- زاد إيران - المحرر
- 673 Views
ترجمة: سارة شعبان المزين
أجرت صحيفة «شرق» الإصلاحية، الأحد 13 يوليو/تموز 2025، حوارا مع السياسي والإعلامي الإيراني محسن هاشمي رفسنجاني، حول التحولات التي تواجه إيران في مرحلة ما بعد الحرب الأخيرة، وما تفرضه من ضرورات داخلية وإقليمية لإعادة التفكير في منهج الحكم، وأولويات الدولة، وموقعها في العالم.
وفيما يلي نص الحوار:
هل يمكن الشروع في تغيير النموذج السياسي والاقتصادي بعد الحرب دون تشخيص دقيق لما جرى، أم أن الأفضل الجمع بين الفهم العميق للأحداث والسعي نحو التغيير في آن واحد؟
قبل الدخول في صلب الموضوع، أودّ من خلال صحيفة شرق أن أعبّر عن رفضي القاطع للعدوان الوحشي الذي تعرّضت له بلادنا من قِبل الإحتلال الإسرائيلي. كما لا بد من توجيه الشكر للشعب الإيراني الذي أبدى خلال هذه الحرب المفروضة قدرا كبيرا من الشجاعة والصمود، وأتقدم بخالص التعازي إلى عائلات جميع الشهداء الذين سقطوا جراء هذا العدوان.
أما بشأن سؤالكم، فإن مسألة “التحوّل الجذري” تحتفظ بأهميتها وأولوياتها بلا شك، و سأتناولها في الوقت المناسب. لكن برأيي، فإن الأولوية الأكثر إلحاحا بعد هذه الحرب التي استمرت 12 يوما تتعلق بثلاث ساحات تهديد رئيسية، يجب التعامل معها بجدية إلى جانب مسار التحوّل.
وما أبرز هذه التهديدات أو الملفات التي تشيرون إليها؟
أولا، احتمال تفعيل آلية الزناد (Trigger Mechanism)؛ ثانيا، الحاجة إلى إحياء وتعزيز القدرات الدفاعية للبلاد؛ وثالثا، ضرورة مواجهة مشروع الاختراق الأمني بجدّية.
فيما يتعلق بالنقطة الأولى، أرى أن خطر تفعيل آلية الزناد وعودة القرارات الأممية ضد إيران لا يزال قائما، في ظل طبيعة العلاقات الدبلوماسية الراهنة بين طهران والغرب. وإذا ما تم إحياء هذه الآلية وفرض العقوبات من جديد، سيشكل ذلك تحديا كبيرا للبلاد، ويجب التفكير الجاد فيه منذ الآن.
أما بالنسبة للملف الثاني، فأعتبر أن تعزيز القدرات الدفاعية بات حاجة تفوق في أهميتها الخبز اليومي للشعب. فقد كشفت الحرب المفروضة الأخيرة التي استمرت 12 يوما عن مكامن ضعف واضحة في منظومات التسليح الروسية التي نستخدمها. بل إن بعض الأنظمة الدفاعية المحلية، المستوحاة من هذه التقنيات، مثل منظومات “باور 373″، و”خرداد 3″، و”خرداد 15″، لم تتمكن من التصدي بالشكل المطلوب لعدوان الاحتلال الإسرائيلي.
لذا، ومع استمرار حالة الغموض وعدم الاستقرار، لا بد من التحرك العاجل نحو تطوير وتحسين المنظومة الدفاعية، ومعالجة الثغرات التي ظهرت خلال المواجهة الأخيرة، تحسّبا لأي عدوان محتمل. ضعف هذه المنظومة يعني أن قواتنا الجوية والبرية والبحرية ستجد نفسها في موقع العجز في أية مواجهة قادمة.
أما النقطة الثالثة فتتعلّق بمشروع الاختراق. فلطالما نُسب هذا التهديد في العقود الماضية إلى التيار الإصلاحي وبعض وسائل الإعلام، لكن ما تكشّف في هذه الحرب هو أن الاختراق يجري عبر أفراد وجهات أخرى، وبأساليب غير سياسية أو إعلامية، بل بطرق مختلفة تماما.
ولهذا، فإن مواجهة هذا المشروع بصرامة يجب أن تكون جزءا أساسيًّا من أولويات المرحلة المقبلة، لتعزيز قدرة الدولة على الاستجابة للتحديات.
في ضوء تراجع دعم موسكو وبكين خلال الحرب الأخيرة، وتعثر صفقات التسليح السابقة مع روسيا، هل ترون أن على إيران اليوم تأمين قدراتها الدفاعية من أي طرف وبأي وسيلة ممكنة، كما فعلت خلال الحرب العراقية الإيرانية؟
انظروا، نحن نمتلك المعرفة والقدرات المحلية لصناعة الأسلحة، ويجب أن نتابع هذا المسار بمزيد من الجدية والالتزام. لدينا التكنولوجيا المطلوبة، لكن ينبغي علينا أن نُعمّقها أكثر.
إضافة إلى ذلك، فإن المسألة لا تقتصر فقط على تأمين السلاح من عدد محدود من الدول. يمكننا تنويع مصادر شراء الأسلحة والمعدات العسكرية، وسنرحّب بأي دولة تكون مستعدة لتزويدنا بهذه الأسلحة.
هل يكفي اشتراك الحربين بوصف “المفروضة” عقد مقارنة بينهما في تاريخ إيران؟
نعم، يمكن إجراء مثل هذه المقارنة.
ما أبرز أوجه الشبه والاختلاف بين حرب السنوات الثماني والحرب الأخيرة التي استمرت 12 يوما؟
أهم أوجه الشبه بين الحربين أن كليهما فُرض على إيران؛ سواء في عام 1980 أو في يونيو/حزيران 2025، لم تكن إيران هي البادئة بالحرب أو الطرف المعتدي. إذا، أول نقطة مشتركة بينهما هي طابع “الحرب المفروضة”.
أما أوجه الشبه الأخرى، فهي أن إيران في كلتا الحربين أظهرت قوة وصلابة في الرد على المعتدي. ففي عام 1980، تمكّنت إيران خلال أول عامين من الحرب المفروضة من استعادة معظم الأراضي التي احتلها نظام البعث العراقي، ومن هنا تحوّلت تلك الحرب إلى ما بات يُعرف بـ”الدفاع المقدس”. ففي ثمانينات القرن الماضي، كان يُشار إلى تلك الحرب إما باسم “الحرب المفروضة” أو “الدفاع المقدس”.
وعليه، لو استمرت هذه الحرب الأخيرة لأيام أو أسابيع أخرى، لربما تحوّلت هي الأخرى إلى “دفاع مقدّس جديد”. بل أقول إنه إذا واصل الإحتلال الإسرائيلي أو أيّ من أعداء إيران اعتداءاتهم، فإن الرد الإيراني سيكون حتما في إطار دفاع مقدّس ثان، سيترك آثارا عميقة ودائمة في الساحتين السياسية والاجتماعية.
هل يمكن تحقيق تحوّل جذري في السياسة الداخلية والخارجية والاقتصاد اليوم كما حدث بعد حرب إيران والعراق، رغم اختلاف الظروف؟ وهل يكون هذا التحوّل مرتبطا بشخص أم هو مسار جماعي؟
النقطة المهمة التي يجب التوقف عندها، هي أن المقارنة بين التحوّلات التي أعقبت الحرب المفروضة التي استمرت ثماني سنوات، وبين الحديث الراهن عن “التحوّل الجذري” بعد الحرب التي استمرت 12 يوما، ليست دقيقة تماما.
فالظروف والسياقات مختلفة كليا. فإحدى الأسباب الرئيسية التي دفعت بالاحتلال الإسرائيلي، ولاحقا الولايات المتحدة، إلى الاعتداء على إيران، ما أدى إلى اندلاع هذه الحرب المفروضة، ترتبط ارتباطا مباشرا بالملف النووي الإيراني، الذي تحوّل منذ أوائل العقد الأول من القرن الحالي إلى قضية دبلوماسية معقّدة، وانتهى إلى فرض سلسلة من العقوبات، والضغوط المتواصلة، وحرب اقتصادية شاملة ضد إيران.
وكان من نتائج ذلك، تفاقم الاختلالات العميقة في مختلف القطاعات، ما ألقى بأعباء ثقيلة على كاهل الشعب والبلاد.
لذلك، فإن هذه الحرب التي استمرت 12 يوما لم تنشأ من فراغ، بل جاءت على خلفية تراكمات سابقة. ومن هنا، فإن ما يقصده الاقتصاديون، وعلماء الاجتماع، والسياسيون، حين يتحدثون عن “التحوّل الجذري”، هو ضرورة مراجعة هذا المسار الطويل الذي قاد البلاد إلى الأزمة، والتخلّف، وغياب التنمية، فضلا عن انسداد الأفق أمام مستقبل واضح.
وبالتالي، فإن الحاجة إلى تحوّل جذري تعني ضرورة انتقال البلاد إلى مسار جديد يقودها نحو التنمية والتقدم الحقيقيين، بعيدا عن المسارات التي تسببت في الوضع الراهن.
ما الخلفية التي أوصلتنا إلى هذا الوضع في مجالَي السياسة الداخلية والخارجية؟
في السياسة الداخلية، يمكن القول بوضوح إنه منذ انتهاء الدورة السادسة للبرلمان، بدأت مسارات معينة في التشكل داخل البلاد، عُرفت لاحقا بمسمّى “التنقية”، والتي أدّت – للأسف – إلى إقصاء عدد كبير من الكوادر الخبيرة والمخلصة، أولئك الذين كانوا يحملون هموم الشعب والوطن، ويملكون الكفاءة والمعرفة.
وقد أدى استمرار هذا النهج على مدى السنوات والعقود الماضية إلى أن تحلّ محلّ هذه الكوادر المجربة عناصر أقل خبرة، وربما أقل حماسة، ما أسفر تدريجيا عن نشوء تحديات ومشكلات داخل مختلف المؤسسات والهيئات.
وانطلاقا من هذه الخلفية، بات من الضروري – بعد حرب الأيام الـ12 – الدفع نحو “تحوّل جذري” في السياسة الداخلية، من خلال إفساح المجال أمام مناخ سياسي متنوع ومنفتح، يمكّن هذه الكفاءات الوطنية من العودة والمشاركة الفاعلة في العمل السياسي الداخلي، وفي إحياء الحياة الاجتماعية.
ولا سيّما أن هذه الشخصيات تحظى بثقة الشعب، وتملك سجلا عمليا يؤكّد قدرتها على التعامل مع الأزمات والتحديات التي تمرّ بها البلاد حاليا. وهنا بالتحديد، يمكن لهذا التحوّل في المسار السياسي الداخلي أن يمنح السياسة الخارجية أيضًا زخمًا جديدا.
أما في السياسة الخارجية، فقد أدت بعض المقاربات والرؤى خلال العقود الماضية إلى حرمان إيران من انتهاج سياسة خارجية متوازنة ومتعدّدة العلاقات. ولهذا السبب، أكرّر التأكيد بأن الحرب التي استمرت 12 يوما تختلف كليا عن مسألة “التحوّل الجذري”، ولا ينبغي الخلط بين المسألتين أو تحليلهما كقضية واحدة.
لماذا لديكم هذا التصوّر؟
لأننا – كما أشرتم بدقة في السؤال الأول – نواجه في الوقت الراهن حالة من عدم اليقين وغياب الاستقرار. لا بد أولا من أن ينقشع غبار الحرب التي استمرت اثني عشر يوما، وأن تتضح الصورة وتتّسم الأوضاع بشيء من التثبيت والوضوح.
وكما قلتم، لم يمضِ سوى 18 يوما على إعلان وقف إطلاق النار؛ وقفٍ لا يمكن وصفه بوقف فعلي للحرب، بل هو أقرب إلى “هدنة عدائية” أو “تعليق للقتال”.
لذلك، لا يمكن الجزم بأي شيء في هذه المرحلة. ومن ثم، ينبغي أن تكون الأولوية لتحليل نقدي وتشخيص الوضع ما بعد الحرب، وذلك من خلال دراسة دقيقة لمختلف أبعاد وتداعيات هذه الحرب القصيرة.
وما المواضيع التي تقصدونها تحديدا؟
على سبيل المثال، كيف اختلّ التوازن بين مفهومي المثالية والواقعية، وهما المفهومان اللذان كانا يسيران في السابق كجناحين متوازيين. ففي بعض المراحل، طغت المثالية على الواقعية، الأمر الذي أفضى إلى مشكلات وتحديات أثّرت على البلاد.
لكن ألم تُسهم المثالية خلال الحرب الأخيرة في توفير القوة اللازمة للرد على العدو الإسرائيلي؟
نعم، فقد شكّلت المثالية أحد العوامل التي عزّزت من إرادة الصمود والمواجهة، وتمكنت القوات المسلحة، من الجيش والحرس الثوري، من تنفيذ ردٍّ قوي وسريع خلال أقل من 24 ساعة، عبر إطلاق صواريخ باتجاه الأراضي المحتلة.
لكن في الوقت نفسه، أظهرت هذه الحرب بشكل واضح الفجوة الواسعة بين إيران والعدو في مجالات التسليح، التجهيزات، والتكنولوجيا العسكرية؛ فجوة تعود إلى عقود من الإهمال، وفاقمتها العقوبات القاسية التي حالت دون الوصول إلى المعرفة التقنية وتطوير القدرات الدفاعية.
وقد أثّرت هذه العقوبات حتى على مسار الاكتفاء الذاتي والتقدم في الصناعات الدفاعية المحلية، وهو ما جعل إيران تتأخر مقارنة بالدول الأخرى، وخصوصا الإحتلال الإسرائيلي الذي استغل تفوقه التقني لتوجيه ضربات مؤثرة.
من هنا، تبرز ضرورة إعادة تقييم الوضع الدفاعي للبلاد، وتعزيز القدرات العسكرية، لاسيما في مجال الدفاع الجوي، لأن استمرار هذا الضعف يشكّل مصدر تهديد استراتيجي. كما تدعونا هذه التجربة إلى مراجعة مفهوم المصلحة الوطنية وموقع إيران الإقليمي، من زاوية أكثر واقعية و برؤية تستشرف المستقبل
ماذا تقصدون بذلك؟
للأسف، قبل هذه الحرب المفروضة، كنا نتصور أن التهديد يقع على بُعد آلاف الكيلومترات من حدودنا، في حين أن مكمن ضعفنا الحقيقي كان داخل البلاد.
وقد أثبتت التجربة أن التركيز المفرط على الإقليمية، إلى جانب غياب التوازن بين المثالية والواقعية، وانتهاج صراع أيديولوجي مع المجتمع الدولي، لم يؤدِّ فقط إلى تكاليف باهظة كالحرب العدوانية التي شنّها الاحتلال الإسرائيلي، بل جعلنا أيضا نغفل عن الأولويات والضرورات الداخلية.
وعليه، لا أرى أي تعارض بين المثالية والواقعية، بل يمكننا الحفاظ على قدرٍ من المثالية كقيمة معنوية. لكن إذا أردنا تحقيق التنمية، والتقدم، وازدهار البلاد، فلا بد من تبنّي رؤية جديدة، واقعية وعقلانية، تنطلق من المصالح الوطنية وتضعها في صميم السياسات العامة.
كيف يمكن، بمنطق عقلاني وتحت مظلة تغيير النموذج الحاكم، إعادة تعريف المواجهة مع العدو الإسرائيلي والولايات المتحدة؟ وهل ينبغي، كما يرى البعض، التخفيف من حدة هذا الشعار؟
في الواقع، يمكن إعادة تعريف المواجهة مع الاحتلال الإسرائيلي في إطار عقلانية وذكاء ومرونة سياسية-دبلوماسية تستند إلى المصلحة الوطنية.
ومن وجهة نظري، فإن هذا النوع من المواجهة العقلانية أكثر فاعلية بكثير من النهج المثالي، ويؤدي إلى نتائج أفضل من الخيار العسكري في مواجهة الإسرائيليين والمعتدين، شريطة أن نتصرف بذكاء وبصورة مدروسة.
ومن هنا، أرى أن تبنّي هذه الرؤية المتجددة أصبح ضرورة ملحّة في المرحلة الراهنة؛ إذ من خلالها يمكن تحويل التهديدات القائمة إلى فرص جديدة، ما من شأنه أن يضيّق بشكل كبير هامش المناورة أمام العدو الإسرائيلي. لكنّ الخطوة الأولى في هذا المسار تقتضي منا إعادة التعرف على حدودنا الحقيقية، وإعادة رسمها وفق معايير واقعية.
ما معنى ذلك؟
معناه أننا بحاجة إلى تحديد حدودنا في المنطقة بوضوح، والوقوف عندها بحزم وثبات. وفي الوقت نفسه، ينبغي أن نتحرك بطريقة لا تُظهر ضعفا ولا تجعلنا عرضة للانكشاف أو التهديد.
وهذه مهمة بالغة الدقة وتتطلب قدرا عاليا من الذكاء السياسي، إذ يجب أن نتمكن من السير على هذا الخط الفاصل بدقة، بحيث نُحسن تعريف حدودنا من جهة، ومن جهة أخرى لا نظهر أي مؤشر على التراجع أو الضعف.
هل ترى أن تكرار اعتداءات الاحتلال الإسرائيلي على إيران وارد، ويستدعي استعدادا جديا؟
في نهاية المطاف، نحن أمام كيان معتد لا يتوانى عن السعي لإشعال الحروب وزعزعة الأمن في المنطقة.
وهنا، أرى أن الدبلوماسية الذكية، القائمة على العقلانية والمصالح الوطنية، يمكنها أن تلعب دورا حاسما في كبح جماح أي شرور محتملة قد يُقدم عليها الاحتلال الإسرائيلي.
وماذا لو فشلت الدبلوماسية الذكية، وواصل العدو اعتداءاته؟
إذا لم تُثمر الدبلوماسية الذكية في كبح الاعتداءات، فإن المسألة تتحول إلى دفاع عن الوطن، وهو ما قد يؤدي إلى نشوء “دفاع مقدس ثان” يشارك فيه جميع أفراد الشعب. لكن قبل الوصول إلى هذا السيناريو، لا بد من استخدام ركيزتين بفعالية:
أولا، تفعيل دبلوماسية إقليمية ودولية مرنة وعقلانية ترتكز على المصالح الوطنية والأمن القومي.
ثانيا، معالجة خلل “المرجعية الإعلامية” الذي برز خلال الحرب الأخيرة، حيث لجأ كثير من المواطنين إلى الإعلام المعادي بسبب ضعف أداء الإعلام الرسمي. هذا القصور أدى إلى تصاعد التشويش، القلق، والانقسام داخل المجتمع.
لذا، لا بد من إصلاح شامل للإعلام الوطني، وتأسيس شبكة مهنية موثوقة قادرة على كسب ثقة الجمهور، والتصدي للحرب الإعلامية التي تخوضها المنصات المعادية بهدف زعزعة استقرار البلاد من الداخل.
كيف يمكن فهم وضع المجتمع الإيراني بعد الحرب؟ هل طغت المشاعر على العقل وأضعفت التفكير النقدي، أم أنها عززت الوحدة وخلقت فرصة لتغيير المسار؟
برأيي لا يوجد تناقضا، بل تكاملا بين الاندفاع العاطفي الشعبي ووعي المجتمع الإيراني. فرغم طغيان الشعارات، تصرف الناس بذكاء و أفشلوا كثيرا من أهداف العدو، ما يؤكد أن العاطفة لم تلغِ العقل، بل عززته في لحظة مواجهة وطنية.
لكن لتثبيت هذا التماسك وتحويله إلى رصيد دائم، يجب أن يعود الشعب إلى صلب القرار السياسي، لا أن يُستدعى فقط في الأزمات ثم يُستبعد لاحقا.
وأحد أهم دروس الحرب الأخيرة هو ضرورة اتخاذ قرارات سريعة لإحياء الثقة بين الدولة والمجتمع. فالتأخير أو ربط القرارات بمواعيد سياسية مثل الانتخابات يُضعف روح الوحدة ويُشعر الناس بأنهم مجرد أدوات ظرفية. المطلوب الآن هو بناء علاقة دائمة وجادة بين الشعب ومراكز القرار لضمان استدامة التلاحم الوطني.
كيف لا ترون تناقضا في قولكم إن التحوّل الجذري ليس أولوية فورية، في حين تدعون في الوقت نفسه إلى اتخاذ قرارات عاجلة لإعادة البناء والنهوض بعد الحرب؟
لا أرى في حديثي تناقضا، لأننا لا نتحدث عن خطوات متعارضة بل عن مسارات متزامنة. فالتحول الجذري هو تحوّل جذري طويل المدى، يتطلب تحليلا عميقا وتثبيتا للوضع بعد الحرب، ولا يمكن أن يُفرض بشكل فوري أو ارتجالي.
في المقابل، هناك لحظة وطنية نادرة تشكّلت بعد الحرب، تمثلت في تلاحم شعبي واسع، وهذه اللحظة لا تحتمل التأجيل. لذلك، من الضروري اتخاذ قرارات عاجلة لتعزيز الثقة الشعبية، وترجمة هذا الالتفاف الوطني إلى خطوات ملموسة. التأخير يُفقدنا الزخم الشعبي، بينما يمكن للتحرك السريع، ضمن رؤية عقلانية، أن يشكّل القاعدة الصلبة لمسار التغيير الأكبر.
لكن وسط تحليلكم، بقيت نقطة مغفَلة، وهي أن بعض التيارات والأشخاص خلال الحرب وبعدها، حاولوا الدفع نحو الاستقطاب والانقسام، وطرحوا مطالبات مثل التشكيك في أهلية رئيس الجمهورية، وما إلى ذلك، مما أدى إلى…
في الواقع، في خضمّ الحرب وبعدها، حيث ما زلنا نعيش في حالة من عدم الاستقرار والغموض والتردد، فإن أيّ موقف يُتّخذ في هذا السياق يُعدّ خيانة للوطن. لا يمكن في ظلّ الحرب، وتحت أيّ مبرر أو ذريعة، إضعاف الموقع الثاني في البلاد، أي الحكومة والسلطة التنفيذية.
وفي معرض إجابتي عن السؤال الأول حول ضرورة التصدي لمشروع الاختراق، أشرت إلى ضرورة الانتباه الجاد لهذا الأمر؛ إذ لا يمكن تجاهل الوضع الحساس والهش الذي تمرّ به البلاد بعد الحرب، والسعي وراء مطالبات متفرقة تحت عناوين مختلفة تؤدي في نهاية المطاف إلى إضعاف البلاد.
هذا بالضبط هو مشروع الاختراق، الذي أوجد الأرضية لطرح مثل هذه المطالبات. وإلا، فكيف يمكن لشخص أن يتجرأ في خضمّ الحرب ويطرح مسألة عدم كفاءة رئيس الجمهورية أو يوجّه انتقادات وهجمات إلى الحكومة؟!
في مثل هذا الظرف، يجب أن تكون هناك دعم كامل وقوي للحكومة كي تُدار الأمور بشكل صحيح. وفي الوقت نفسه، لا بد من تقديم دعم جاد للجهاز الدبلوماسي، لا أن نتصرّف بطريقة تؤدي إلى إضعاف وزير الخارجية. فإذا كان هناك قرار بشأن التفاوض مجددا أو اتخاذ أي إجراء آخر، فإنه يُتخذ من قِبل الجهات العليا.
لذلك، لا يجوز مهاجمة رئيس الجمهورية أو وزير الخارجية في هذه المرحلة. وأعتقد أن مثل هذه المطالب تُدرَج ضمن إطار مشروع الاختراق ذاته.
ما الدرس الذي يمكن استخلاصه من تجربة وقف إطلاق النار في الحرب العراقية الإيرانية، والذي يمكن أن يُفيد في رسم ملامح المرحلة التي تلي الحرب بين إيران وإسرائيل؟
لا أرى أن تجربة وقف إطلاق النار بعد الحرب الثماني سنوات تنطبق مباشرة على واقع ما بعد الحرب الـ12 يوما، لأن لكل منهما سياق مختلف. الحرب الأخيرة ترتبط أساسا بالملف النووي الإيراني والأزمة الدبلوماسية التي بدأت منذ 2007، وتفاقمت بعد انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي وفرض العقوبات، ما مهد للعدوان الإسرائيلي.
نحن الآن في وضع هشّ، حيث لا يمكن اعتبار ما جرى وقفا دائما لإطلاق النار، بل مجرد تهدئة مؤقتة وغير مستقرة. لذلك، وكما كان يؤكد آية الله هاشمي رفسنجاني، علينا أن نكون مستعدين في الوقت نفسه لإدارة إحتمالات الحرب والسلام معا. أي أن نتحلى بالجاهزية الكاملة لأي تطور، ونعمل بحكمة على إنهاء هذا الصراع، لأن استمرار الحرب لن يحقق أي مصلحة للبلاد، بل سيزيد من أعبائها وتحدياتها.

