الزراعة العابرة للحدود.. فرصة لإيران لمواجهة أزمة المياه وضمان الأمن الغذائي

ترجمة دنيا ياسر نورالدين 

نشرت صحيفة رسالت الإيرانية الأصولية تقريرا تناولت فيه أزمة تدهور الزراعة في إيران بسبب سوء إدارة الموارد المائية، وطرحت فيه الزراعة العابرة للحدود كخيار استراتيجي لضمان الأمن الغذائي.

90٪ من الزراعة الإيرانية تعتمد على الري

ذكرت الصحيفة أنّ الأراضي الزراعية في إيران فقدت خصوبتها تدريجيا خلال السنوات الأخيرة، حتى باتت المحاصيل لا تنمو بسهولة، وفي بعض المناطق أصبح العمل الزراعي والبستنة أمرا شبه مستحيل، وأشارت الصحيفة إلى أنّ المزارعين عندما يُسألون عن سبب هذا التدهور، يعزون ذلك في الغالب إلى شحّ المياه والجفاف.

وتابعت أنّ الخبراء وإن كانوا يتفقون جزئيا مع هذا الرأي، إلا أنهم لا يرونه تفسيرا كاملا للمشكلة، إذ يؤكدون أنه لو جرى تقييم شامل للأراضي الزراعية في مختلف أنحاء البلاد، بحيث تُخصّص كل منطقة للزراعة الملائمة لظروفها المناخية والتربة والمياه والقوى البشرية المتاحة، لما واجهت إيران أزمة تراجع خصوبة التربة بهذا الحجم، ولما تفاقمت مشكلة شحّ المياه إلى هذا الحد.

أردفت الصحيفة أنّ الباحثين في مجال البيئة يرون أنّ النمط الزراعي السائد في إيران لا يتناسب مع الشروط الإيكولوجية للبلاد، ما جعله يتحول إلى معضلة أساسية، إذ إنّ أكثر من 90% من الإنتاج الزراعي الإيراني يعتمد على الزراعة المروية، في حين أنّ المعدل العالمي لا يتجاوز 20%، ما يعني أن إيران لا تستفيد عمليا من “الرطوبة الخضراء”، كما أنّ بعض المحاصيل الشرهة للمياه تُزرع في مناطق لا تتوافر فيها موارد مائية كافية.

وأضاف أنّ الخبراء يوصون بتكييف الزراعة مع الظروف المناخية، فمثلا يمكن في كثير من أحواض المياه زراعة البقوليات والقمح البعلي والخضروات داخل البيوت المحمية، بينما لا ينبغي زراعة محاصيل مثل الأرز، والخضروات الصيفية، والشمندر السكري، وقصب السكر، والذرة، والقمح في بعض المناطق، وكذلك محاصيل الزيت والتفاح، ومن هنا يمكن التفكير أيضا في خيار “الزراعة عبر الحدود”.

وبيّنت الصحيفة أنّ الزراعة العابرة للحدود تعدّ استجابة للتحديات المتزايدة الناجمة عن نقص المياه ونقلت عن شاهبور علائي مقدم، نائب وزير الجهاد الزراعي الإيراني، إنّ أحد أبرز التحديات أمام تنفيذ مشروع الزراعة خارج الحدود يكمن في مسائل النقل واللوجستيات. 

وأوضح أنّ إيران وقّعت مذكرات تفاهم مع دول مثل فنزويلا ونيكاراغوا لزراعة المحاصيل الشرهة للمياه، لكن المشروع لم يحقق نجاحا ملموسا حتى الآن بسبب ضعف القدرات اللوجستية وعدم توفر إمكانات كافية لنقل المنتجات إلى داخل البلاد، مشيرا إلى أنّ أحد الحلول المقترحة هو بيع المنتجات في تلك الدول أو تصديرها مباشرة من هناك.

وتابعت الصحيفة أنّه رغم هذه العقبات، فإنّ الاستفادة من الأراضي الزراعية خارج البلاد من شأنها أن تمنح الأراضي الإيرانية فرصة للراحة وتجديد مواردها من التربة والمياه، فضلا عن المساهمة في تلبية قسم كبير من الاحتياجات الغذائية للبلاد.

ونقلت الصحيفة عن الخبير الزراعي بهمن زارع قوله إنّ الزراعة عبر الحدود يمكن أن تؤمّن أهم عنصر تحتاجه أي أمة، وهو الأمن الغذائي، وأكد أنّ اختيار المناطق المناسبة لهذه المشاريع ينبغي أن يقوم على معيارين رئيسيين هما المسافة والعلاقات السياسية.

وأشار إلى أنّ هذا التوجه يجب أن يبقى بعيدا عن النزاعات السياسية، كما أنّه لا يقتصر على المحاصيل الزراعية بل يمكن أن يشمل إنتاج اللحوم الحمراء والبيضاء ومنتجات الألبان، وبهذا يمكن لإيران، عبر الزراعة العابرة للحدود، أن تلبّي جانبا كبيرا من احتياجاتها الغذائية بعيدا عن تقلبات الأسواق العالمية وصراعات الحكومات، وذلك ضمن إطار دعم حكومي.

وأردف زارع موضحا أنّ إيران ذات مناخ جاف وشبه جاف، وبسبب موجات الجفاف المتكررة وتراجع معدلات الأمطار وشحّ الموارد المائية، فإنّ من الأفضل الاستثمار في دول أخرى تتوافر فيها المياه لزراعة المحاصيل الشرهة للمياه مثل الخضروات، ثم استيرادها بأسعار أقل، في حين يُخصص الإنتاج المحلي لزراعة محاصيل قليلة الاستهلاك للمياه وأكثر ربحية وعائدية. 

وبهذا تُدخل إيران ما يُعرف بـ”المياه الافتراضية” وتوفر مواردها الداخلية من المياه إلى جانب مواردها الاقتصادية والمعنوية.

وبيّنت الصحيفة أنّ ظاهرة “الزراعة الاستيجارية” أو الزراعة العابرة للحدود أصبحت خلال العقود الأخيرة أحد الحلول المطروحة لضمان الأمن الغذائي العالمي. ففي هذا النموذج تقوم الدول أو الشركات الخاصة باستئجار أو شراء أراض زراعية خارج حدودها، وذلك استجابة لتحديات شحّ المياه أو محدودية الأراضي الزراعية. 

وأوضحت أنّ هناك ثلاثة دوافع رئيسية تدفع الدول إلى هذا الخيار: أولا، الدول التي تعاني من نقص الموارد الطبيعية، لا سيما في الشرق الأوسط وشرق آسيا، تسعى لتقليل اعتمادها على الواردات الغذائية. 

ثانيا، تقلبات أسعار الغذاء في الأسواق العالمية حفّزت على البحث عن مصادر إنتاج مستقرة. ثالثا، بعض الدول التي تمتلك أراضي خصبة لكنها تفتقر إلى رأس المال والتكنولوجيا ترى في هذه المشاريع فرصة للتنمية الاقتصادية.

Image

استنزاف المياه الجوفية يهدد باضطرابات جيولوجية

أضافت الصحيفة أنّ الصين تُعدّ رائدة في هذا المجال، إذ تدير أكثر من 8 ملايين هكتار من الأراضي الزراعية خارج حدودها، لاسيما في كازاخستان وروسيا وبعض الدول الأفريقية، حيث تنتج محاصيل مثل الصويا والذرة والقمح، ويعتمد النموذج الصيني على عقود طويلة الأمد تمتد بين 25 و50 عاما، تشمل نقل التكنولوجيا وتدريب القوى العاملة المحلية.

كما أوضحت الصحيفة أنّ السعودية تُعتبر نموذجا بارزا آخر، إذ اتجهت إلى الاستثمار الزراعي الخارجي بعد أن حظرت في عام 2016 زراعة القمح داخليا بسبب أزمة المياه، وقد استثمرت في دول مثل إثيوبيا والسودان، وتمكنت شركات سعودية مثل “الراجحي” من إنتاج ملايين الأطنان من الأعلاف والقمح، ما ساهم في تقليص استهلاك المياه داخل المملكة وتغطية جزء كبير من احتياجاتها الغذائية.

وتابعت أنّ السعودية، بسبب بيئتها الصحراوية وشحّ المياه ومناخها غير الملائم للزراعة الواسعة، لطالما اعتُبرت من أكثر الدول عرضة لمخاطر انعدام الأمن الغذائي، وأشارت إلى أنّ التجربة الفاشلة لبرنامج “زيادة الإنتاج الزراعي باستخدام المياه غير التقليدية” التي استنزفت سريعا مخزون المياه الجوفية الاستراتيجية، شكّلت درسا قاسيا

 لصنّاع القرار هناك.

ومن ثم تبنّت السعودية استراتيجية بعيدة المدى لنقل زراعة المحاصيل الشرهة للمياه إلى الخارج، ما خفّف من الضغط على مواردها المائية الداخلية.

وبيّنت الصحيفة أنّ الوضع في إيران مختلف، إذ لم يُعتمد حتى الآن نهج جادّ في هذا المجال، بل إنّ الأمور تفاقمت إلى حدّ أنّ بعض خبراء الموارد المائية يحذرون من الاستغلال المفرط للمياه الجوفية العميقة أو ما يُعرف بـ”المياه الجيولوجية العتيقة” التي يعود عمرها لملايين السنين.

Image

خبراء: الحل في احترام الطبيعة والمعرفة التقليدية

أوضحت الصحيفة أنّ الأكاديمي الإيراني محمد أمين يزداني، المتخصص في علوم التربة والمياه، حذّر من أنّ الإفراط في استخدام المياه الجوفية أدى إلى تراجع منسوبها بمعدل نصف متر إلى متر سنويا، وأنّ مياه الآبار القديمة أصبحت مالحة، ما اضطر المزارعين إلى حفر آبار أعمق، حتى باتوا يصلون إلى المياه العميقة جدا.

ورأى أنّ استنزاف هذه الموارد يشكل خطرا بالغا، إذ يُفرغ الطبقات المائية الرئيسة في الأرض، كما أنّ بعض الخبراء يرون أنّ ذلك قد يؤدي إلى تغييرات جيولوجية داخلية مرتبطة بحركة الحمم الباطنية، وبالتالي قد يسهم في حدوث الزلازل.

وأضاف هذا الخبير أنّ السبب الرئيس لحفر الآبار هو حاجة الزراعة إلى المياه العذبة، موضحا أنّ استهلاك المياه في القطاع الزراعي الإيراني يصل إلى 90%، بينما لا يتجاوز في الدول المتقدمة 30%، وأرجع ذلك إلى غياب الرقابة وتضارب المصالح بين الوزارات المختلفة والسياسات الزراعية غير المستدامة.

وتابعت الصحيفة أنّ بعض الخبراء لا يعتبرون التغير المناخي العامل الرئيس في أزمة المياه الزراعية بإيران، بل يشيرون إلى أنّ التغيرات المناخية المسجلة لم تكن جذرية بما يكفي لتحويل مناطق كاملة من رطبة إلى جافة.

ورغم ارتفاع درجات الحرارة وتغيّر أنماط الأمطار، إلا أنّ السبب الأساسي للمشكلات الزراعية يتمثل في سوء الإدارة والسياسات غير الرشيدة، التي ضاعفت الآثار السلبية.

وبيّنت أنّ هذه المشاكل متعددة الأبعاد، إذ يوجد فجوة بنسبة 60% بين القدرة الإنتاجية الحقيقية وبين الإنتاج الفعلي، ما أدى إلى هدر كبير للموارد المائية. كما تشهد إيران هدرا غذائيا يصل إلى 30% من المنتجات، وهو ما يعني ضياع المياه المستخدمة فيها أيضا.

ونقلت الصحيفة عن الخبير البيئي بهمن إيزدي تأكيده أنّ الأزمات التي تعاني منها المناطق المختلفة لا يمكن تعليقها جميعا على شماعة التغير المناخي، بل إنّ المشكلة في الأساس هي سوء استغلال الموارد. 

وأوضح أنّ الدراسات التي أُجريت على أنماط الأمطار خلال قرن من الزمن لم تُظهر تغيرات جوهرية، بل تقلبات ظرفية، لكن إيران تجاوزت قدرتها المائية الطبيعية فاستخرجت 200 لتر من أصل 100 لتر متاح.

وأضاف إيزدي أنّ ما مكّن سكان المناطق الجافة وشبه الجافة من الصمود عبر العصور هو معارفهم المحلية وإدراكهم لقيمة المياه والتربة، وأكد أنّ الحل يكمن في استعادة هذه المعرفة التقليدية وتضمينها في سياسات إدارة الموارد الطبيعية، لأنّ أي خبراء أجانب لم يعيشوا في هذه البيئة لا يمكنهم تقديم حلول ناجعة.

وتابعت الصحيفة أنّ إيزدي لفت إلى خطورة انتشار حفر الآبار، مبينا أنّ هناك أكثر من مليون بئر مرخّص في إيران، أي بئر واحد كل كيلومترين تقريبا، ما حوّل البلاد إلى “مصفاة مائية”. 

وأوضح أنّ إيران كانت تمتلك قبل نحو نصف قرن فقط 50 إلى 60 ألف بئر، لكن الزيادة الكبيرة بعد الثورة التكنولوجية في الحفر أدت إلى أضرار جسيمة، مشيرا إلى أنّ الاتجاه نحو استخدام “المياه الجوفية العميقة” سيكون بمثابة الضربة القاضية للبلاد، ومذكّرا بتجربة السعودية التي عانت من هبوط أرضي واسع نتيجة استنزاف هذه المياه.

واختتمت الصحيفة بنقل تأكيد إيزدي أنّ العودة إلى تقنيات تقليدية مثل “البندسار” – وهي أنظمة قديمة لتخزين المياه – إلى جانب تغيير أنماط الزراعة، تمثل مفتاح الخروج من الأزمة، وأوضح أنّ أكثر من 90% من مياه إيران تُستهلك في الزراعة، فيما يضيع 65% منها بسبب سوء الإدارة.

وتساءل الخبير: كيف يُسمح بزراعة الأرز، المحصول الأكثر استهلاكا للمياه، في مناطق تعاني شحّا مائيا مثل إقليم فارس؟ حيث جرى تشييد سدود هناك على حساب الغابات والموارد الطبيعية. 

وأكد أنّ هذه السياسات الزراعية المرتجلة أدّت إلى تدمير موارد مائية تاريخية مثل بحيرات طَشْك، بُختَكان وكَمجان “بمحافظة فارس _ إيران “، مشددا على أنّ المخرج الحقيقي من الأزمة يكمن في احترام الطبيعة، والعودة إلى المعارف المحلية التقليدية التي كانت تضمن التوازن البيئي واستدامة الموارد.