- زاد إيران - المحرر
- 493 Views
كتب: الترجمان
في ظل مرحلة دقيقة تمر بها إيران، تتشابك فيها التحديات الداخلية مع الضغوط الخارجية، جاءت تصريحات الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان لتعكس تحوّلا لافتا في مقاربة السلطة التنفيذية لإدارة الأزمات الأخيرة في البلاد.
فالخطاب، كما ورد في الجلسة الـ149 لأعضاء الحكومة، لا يكتفي بإعادة إنتاج الرواية التقليدية التي تُحمّل “الأعداء” مسؤولية الاضطرابات، بل يذهب أبعد من ذلك باتجاه الإقرار بوجود ثغرات ونواقص داخلية تستوجب التشخيص والمعالجة.
هذا التحول النسبي في اللغة السياسية يحمل دلالات مهمة، إذ يشير إلى محاولة لإعادة بناء جسور الثقة بين الدولة وشرائح واسعة من المجتمع، في وقت تتزايد فيه الضغوط الاقتصادية والاجتماعية، وتتسع رقعة النقد الداخلي للأداء الحكومي.
وبين التأكيد على ضرورة الإدارة الميدانية للأزمات، والدعوة إلى الحوار مع مختلف الفئات، والتشديد على تجنب المقاربات القمعية مع الفنانين والنخب الثقافية، يمكن قراءة تصريحات بزشكيان باعتباره محاولة لإرساء نموذج أكثر مرونة في التعامل مع الأزمات المركبة.

الاعتراف بالبعد الداخلي للأزمة
من أبرز ما يلفت في تصريحات الرئيس الإيراني تأكيده أن المقاربة الواقعية تقتضي عدم حصر أسباب الاضطرابات في العوامل الخارجية فقط. صحيح أن بزشكيان لم يتخلَّ عن الخطاب التقليدي المتعلق بمحاولات “أعداء الجمهورية الإسلامية” استغلال الظروف لإثارة الفوضى، إلا أنه في الوقت نفسه شدد على ضرورة التعرف بشفافية على مواطن الضعف والنقص في الداخل.
هذا الإقرار يحمل بعدين أساسيين: الأول سياسي، يتمثل في محاولة امتصاص جانب من الغضب الشعبي عبر الاعتراف الضمني بمسؤولية مؤسسات الدولة عن بعض الاختلالات. والثاني إداري، حيث يفتح الباب أمام مراجعة السياسات العامة وأساليب إدارة الملفات الحساسة، بدل الاكتفاء بإلقاء اللوم على الخارج.
إدارة ميدانية بدل المعالجات الشكلية
تكليف الرئيس للمحافظين بتشكيل فرق عمل متخصصة على مستوى المحافظات يعكس توجّهًا نحو نقل إدارة الأزمة من المستوى المركزي البحت إلى مستوى ميداني أقرب إلى المواطنين. فالمطلوب من هؤلاء المسؤولين ليس فقط إعداد تقارير عامة، بل القيام بزيارات ميدانية للأسر المتضررة، ودراسة كل حالة على حدة بشكل موثق وخاضع للتحليل المهني.
هذه المقاربة تشير إلى إدراك داخل مؤسسة الرئاسة بأن المعالجات الشكلية أو البيانات العامة لم تعد كافية لاحتواء تداعيات الأحداث، وأن المطلوب هو تفاعل مباشر مع الواقع الاجتماعي، بما يحمله من تعقيدات وتباينات بين منطقة وأخرى.
الحوار المجتمعي كأداة للتهدئة
أحد المحاور اللافتة في توجيهات بزشكيان هو إلزام الوزارات بعقد لقاءات منتظمة مع شرائح متنوعة من المجتمع، تشمل الطلاب والتلاميذ والفنانين والرياضيين والشخصيات الاجتماعية. هذا التوجه يعكس قناعة بأن جزءا من الأزمة مرتبط بفجوة تواصل بين الدولة والمجتمع، وأن سد هذه الفجوة يتطلب فتح قنوات حوار مؤسسية ومنتظمة.
الرهان هنا هو على أن الحوار يمكن أن يخفف من حدة الاحتقان، ويحول دون انتقال الاعتراضات من المجال السلمي إلى مسارات أكثر حدة. كما أن إشراك الفئات الثقافية والفنية في الحوار يحمل دلالة خاصة، نظرًا للدور الرمزي الذي تلعبه هذه الفئات في تشكيل الرأي العام.

تقليص المقاربة العقابية
توجيه الرئيس بتجنب أي تعامل سلبي مع الفنانين والشخصيات الثقافية والاجتماعية يمثل مؤشرا على رغبة في تقليص الاعتماد على الأدوات العقابية، لصالح أدوات أكثر مرونة قائمة على الحوار والآليات المؤسسية.
هذا التوجه لا يعني بالضرورة تخلي النظام عن أدواته التقليدية في الضبط والسيطرة، لكنه يعكس محاولة لإعادة التوازن بين الردع والانفتاح، بما ينسجم مع طبيعة المرحلة وحساسيتها.
ملف السجناء: رسالة مزدوجة
تكليف وزير العدل بالتنسيق مع السلطة القضائية لتسريع إجراءات الإفراج عن بعض السجناء المرتبطين بالأحداث الأخيرة يحمل رسالة مزدوجة. داخليا، يسعى القرار إلى تهدئة الأجواء واحتواء جزء من التوتر الشعبي. وخارجيا، يمكن قراءته كإشارة إلى استعداد الحكومة لإظهار قدر من المرونة في ملفات حقوقية تُعد محل انتقاد دولي.
غير أن فعالية هذه الرسالة ستظل مرهونة بمدى اتساع نطاق الإفراجات وطبيعتها، وما إذا كانت ستشمل حالات ذات رمزية في الشارع الإيراني.
الإدارة والحوكمة في قلب النقاش
إلى جانب الملفات السياسية والاجتماعية، ركزت جلسة الحكومة على قضايا إدارية وهيكلية، من بينها مشروع توحيد إدارة الجمارك والمنافذ الحدودية. طرح هذا الملف في هذا التوقيت يعكس إدراكا بأن جزءًا من المشكلات الاقتصادية والأمنية مرتبط بضعف الحوكمة وتعدد مراكز القرار.
الإشارة إلى الاستفادة من التجارب الدولية الناجحة، ولا سيما لدى الدول المجاورة، توحي برغبة في تبني نماذج عملية بدل الاكتفاء بالشعارات. كما تعكس سعي الحكومة إلى تحسين كفاءة إدارة الحدود في ظل تنامي التحديات المرتبطة بالتهريب والعقوبات والضغوط الاقتصادية.
رغم تركيز الخطاب على الداخل، لم يغفل بزشكيان الإشارة إلى التطورات الدولية والإجراءات الأمريكية الأخيرة. غير أن عرض وزير الخارجية لهذه الملفات في إطار تقريري داخل جلسة الحكومة، دون تصعيد لغوي حاد، يوحي بمحاولة ضبط إيقاع الخطاب الخارجي، وعدم السماح له بابتلاع النقاش الداخلي.
هذا التوازن يعكس إدراكا بأن الإفراط في التركيز على العوامل الخارجية قد يُضعف مصداقية الخطاب الرسمي داخليًا، في حين أن تجاهلها كليا غير ممكن في ظل طبيعة التحديات التي تواجهها إيران.
بين الواقعية السياسية وتحديات التنفيذ
يمكن القول إن خطاب الرئيس الإيراني يعكس نزعة براغماتية أوضح مقارنة بخطابات تقليدية سابقة. فالاعتراف بالثغرات، والدعوة إلى الحوار، وتخفيف المقاربة العقابية، كلها عناصر تصب في اتجاه مقاربة أكثر مرونة.
غير أن التحدي الحقيقي يكمن في الانتقال من مستوى الخطاب إلى مستوى التطبيق. فنجاح هذه المقاربة مرهون بمدى تعاون بقية مؤسسات الدولة معها، وبمدى استعداد الأجهزة المختلفة لتغيير أنماط عمل راسخة منذ سنوات.
يقدم خطاب مسعود بزشكيان محاولة لإعادة صياغة العلاقة بين الدولة والمجتمع على أسس أقل توترا وأكثر تفاعلية. لكنه في الوقت ذاته يضع الحكومة أمام اختبار صعب: هل تستطيع ترجمة هذه التوجهات إلى سياسات ملموسة يشعر المواطن بآثارها؟
إذا نجحت الحكومة في ذلك، فقد تتمكن من تخفيف حدة الأزمات المتراكمة وبناء حد أدنى من الثقة. أما إذا بقيت هذه التوجهات في إطار التصريحات، فإن فجوة الثقة مرشحة للاتساع، بما يحمله ذلك من تداعيات على الاستقرار الداخلي في مرحلة إقليمية ودولية شديدة الاضطراب.
كما أن نجاح هذه المقاربة سيشكل سابقة داخل النظام السياسي الإيراني نفسه، لجهة تكريس منطق المراجعة الذاتية والاعتراف بالقصور كجزء من إدارة الدولة، بدل الاكتفاء بمنطق المواجهة الصفرية مع الداخل والخارج معا. فالدول التي استطاعت تجاوز أزماتها العميقة لم تفعل ذلك بالقوة وحدها، بل عبر بناء توافقات داخلية مرنة تسمح بامتصاص الصدمات وإعادة إنتاج الشرعية السياسية بشكل متجدد.
وفي المقابل، فإن أي إخفاق في تحويل هذا الخطاب إلى إجراءات ملموسة، سواء في ملف الحريات الاجتماعية، أو تحسين الأوضاع المعيشية، أو إصلاح آليات الحكم والإدارة، سيعني عمليا إهدار فرصة ثمينة قد لا تتكرر بسهولة. فالمجتمع الإيراني، الذي راكم خبرات طويلة مع الأزمات والعقوبات، بات أكثر حساسية تجاه الفجوة بين الوعود والواقع، وأكثر قدرة على تمييز الخطاب الرمزي من السياسات الفعلية.
من هنا، يمكن القول إن المرحلة المقبلة ستكون مرحلة اختبار مزدوج: اختبار لصدق نيات الحكومة في إحداث تغيير تدريجي ومسؤول، واختبار لقدرة مؤسسات الدولة المختلفة على الانخراط في هذا المسار دون عرقلة أو التفاف. وبين هذين الاختبارين، يتحدد ما إذا كان خطاب بزشكيان سيمثل بداية مسار إصلاحي هادئ من داخل النظام، أم مجرد محطة عابرة في سياق سياسي معقد ومفتوح على احتمالات متعددة.

