرئيس الأوكراني جملة أثارت ردود فعل واسعة حين قال إن بقاء الجمهورية الإسلامية يبعث برسالة خطيرة إلى العالم مفادها أن من يقتل عددا كافيا من الناس يمكنه البقاء في السلطة، التوصيف الذي لم يأتي كونه مجرد انتقاد سياسي، بل حمل بعدا أخلاقيا حادا، وضع إيران في موقع النموذج السلبي الذي حذر زيلنسكي من تكراره في مناطق أخرى من العالم.
لم يتوقف زيلنسكي عند الشأن الإيراني فقط، بل ربط بين ما وصفه بتقاعس المجتمع الدولي عن دعم الإيرانيين، وبين ما قد يترتب عليه من تداعيات أمنية وسياسية أوسع، ففي خطابه، عاد ليؤكد أن الامتناع عن مساعدة من وصفهم بالشعوب التي تناضل من أجل الحرية لا يمر من دون كلفة، وأن نتائجه دائما سلبية سواء في أوروبا أو خارجها.

وفي سياق أوسع، انتقد الرئيس الأوكراني الموقف الأوروبي العام، معتبرا أن أوروبا تعاني من تردد استراتيجي، سواء في تعاملها مع الحرب في أوكرانيا أو مع أزمات أخرى، مثل الملف الإيراني أو حتى التوترات المتصلة بجرينلاند، ورأى أن القارة العجوز لا تزال تنتظر المبادرة الأميركية بدل صياغة سياسة مستقلة وحاسمة.
كما استثمر زيلنسكي المنصة نفسها لتجديد هجومه على روسيا ورئيسها فلاديمير بوتين، متسائلا عن أسباب عدم محاسبته دوليا، ومقارنا بين ملاحقات قضائية طالت قادة آخرين في العالم، وبين غياب أي مسار قانوني فعلي بحق موسكو، رغم استمرار الحرب. ووفق محللين، فإن هذا الربط بين إيران وروسيا لم يكن عفويا، بل جاء ضمن سردية واحدة حاول من خلالها زيلنسكي تصوير ما يعتبره محورا منتهكا للنظام الدولي.
عراقجي… ازدواجية معايير وفساد أوكراني
لم يمر خطاب زيلنسكي من دون رد إيراني، وجاء الرد هذه المرة على لسان وزير الخارجية عباس عراقجي، الذي اختار مخاطبة التصريحات الأوكرانية بلغة سياسية مباشرة، اتسمت بالحدة من جهة، وبمحاولة قلب الاتهامات من جهة أخرى، حيث اعتبر عراقجي أن ما صدر عن الرئيس الأوكراني يعكس تناقضا صارخا في المواقف، وازدواجية واضحة في قراءة ميثاق الأمم المتحدة.

ففي تغريدته على حسابه على منصة اكس الجمعة 23 يناير/ كانون الثاني 2026، شدد عراقجي على أن زيلنسكي، الذي يقدم نفسه مدافعا عن الشرعية الدولية في مواجهة روسيا يتجاهل في الوقت نفسه، بحسب قوله، الدعوات الصريحة إلى عدوان عسكري ضد إيران، وهو ما يشكل انتهاكا واضحا للمبادئ نفسها التي يتحدث عنها الرئيس الأوكراني، كما اعتبر وزير الخارجية الإيراني أن استخدام الخطاب الحقوقي لتبرير سياسات تصعيدية ضد دول أخرى يفقد هذا الخطاب مصداقيته.

وذهب عراقجي إلى أبعد من ذلك، حين اتهم القيادة الأوكرانية باستغلال الدعم المالي والعسكري الغربي، مشيرا إلى أن مليارات الدولارات التي دفعت من أموال دافعي الضرائب في الولايات المتحدة وأوروبا، لم تستخدم فقط للدفاع عن أوكرانيا، بل ذهبت، وفق تعبيره، إلى جيوب جنرالات فاسدين، وإلى إطالة أمد الحرب بدل إنهائها، كما رفض المقارنات التي عقدها زيلنسكي بين إيران وأوكرانيا، معتبرا أن طهران لا تحتاج إلى مرتزقة ولا إلى دعم خارجي للدفاع عن نفسها، في إشارة مباشرة إلى اعتماد كييف الواسع على المساعدات الغربية، وأكد أن إيران، بخلاف ما وصفه بالجيش المدعوم من الخارج، تعتمد على قدراتها الذاتية في حماية سيادتها.
وفي تحليل لرده قال خبراء إن عراقجي قد حاول إعادة توجيه النقاش من اتهامات تتعلق بالشأن الداخلي الإيراني، إلى سؤال أوسع حول شرعية التدخلات الخارجية، معتبرًا أن الدعوة إلى استخدام القوة ضد إيران، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، تتناقض مع مبادئ القانون الدولي التي يدعي الغرب الدفاع عنها في أوكرانيا، هذا الرد الإيراني لم يكن موجها فقط إلى زيلنسكي ، بل إلى الجمهور الغربي أيضا، في محاولة لتصوير طهران على أنها طرف يتعرض لاستهداف سياسي وإعلامي، في حين يتم التغاضي عن انتهاكات أخرى لأسباب تتعلق بالمصالح والتحالفات. وبذلك، فقد تحول السجال إلى مواجهة سرديات، لا مجرد تبادل اتهامات.

الدور الإيراني في الحرب الروسية الأوكرانية
لم تكن تلك التصريحات الأولى التي تثير أزمة بين الجانبين الإيراني والأوكراني، فقد شكل الدور الإيراني في الحرب الروسية الأوكرانية أحد أكثر الملفات إثارة للجدل في السنوات الأخيرة، إذ تتهم كييف وحلفاؤها الغربيون طهران بلعب دور داعم لموسكو، خصوصا في المجال العسكري والتقني، وتتمحور هذه الاتهامات بشكل أساسي حول الطائرات المسيرة من طراز شاهد، التي تقول أوكرانيا والولايات المتحدة إنها استخدمت في استهداف البنية التحتية الأوكرانية.


على الجانب الأخر، ترى الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية أن تزويد روسيا بهذه الطائرات المسيرة، سواء بشكل مباشر أو عبر قنوات غير معلنة، ساهم في إطالة أمد الحرب، وسمح لموسكو بالحفاظ على وتيرة هجماتها، رغم العقوبات الغربية الواسعة. وقد دفعت هذه الاتهامات واشنطن وحلفاءها إلى فرض حزم متتالية من العقوبات على أفراد وكيانات إيرانية مرتبطة بصناعة الطائرات المسيرة.
في المقابل، تنفي إيران رسميا أنها زودت روسيا بأسلحة لاستخدامها في الحرب بعد اندلاع النزاع، مؤكدة أن تعاونها العسكري مع موسكو يندرج في إطار اتفاقات سابقة، ولا يشمل دعم العمليات العسكرية الجارية في أوكرانيا، وتصر طهران على أن هذه الاتهامات تستخدم كذريعة سياسية لتبرير الضغوط الغربية المتزايدة عليها.
لكن، وبعيدا عن التصريحات الرسمية، يرى عدد من المحللين أن التقارب الإيراني الروسي تعزز بفعل العزلة الدولية المشتركة التي يواجهها الطرفان، فالعقوبات الغربية دفعت موسكو وطهران إلى البحث عن قنوات تعاون بديلة، سواء في المجال العسكري أو الاقتصادي أو التكنولوجي، وهو ما انعكس في ازدياد التنسيق بينهما خلال السنوات الأخيرة.

وفي تحليل عام للمشهد، يقول الخبراء أنه من وجهة نظر أوكرانية، لا يمكن فصل الدور الإيراني عن السياق الأوسع للحرب، حيث ترى كييف أن أي دعم، مهما كان حجمه، يقدم لروسيا، يساهم عمليا في استمرار النزاع، ويقوض الجهود الرامية إلى التوصل إلى تسوية سياسية. ولهذا، يحرص المسؤولون الأوكرانيون، وفي مقدمتهم زيلنسكي، على إبقاء الملف الإيراني حاضرا في المحافل الدولية.
في المقابل، تعتبر إيران أن تصويرها كطرف مباشر في الحرب هو تبسيط مخل للصراع، وتجاهل لأسباب أعمق تتعلق بتوسع حلف شمال الأطلسي، وبالتوازنات الأمنية في أوروبا الشرقية، كما ترى طهران أن تحميلها مسؤولية تطورات ميدانية في أوكرانيا يخدم أجندة سياسية تهدف إلى ربط ملفات متعددة ببعضها البعض، من أجل ممارسة أقصى درجات الضغط عليها.
وفي الأخير، يبقى الدور الإيراني في الحرب الروسية الأوكرانية عنصرا خلافيا، تتداخل فيه الوقائع العسكرية مع الحسابات السياسية والدعائية، وهو دور يستخدم، من جانب أوكرانيا وحلفائها، لتعزيز خطاب العزلة ضد طهران، ومن جانب إيران، لتأكيد ما تعتبره استهدافا ممنهجا يتجاوز حدود النزاع الأوروبي.

