- زاد إيران - المحرر
- 23 Views
كتب: الترجمان
تعكس عناوين الصحف الإيرانية الصادرة اليوم السبت 30 مايو/أيار 2026، مشهدا سياسيا واستراتيجيا بالغ الدقة والكثافة، يتأرجح بين استعراض أوراق القوة الميدانية والصاروخية الحازمة في مياه الخليج وعواصم المنطقة، وبين صياغة الأطر التنفيذية والسيادية لـ “تفاهم محتمل” يلوح في الأفق الدولي لإنهاء الحصار، بالتزامن مع قرارات داخلية مفصلية تهدف إلى التهدئة وترتيب البيت الداخلي.
وعلى الصعيد التحليلي، يبرز انقسام واضح في زوايا المعالجة الصحفية؛ حيث يركز الجناح الأصولي والمحسوب على التيارات السيادية على توثيق لغة الردع ورفض تقديم أي تنازلات مجانية تمس منجزات المقاومة، في حين تسلط الصحف الإصلاحية والمعتدلة والحكومية الضوء على كواليس “التفاهمات الوشيكة”، والتراجع الأمريكي البحري، مع ضبط الإيقاع الاجتماعي والسياسي الداخلي خلف قرار مؤسسات الدولة العليا عبر “الانفراجة الرقمية” المتمثلة في عودة الإنترنت ودعم قطاعات الأعمال.
جناح الردع والسيادة.. ريبة تفاوضية وشروط صارمة لـ “التسوية”
تصدر مانشيت صحيفة “کيهان” الأصولية عنوان استراتيجي حاسم يلخص محددات الموقف الإيراني الراديكالي من كواليس المفاوضات والتعامل مع الغرب، بالتزامن مع خطابات مرشد الثورة للبرلمان الجديد: “لا تحولوا الاختلافات غير الموجهة وحتى الموجهة إلى تنازع وتفرقة”.
وأردفت الصحيفة في تفاصيلها هجوما حادا يطالب بضبط الخلافات السياسية لحماية الجبهة الداخلية، مستعرضة في عناوين فرعية منجزات المواجهة العسكرية عبر الإشادة بالرد القاطع لحزب الله على الهجمات الإسرائيلية، ومؤكدة أن مستنقع لبنان في انتظار الخروج الإسرائيلي الحتمي، وأن أي تراجع أمامي يمثل تفريطاً في المكتسبات.

وفي ذات السياق التعبوي والمحلي، جاء مانشيت صحيفة “رسالت” باللون العريض ليعلن بوضوح: “مهمة إعادة بناء عمارة الأمل”، حيث اعتبرت الصحيفة في افتتاحيتها السياسية أن التوجيهات السيادية الموجهة لنواب الدورة البرلمانية الجديدة تمثل خارطة طريق لفهم متطلبات المجتمع الاقتصادية والنفسية، مشددة على أن أي صيغة تفاهم مقترحة لإنهاء الأزمات يجب ألا تمس بالثوابت الوطنية، ومحذرة النواب من الانجرار خلف المعارك الهامشية التي تضعف موقف البلاد التفاوضي.

من جانبها، قدمت صحيفة “جام جم” (التابعة لمؤسسة الإذاعة والتلفزيون) قراءة ميدانية وعسكرية شديدة الحزم عبر خط أحمر عريض يغطي صفحتها الأولى، معلنة بوضوح: “أمريكا لن يكون لها نقطة آمنة في المنطقة”. ونقلت الصحيفة التحذيرات الصارمة لرئيس البرلمان محمد باقر قاليباف للأمريكيين والتي أكد فيها أن طهران تأخذ الامتيازات بالصواريخ لا بالحديث والحوار، مشيرة إلى أن الدروع الدفاعية لن تحمي القواعد الأمريكية، ومحتفية في الوقت ذاته ببدء “عصر الممرات الإيرانية” كبديل استراتيجي واعد لعائدات النفط.

أما صحيفة “خراسان”، فقد اتخذت مسارا تحليليا يوازن بين تعزيز الأطر الدفاعية والوحدة الوطنية، مصدرة صفحتها بمانشيت يناقش عقيدة الأمن الداخلي: “عقيدة الأمن الداخلي: التحذير من الوقوع في فخ التنازع”. وأكدت الصحيفة أن التلاحم بين القوى السياسية هو الصخرة التي تتحطم عليها الضغوط الخارجية، مطالبة النواب بالامتثال الفوري لتوجيهات المرشد لمنع التفرقة، ولتفويت الفرصة على المتربصين بالبلاد في هذه المرحلة الدبلوماسية الحساسة.

وعلى صعيد رصد التوجهات السياسية العامة، ركزت صحيفة “إيران” الحكومية وصحيفتا “اطلاعات” و”خبر جنوب” على الموازنة بين الحشد الشعبي والتوجيهات البنيوية؛ حيث أبرزت الصحف الحضور الجماهيري المهيب في مرقد عبد العظيم الحسني لتأبين ضحايا الحادث الأمني الأخير تحت عنوان إنساني مؤثر في صحيفة إيران: “بأي ذنب قُتلوا؟”، بالتزامن مع نقل “اطلاعات” و”خبر جنوب” تأكيدات المرشد بضرورة وضع آفاق واضحة للمستقبل، وتوجيه الجهود البرلمانية فوراً لفك العقد المعيشية للمواطنين وكبح جماح التضخم والغلاء.

الصحافة الإصلاحية والمعتدلة.. “هندسة التوافق” والانفراجة الرقمية
على الجانب الآخر، ركزت الصحف المعتدلة والإصلاحية على المسارات القانونية والدبلوماسية لتسييل انتصارات الميدان وتحويلها إلى مكتسبات واقعية؛ حيث أفردت صحيفة “شرق” الإصلاحية العريقة صفحتها الأولى لمانشيت يتسم بالبراغماتية والتفاؤل: “انكسار الحصار البحري لإيران”. وأشارت الصحيفة إلى وجود إشارات إيجابية متبادلة في كواليس التحركات البحرية والدبلوماسية أدت إلى خفض التصعيد المائي في منطقة الخليج، مبرزة في الوقت ذاته ملفات إقليمية وإنسانية أخرى من بينها رصد الأوضاع في قطاع غزة وتحليل سياسات التطهير العرقي لنتنياهو.

وفي ذات السياق، جاء مانشيت صحيفة “مردم سالاري” ليعكس الرؤية التفاوضية المتقدمة لإنهاء الضغوط الدولية على الأسواق المحلية، معلنة بالخط العريض: “إلغاء الحصار البحري.. توافق حول التعهد المتبادل بين طهران وواشنطن”. وأبرزت الصحيفة نجاح القنوات الخلفية في التوصل لتفاهمات متبادلة، مستعرضة في محورها الاجتماعي الأثر البالغ للأزمات الاقتصادية على قطاع الشباب تحت عنوان: “عندما يتحول (قرض الزواج) إلى عقدة وطنية.. الزواج في مضيق الاقتصاد”، ومطالبة الحكومة بتسييل مكاسب التوافق لحل هذه الأزمات الأسرية.

أما صحيفة “اعتماد” الإصلاحية، فقد ركزت على البعد الهيكلي لانعكاسات إنهاء التوترات على الجبهة الداخلية، مصدرة صفحتها بمانشيت يناقش رفع الحصار البحري وبدء مرحلة جديدة من التوازنات الدولية. ونقلت الصحيفة تفاصيل التحليلات السياسية الراهنة تحت عنوان يستعرض “المعادلة الثالثة في حكم الجمهورية”، معتبرة أن الانفتاح الدبلوماسي الخارجي يجب أن يتوازى مع مرونة داخلية تعزز ثقة الحاضنة الشعبية بمؤسسات الدولة.

وهو ما ركزت عليه أيضا صحيفة “آرمان ملي” عبر مانشيت رئيسي يترقب مآلات الحراك السياسي الجاري: “في انتظار عودة الاستقرار إلى المنطقة”. وحذرت الصحيفة القوى الداخلية من الانسياق وراء وضع العراقيل أمام المساعي الدبلوماسية، لافتة إلى أن الإدارة الأمريكية باتت مجبرة على التوافق مع طهران، ومنتقدة في ملفها الاقتصادي الفجوة الكبيرة في الأسواق المحلية تحت عنوان: “أسعار السيارات ليست واقعية”، مما يتطلب معالجات حكومية سريعة.

وفي سياق الترقب ذاته، جاء عنوان صحيفة “جمهوري إسلامي” المعتدلة ليرصد التطورات من زاوية دولية: “التوافق الإيراني الأمريكي.. من التكهنات إلى التوترات المتفرقة”. واستعرضت الصحيفة التقارير الإعلامية والكواليس المحيطة بطبيعة المفاوضات ومستويات التقدم والتعثر فيها، مبرزة في الوقت نفسه التوجيهات القيادية الصادرة للبرلمان كعنصر أساسي لتوحيد الرؤية السياسية للدولة في مواجهة الاستحقاقات القادمة.

الجبهة الاقتصادية.. إنعاش الأسواق وطفرة “دنياي اقتصاد”
واكبت الصحف الاقتصادية الأثر المباشر لتراجع احتمالات المواجهة الشاملة وإنهاء الحصار البحري على حياة المواطنين وبنية الأعمال؛ حيث أفردت صحيفة “دنياي اقتصاد” المرموقة عنوانا ماليا وتقنيا بارزا في مقدمة صفحتها الأولى: “تباعد مصرف الحكومة والعائلة”. وأشارت الصحيفة عبر دراسة مقارنة بالأرقام إلى تراجع القدرة الشرائية للأسر أمام نفقات الحكومة، محذرة في الوقت ذاته من أزمة اهتراء التجهيزات الطبية بالمستشفيات، ومحتفية بالقرار الاستراتيجي لعودة شبكة الإنترنت إلى الشرايين الاقتصادية كخطوة حيوية لإنعاش قطاع الأعمال الرقمي والشركات الناشئة.

بينما اتخذت صحيفة “عصر اقتصاد” مسارا يدمج بين التحذير المعيشي الحاد والانفراج التجاري، مصدرة صفحتها بمانشيت اقتصادي عريض يحذر من التضخم الغذائي: “غلاء الحليب.. ناقوس خطر سوء التغذية يدق”. وناقشت الصحيفة الارتفاع غير المسبوق في أسعار الألبان والمنتجات الأساسية وتأثيره على الصحة العامة للمواطنين، لافتة في الوقت ذاته إلى أزمة سيولة تجارية تحت عنوان “العودة العاجلة للچيكات المرتجعة”، ومواكبة في المقابل الآثار الإيجابية لفتح شبكات الاتصال وتطوير الانترنت لدعم الأسواق التجارية.

أما صحيفة “جهان اقتصاد”، فقد ركزت على البعد الهيكلي لأزمة العقارات واستغلال الثروات القومية، معلنة بوضوح في مانشيتها الرئيسي: “سوق إيجار المساكن بات مرعباً!”. واستعرضت الصحيفة عجز المواطنين عن تلبية شروط الإيجار والرهن القاسية في المدن الكبرى، متقاطعة مع ما نشرته صحيفة “إيران” حول رفع سقف القروض السكنية الوطنية إلى 8.5 مليار ريال، ومبرزة في الوقت ذاته الأهمية الجيوسياسية لطهران في تقرير استراتيجي يوضح تحول إيران إلى ممر للموارد النادرة تحت عنوان: “الليثيوم، الكوبالت، والنحاس.. محركات الاقتصاد الرقمي وتهديد المصادر الطبيعية”.

خلاصة المشهد الصحفي
توضح هذه الجولة الشاملة والعميقة في الصحافة الإيرانية الصادرة اليوم أن طهران صاغت معادلة إعلامية وسياسية مزدوجة ومتكاملة لإدارة مرحلة التوازنات الجديدة وفرض شروطها.
الجناح السيادي والأصولي (كيهان، وجام جم، ورسالت، وخراسان، واطلاعات، وجوان، وإيران، وخبر جنوب): يتولى تصدير لغة القوة والقبضة الحديدية مستندا إلى منجزات الميدان وثبات معادلة الردع، واضعا شروطا صارمة ومبديا ريبة بالغة تجاه النوايا الأمريكية، ومستخدما أدوات الردع الصاروخي والتهديد المباشر للقواعد الأمريكية، بهدف رفع سقف التفاوض الإيراني وإجبار واشنطن على إنهاء القيود بالكامل، مع التركيز داخليا على ضبط إيقاع البرلمان الجديد خلف تلاحم سيادي يمنع التفرقة.
الجناح الحكومي والمعتدل والإصلاحي والاقتصادي (شرق، ومردم سالاري، واعتماد، وآرمان ملي، وجمهوري إسلامي، ودنياي اقتصاد، وعصر اقتصاد، وجهان اقتصاد): يتحرك بمرونة وبراغماتية عالية لتسييل هذه القوة الميدانية وتحويلها إلى مكاسب ملموسة، محتفيا بمانشيتات كسر وإلغاء الحصار البحري والتوافق المتبادل، ومستهدفاً تمتين الجبهة الداخلية عبر “الانفراجة الرقمية” المتمثلة في عودة الإنترنت للشرايين الاقتصادية، مع رصد ناقد ولاذع للمثلث المعيشي الحرج (تضخم الحليب وسوء التغذية، سوق الإيجارات المرعب، وأزمة قروض الزواج للشباب) باعتبارها الأزمات الحقيقية التي تتطلب معالجات هيكلية عاجلة وعوائد مالية سريعة.
بناءً على هذه القراءة التحليلية المعمّقة، يمكن القول إن الصحافة الإيرانية بمختلف أطيافها تعكس حالة من “توزيع الأدوار” المدروس لمواجهة مرحلة بالغة الحرج؛ فبينما يتولى التيار الأصولي والسيادي تحصين الجبهة الخارجية بلغة صارمة ترتكز على هيبة الردع العسكري والصاروخي لرفع السقوف التفاوضية، يتحرك التيار الإصلاحي والمعتدل لتهيئة الأرضية الداخلية والتقاط الأنفاس عبر استثمار “الانفراجة الرقمية” والتوافقات الوشيكة، في محاولة حثيثة لتفكيك “المثلث المعيشي الحرج” (الغلاء، والسكن، وأزمات الشباب) الذي بات يهدد الاستقرار المجتمعي، مما يظهر طهران في النهاية وهي تحاول صياغة مشهد متوازن يدمج بين صلابة الميدان في الخارج ومرونة الاحتواء المعيشي والسياسي في الداخل.

