سياسي إصلاحي بارز: مشروع مكافحة المحتوى الكاذب يعمّق الفجوة بين الدولة والمجتمع

عطریانفر

أجرى موقع “اقتصاد أونلاين” الإيراني، الثلاثاء 29 يوليو/تموز 2025، حوارا مع محمد عطريانفر، السياسي الإصلاحي البارز، تناول مشروع القانون الحكومي الخاص بـ”مكافحة نشر المحتوى الكاذب في الفضاء الإلكتروني”، محذرا من أن المشروع يشكّل نسخة معدّلة من “خطة صيانة الإنترنت”، بصيغة وأسلوب مختلفَين.

 التماسك الوطني

أفاد عطريانفر، الشخصية السياسية الإصلاحية، في حوار مع موقع “اقتصاد أونلاين”، تعليقا على “مشروع القانون الخاص بمكافحة نشر المحتوى الكاذب في الفضاء الالكتروني”، الذي قدّمته الحكومة إلى البرلمان، محذرا من التبعات الأمنية والاجتماعية لمثل هذه الإجراءات، بأن هذا المشروع يُعد في الواقع نسخة منقحة من “خطة صيانة الإنترنت”، ولكن بصياغة مختلفة وبأسلوب مغاير.

 تابع بالقولِ إن إقراره من شأنه أن يُلحق ضررا بجوانب من التماسك الوطني، وشدّد على أن النظرة الأمنية إلى الشعب تمثّل سمّا قاتلا لعملية الحُكم، وأن الأصل في التعامل مع أبناء الأمة ينبغي أن يكون البراءة لا الاتهام.

وفي مستهل هذا الحوار، أوضح أنه عندما تقع حادثة أو أزمة تُلقي بظلالها على المشهد السياسي والاجتماعي للبلاد وتُربك المعادلات السابقة المستقرة، فإن أي تحرك متسرّع بهدف التغيير أو الخروج من الأزمة، أو حتى أي سياسة تُعاني من إشكاليات في صياغتها، قد يُفضي إلى ردود فعل سلبية ويُحدث أجواء هشة في المجتمع”.

وأضاف عطريانفر أنه “بعد حرب إيران وإسرائيل، توجهت العقلية العامة في إيران نحو ضرورة تذكير الحُكم بالتزاماته السابقة التي لم تُنفّذ، ومن أجل الحفاظ على هذا الإنجاز القيم المتمثل في التماسك الوطني، لا بد أن يتخذ الحُكم قرارات تؤدي إلى ترسيخ هذه الوحدة، ليس بشكل مؤقت أو ظرفي، بل بطريقة هيكلية وطويلة الأمد”.

نشر الأكاذيب

أشار إلى مشروع القانون المقدَّم إلى البرلمان قائلا إن الإجراءات من هذا النوع، والتي جرى تقديمها من قِبل الحكومة بموافقة دائرة الشؤون القانونية، لم تثر فقط حساسية في الأوساط العامة، بل زادت أيضا من شعور المجتمع بالانفصال عن الحكومة المنتخبة. 

واعتبر أن هذا الأمر يُعدّ سمّا قاتلا لعملية الحُكم من جانب الحكومة، وأضاف أن ما يثير الأسف هو أنه، خلافا للتصور السائد بأن المشاريع المثيرة للمشاكل تُقدَّم عادة من جانب البرلمان، فإننا نواجه هذه المرة مشروع قانون حكوميّا يبدو أن تحضيراته لم تتم في الدوائر الثقافية المتخصصة داخل الحكومة، بل في جهات أخرى خارجة عنها.

وذكر عطريانفر أن هذا المشروع ولّد انطباعا سلبيّا في المجتمع، وأن القلق من أن تؤدي المصادقة عليه إلى فرض سياسات انكماشية حادة ومتطرفة هو قلق جاد تماما، لذلك، يجب على الأقل أن تخضع العناصر الأساسية لهذا المشروع للتشكيك والمراجعة من جديد.

واقترح أن تسحب الحكومة هذا المشروع، وأن يُعاد صياغته بالتعاون مع وزارة الثقافة والإرشاد ودائرة الشؤون القانونية في رئاسة الجمهورية، وبمشاركة المتخصصين في مجال الإعلام، سواء الإعلام المطبوع أو في الفضاء الالكتروني، مع تغيير عنوان المشروع أيضا، ثم يُعاد تقديمه إلى البرلمان، واعتبر أن هذا هو الاقتراح الأكثر منطقية أمام الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان.

وتابع أنه في حال لم يتحقق ذلك، ينبغي على البرلمان، خلال عملية دراسة المشروع، أن يُلزم اللجان المعنية بدعوة المتخصصين في مجال الإعلام لمناقشته، من أجل تجنب تداعياته السلبية على المجتمع.

كما علّق على المصادقة على صفة الاستعجال المزدوج للمشروع، وذكر أن إعداد وإقرار قانون في مجال الإعلام، وبصفة الاستعجال المزدوج، لا يمكن تبريره بأي شكل من الأشكال، إلا في حالة وجود ظرف طارئ يفرض الخروج السريع من أزمة غير متوقعة.

 وأضاف أن البلاد لا تمر حاليا بحدث استثنائي، وإذا كان هناك من مشكلة، فإن القوانين الحالية تكفي.

 وأوضح أن السلطة القضائية قادرة، في ظل إمكانياتها الحالية، على التدخل لمنع نشر الأكاذيب، مشيرا إلى أن المحاكم تعاملت طوال السنوات الماضية بصرامة مع هذه التهمة الجنائية المتمثلة في نشر الأكاذيب.

تصاعد الأجواء الأمنية 

أشار عطريانفر إلى التشابه بين هذا المشروع و”خطة صيانة الإنترنت”، وذكر أن المشروع الحالي يبدو كأنه نُسِخ عن الخطة المذكورة، مع تغيير في العنوان فقط، وقد قُدّم الآن بصيغة أكثر رسمية ليُطرح للمصادقة.

 وأضاف أنه مع تصاعد الأجواء الأمنية وانتشار اتهامات مثل التجسس والتصنيف بين من يُعدّ من “المقربين” ومن يُصنَّف ضمن “غير الموثوقين”، والانقسام داخل المجتمع، من السهل أن يُحدث هذا المشروع، بهذه المقاربة المتطرفة، تأثيرا سلبيّا على المجال العام. 

وبيّن أن ما جرى خلال الحرب الأخيرة يُظهر بوضوح أن الضغط الأكبر مورس على الفضاء الإعلامي، وأن الأجواء الأمنية فرضت نفسها، مما أسفر للأسف عن نظرة متشددة تجاه عموم الناس، في حين أن الخلل الأمني كان مصدره جهة أخرى تماما.

وتابع بالقولِ إن افتراض أن الناس جواسيس هو خطأ جسيم، وأنه لا قدّر الله إن كان مشروع القانون بصيغته الأولية يتضمّن عبارات أو إشارات توحي بنظرة ريبة وعدم ثقة تجاه المواطنين، فهذا أمر بالغ الخطورة ويجب الحذر الشديد منه.

وذكر أن تحليل أوجه القصور خلال حرب إيران وإسرائيل كشف عن ثلاثة محاور أساسية في المجال الدفاعي، تبيّن فيها وجود ضعف واضح، وأهم هذه المحاور كان ضعف أداء منظومة الدفاع المدني.

وأشار إلى أن هذه المنظومة، إلى جانب عجزها عن إبلاغ المواطنين في الوقت المناسب بالمخاطر والهجمات الجوية، لم تقدّم كذلك أي ردّ مُقنع يبرر تقصيرها أو ما قد يُعدّ تخليا عن أداء المهام.

ونوّه إلى أن المحور الثاني تمثّل في الدفاع الفعّال، حيث إن منظومات الدفاع الجوي لم تؤدّ، كما كان متوقعا، دورا كافيا في حماية أجواء البلاد من هجمات العدو. 

واستدرك قائلا إنه لا ينبغي الحكم على هذا الأمر من طرف واحد، بل يتطلب مراجعة دقيقة، وعلى القوات المسلحة أن تقدّم تفسيراتها، فقد تكون غير قادرة على الصمود الكامل في تلك الظروف، لكن الحقيقة المؤلمة التي كشفتها الوقائع أن العدو تمكّن، دون مواجهة تُذكر أو عوامل ردع مؤثرة، من تنفيذ ما أراد من ضربات.

حرب الروايات

شدّد عطريانفر على غياب إيران في “حرب الروايات”، وأضاف أن المحور الثالث يتمثّل في الدفاع النفسي والإعلامي، وذكر أن إيران كانت غائبة تماما عن ميدان حرب الروايات، إذ اقتصر السرد الرسمي على هيئة الإذاعة والتلفزيون التابعة لدولة، وهو ما لم يكن كافيا.

 بل إن غياب الدعم من وسائل الإعلام غير الرسمية الموالية، جعل من تكرار أداء تلك الهيئة أثرا سلبيا في بعض الأحيان، في حين أن العدو استثمر في أدواته الإعلامية العالمية الواسعة، ورأى أن هذا يُعدّ نقطة ضعف خطيرة لدى إيران، وينبغي لتجاوزها سريعا أن يُوضع حد لنهج الأحادية الإعلامية.

وفي القسم الأخير من الحوار، شدّد على أن استخدام عبارات تُظهر الشعب كمتّهم بشكل شامل يُلحق ضررا بالغا، وذكر أن الأصل يجب أن يكون هو البراءة، وأن يُعطى لمبدأ نزاهة ووفاء المواطنين للنظام مكانة أصيلة.

وبيّن أن أبناء الشعب الإيراني جميعهم شرفاء، وطنيون، ومخلصون لوحدة أراضي البلاد واستقلالها، ما لم يثبت العكس. 

وأشار إلى أن “هذه النظرة السلبية، وللأسف، حاضرة كذلك في السياسات الانتخابية، لا سيما في انتخابات البرلمان، التي ظلت على مدى سنوات طويلة تعاني من هذا الفهم الخاطئ والنظرة المشككة تجاه المرشحين”.

 وذكر أن الجهة المشرفة على الانتخابات، أي مجلس صيانة الدستور، تفترض – وعلى نحو يثير الدهشة – عدم أهلية المرشحين، إلا إذا ثبت العكس. 

وأكد أن هذا المنطق يجب إصلاحه، لأن تعميم هذه النظرة على سائر المجالات، وخاصة في قطاع الثقافة والإعلام، ليس فقط أمرا غير صائب، بل في غاية الخطورة، واعتبر أنه إذا إذا ترسّخت هذه النظرة في المجتمع، فلا بد من مواجهتها والوقوف في وجهها بمسؤولية وحرص، لأن هذا التوجّه لا يسهم في بناء الثقة بين الدولة والمجتمع، بل يهددها.