“دبلوماسية احتواء الأزمات”.. كيف قرأت طهران الاحتجاجات في اتصالاتها الدولية؟

Image

كتب: الترجمان

بينما كانت شوارع طهران ومدن إيرانية أخرى تشهد انحسارا تدريجيا لموجة الاحتجاجات الأخيرة، بدأت “دبلوماسية الهاتف” الإيرانية نشاطا مكثفا قاده وزير الخارجية عباس عراقجي. لم تكن هذه الاتصالات مجرد بروتوكول لإبلاغ الجيران بالهدوء، بل حملت في طياتها ثلاث رسائل استراتيجية تهدف إلى رسم حدود “الخط الأحمر” الإيراني أمام المجتمع الدولي.

تصنيف الأزمة: من “مطلبية” إلى “حرب إرهابية”

في جميع اتصالاته (مع الإمارات، وتركيا، وفرنسا)، حرص عراقجي على التمييز بدقة بين نوعين من الاحتجاجات. المرحلة الأولى وصفها بأنها احتجاجات “سلمية ومشروعة” تتعلق بقضايا معيشية واقتصادية.

أما المرحلة الثانية فقد صنفها كـ “حرب إرهابية” تقودها عناصر مدربة خارجيا، متهما إسرائيل والولايات المتحدة مباشرة بتحويل المسار نحو العنف

تهدف طهران من هذا الفصل إلى سحب البساط من تحت أقدام الانتقادات الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان، عبر تصوير القمع الأمني كضرورة وطنية لمكافحة “الإرهاب المدعوم أجنبياً” وليس كقمع للمتظاهرين السلميين.

رسالة الردع الإقليمي

كان لافتا التركيز في المكالمة مع الشيخ عبد الله بن زايد ، وزير خارجية الإمارات وهتكان فيدان وزير خارجية تركيا على مفهوم “الأمن المشترك”. عراقجي لم يكتفِ بنقل صورة الاستقرار، بل شدد على “عزم الشعب الإيراني على الدفاع عن سيادته”.

تسعى إيران إلى طمأنة جيرانها بأن النظام ممسك بزمام الأمور (State Resilience)، وفي الوقت نفسه تحذر ضمنيا من أن أي استغلال إقليمي لهذه الاضطرابات سيواجه برد حازم، مؤكدة أن استقرار إيران هو ركيزة لاستقرار المنطقة ككل.

مواجهة التدخل الغربي: “فرنسا نموذجا”

في اتصاله مع وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، كان الخطاب الإيراني أكثر حدة تجاه “التصريحات الاستفزازية”. طالب عراقجي باريس بإدانة “التدخلات الأجنبية”، في محاولة لإحداث شرخ في الموقف الغربي الموحد الذي تتصدره واشنطن. 

استخدام ورقة “تدمير البنية التحتية” و”مقتل مدنيين برصاص مجهول من الخلف” في الحديث مع المسؤولين الغربيين يهدف إلى إحراج العواصم الأوروبية قانونيا وأخلاقيا، ودفعها للتراجع عن دعم الضغوط الأمريكية التي يقودها ترامب.

تُمثل سلسلة الاتصالات التي أجراها وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، أكثر من مجرد إحاطات دبلوماسية روتينية؛ فهي تعكس استراتيجية “الهجوم الدبلوماسي المضاد” لنقل الرواية الرسمية الإيرانية إلى مراكز القرار الإقليمي والدولي قبل أن تترسخ رواية الطرف الآخر. 

من الناحية التحليلية، تسعى طهران من خلال هذه اللقاءات الهاتفية إلى تحقيق “الشرعنة الدولية للمقاربة الأمنية”؛ فبتركيزه على “العناصر الإرهابية المدعومة خارجيا” و”تخريب البنية التحتية”، يحاول عراقجي تحويل النقاش من “مطالب شعبية” إلى “تهديد للأمن القومي”، وهو منطق تجد فيه العديد من دول المنطقة (كالإمارات وتركيا) أرضية مشتركة للحفاظ على استقرار النظام الإقليمي.

علاوة على ذلك، فإن هذه التحركات الدبلوماسية تهدف إلى “عزل الموقف الأمريكي”؛ فمن خلال مخاطبة باريس وأنقرة وأبوظبي بلغات دبلوماسية متباينة، تحاول إيران إظهار واشنطن وتل أبيب كأطراف “محرضة ومخربة” لا تسعى للاستقرار، مما قد يعيق أي جهد أمريكي لبناء تحالف دولي جديد للضغط على طهران. 

وفي نهاية المطاف، يبقى الاختبار الحقيقي لهذه الدبلوماسية هو مدى قدرتها على تحويل “الهدوء الميداني” الذي تحدث عنه الوزير إلى “استقرار سياسي” طويل الأمد، وسط بيئة إقليمية ودولية تترقب بحذر مآلات التصعيد بين طهران والبيت الأبيض.