- زاد إيران - المحرر
- 564 Views
أجرت وكالة «خبر أونلاين»، الثلاثاء 29 يوليو/تموز 2025، حوارا مع المؤرخ والناشط السياسي الإيراني مجيد تفرشي، تناول أبعاد الحرب النفسية بين إيران وإسرائيل، وسبل المواجهة الإعلامية، ومكانة الإنترنت والدبلوماسية الشعبية في هذا الصراع، إضافة إلى تقييمه أداء إيران في إدارة الرواية خلال الحرب الأخيرة.
وفي ما يلي نص الحوار:
ما تحليلكم للحرب النفسية خلال حرب الـ12 يوما بين إيران وإسرائيل؟
عندما نتحدث عن الحرب النفسية بالتزامن مع العمليات أو الهجمات العسكرية، يجب أن ننتبه إلى أن هذه العمليات النفسية لا تبدأ مع انطلاق الهجوم، بل تمرّ بمسار طويل.
إذا أردت تلخيص الأمر، فغالبا ما تمرّ العمليات النفسية بأربع مراحل على الأقل، المرحلة الأولى هي الإعداد، وتبدأ قبل الهجوم بعدة سنوات أو أشهر أو على الأقل أيام، وتتطلب تخطيطا استراتيجيا طويل الأمد، لأن العملية العسكرية نفسها ليست حدثا مفاجئا أو عشوائيا، بل يتم التخطيط لها مسبقا على المدى الطويل، ومن الطبيعي أن الحرب النفسية تحتاج أيضا إلى تخطيط طويل المدى.
المرحلة الثانية هي الإعداد في مرحلة ما قبل الهجوم، وهذه تستدعي اهتماما خاصا.
المرحلة الثالثة هي فترة الهجوم نفسه، أي لحظة وقوع الحدث، أما المرحلة الرابعة، فهي ما بعد الهجوم والعملية العسكرية. يجب دراسة هذه المراحل الأربع بدقة.
وفي ما يتعلق بهجوم إسرائيل وأمريكا على إيران، فقد جرى الأمر وفق هذا النمط، لقد شهدنا خلال فترة طويلة انطلاق حرب إعلامية ونفسية ودعائية ضد إيران.
وإذا استثنينا السنوات الأولى بعد الثورة، فعلى الأقل خلال العشرين سنة الماضية، ومنذ بدء ملف إيران النووي، جرت عمليات نفسية على أربع طبقات بهدف تهيئة الروح والعقل والنفس والوجدان لدى الرأي العام العالمي، ويُطلق عليها اسم العمليات الإعلامية، والدبلوماسية العامة، والدبلوماسية الموجهة إلى الشعوب.
الطبقة الأولى تشمل الساسة وصنّاع القرار في مختلف الدول، والطبقة الثانية هي النخبة الأكاديمية والمتخصصة في المجتمع الدولي، أما الطبقة الثالثة فهي وسائل الإعلام، والطبقة الرابعة هي الرأي العام، الذي يُعدّ بمثابة محصلة لتأثيرات الطبقات الثلاث السابقة.
هذا هو المسار الذي تشكّل ضد إيران خلال العشرين عاما الماضية، وفي هذا المسار لم تكن إيران منتصرة، بل فقدت ما كانت تملكه خلال العقدين الماضيين، مثل مرجعيتها الإعلامية، أو جرى إضعافها بشدة لأسباب مختلفة.
بعض هذا المخطط فُرض من الخارج، وبعضه الآخر ضاع بسبب سوء الإدارة وعدم الكفاءة في الداخل، وقد حدث كل ذلك بشكل تدريجي وطويل الأمد.
في الفترة التي سبقت الهجوم العسكري على إيران، ومن أجل تبرير هذا الهجوم وجعله منطقيا ولا مفر منه، سعى الطرف الآخر إلى تصوير إيران على أنها ترفض الحوار، لا تقبل التفاوض، وتتجه نحو امتلاك القنبلة؛ وهي سردية استُخدمت طوال العشرين عاما الماضية.
لكنها تصاعدت في الأشهر الأخيرة، قبيل الحرب، لتصوير إيران على أنها مصدر للإرهاب، ومنتهكة لحقوق الإنسان، ومصدر لزعزعة الأمن العالمي، وطرحها كدولة مارقة لا تقبل بالقواعد والنظام الدولي.
النقطة الثالثة في هذه العمليات تمثلت في ترهيب الشعب الإيراني ودفعه نحو التمرد والاضطرابات، أو تأييد الهجوم على بلاده، أو تمهيد الطريق لخروجه من المشهد أو النزول إلى الشوارع، وذلك بهدف تهيئة الظروف للانهيار، والحرب الأهلية، والتفكك، وتدمير إيران من الأساس.
أما المرحلة التالية فهي الحالة التي نعيشها اليوم: حالة من الخوف والرجاء، الرعب والتهديد، بحيث تُصاب البلاد بالشلل العملي، وتصبح مهيأة لمواصلة الهجمات وتكرار الاعتداءات، ويقع البلد فعليا تحت شلل اقتصادي وسياسي واجتماعي وثقافي.

أشرتم إلى فقدان إيران لمرجعيتها الإعلامية، ما الإجراءات اللازمة لاستعادة هذه المرجعية؟ وما هي الحلول التي تقترحونها؟
فقدان المرجعية الإعلامية لم يحدث بين ليلة وضحاها، ولن يعود في ليلة واحدة أيضا، خلال فترة طويلة، سعى المسؤولون في إيران إلى فرض الصوت الواحد على مؤسسات مثل الإذاعة والتلفزيون ووسائل الإعلام الحكومية، وتلك التي تعتمد على الميزانيات العامة، من أجل الحفاظ على هذا الصوت الأحادي.
في السنوات الأولى بعد الثورة، كانت هذه الطريقة فعّالة، إذ لم تكن هناك تنوّعات إعلامية، ولم يكن أمام الناس الكثير من الخيارات، ولذلك، كان يمكن للإذاعة والتلفزيون أو أي وسيلة إعلامية أخرى أن تفعل ما تشاء، وكان الناس مضطرين للاستماع إليها، لكن من الطبيعي أن هذا الوضع لم يكن قابلا للاستمرار.
غير أنه، ومنذ ما لا يقل عن عقدين، وبسبب التنوّع الإعلامي وظهور وسائل إعلام موازية، سواء في الداخل أو الخارج، وكذلك وسائل التواصل الاجتماعي، فقد خرج زمام السيطرة الإعلامية من أيدينا، وكما يقول عامة الناس: “الطريق انحرف ونحن لم ننحرف معه”.
لقد تنوّعت مصادر الأخبار، وتعددت المنصات، بينما ظل الإعلام الرسمي الإيراني متوقفا عند النقطة نفسها، ولم تُبذل أي محاولة للتكيّف مع هذا الواقع، لا داخليا ولا خارجيا.
وفي داخل البلاد، تسببت هذه الذهنية الضيقة في إقصاء أصوات متعددة، رغم أن ولاءها وانتماءها لإيران كان مؤكدا، وهو ما أدى تدريجيا إلى فقدان قطاع كبير من الناس ثقتهم في وسائل الإعلام المحلية، ولا سيما مؤسسة الإذاعة والتلفزيون، ثم اتجه الناس إلى وسائل الإعلام الأجنبية، سواء كانت محايدة أم معادية.
ومن جهة أخرى، جرت محاولات من حين إلى آخر خارج البلاد كي يكون لإيران صوت في الخارج. نُفّذت عدة مبادرات، كان أبرزها تأسيس قنوات تلفزيونية بلغات غير فارسية، وأهمها وأكثرها نجاحا كانت قناة “برس تيفي”.
وفي فترة قصيرة، تمكنت “برس تيفي” من أن تحجز لنفسها مكانا في المجتمع الدولي، وأصبحت، بحسب تعبير القائمين عليها، “صوت من لا صوت لهم”، واستطاعت استقطاب كبار الصحفيين الدوليين، إلى جانب أشهر البرامج الإذاعية والتلفزيونية، وجذبت إليها شخصيات بارزة.
لكن بعد أحداث عام 2009، تحولت “برس تيفي” إلى أداة لتنفيذ السياسات الداخلية، ولهذا السبب فقدت مرجعيتها الدولية فعليا، وتراجعت بشدة نسبة متابعتها بين الجمهور الدولي، كما أصبحت أداة للقمع في الداخل، ففُرضت عليها قيود كثيرة.
ونتيجة لذلك، تحوّلت إلى وسيلة إعلام من الدرجة الثالثة على شبكة الإنترنت. وعلى الرغم من استمرار بثّها عبر الأقمار الصناعية، فإن عدد متابعيها لا يتجاوز واحدا من مئة مما كان عليه في ذروة نشاطها، وباتت فعليا غير موجودة، وأصبحت وسيلة إعلام حكومية بالكامل وعديمة الجدوى، وهذا ما أدى إلى تآكل الثقة بها تدريجيا.
بعيدا عن السياسات العامة للنظام، فرض بعض المسؤولين قصيري النظر، قليلي الكفاءة، وعديمي الرؤية الاستراتيجية، سياساتهم الشخصية باسم سياسات النظام، ما أدى ليس فقط إلى تفاقم التحديات الخارجية، بل أيضا إلى إخماد التعددية في الداخل.
هؤلاء الأشخاص، ومن أجل مصالح أيديولوجية أو سياسية ضيقة وقصيرة الأمد، قضوا فعليا على المرجعية الإعلامية، ولم يسمحوا لوسائل الإعلام الإيرانية بكسب مزيد من المصداقية والاحترام.
كما أن غياب المنافسة، واحتكار الإعلام في إيران، وخصوصا التلفزيون، حال دون قيام منافسة أو حوار أو تفاعل صحي في الداخل، ومنح تلك المرجعية الإعلامية عمليا للخارج.
والأسوأ من ذلك، وجود من كان وما يزال يعتقد أن الإذاعة والتلفزيون الرسميين يملكان فقط بين 10 إلى 20 في المئة من الجمهور الحقيقي والجاد، وهذا يكفي في نظرهم، أما باقي الناس، فإن لم يسمعونا أو لم يتقبلونا، فلا بأس؛ فهؤلاء الـ20 في المئة هم من يهمنا، وهم من سينقذنا.

ما تحليلكم لسياسة قطع الإنترنت في إيران، خصوصا خلال حرب إيران وإسرائيل، حيث فقدت السيطرة على الرواية عبر المنصات؟
في جميع أنحاء العالم، يُعتبر قطع الإنترنت لفترة قصيرة أثناء الأزمات أمرا مقبولا، قبل أيام، صادف الذكرى العشرين لتفجيرات 7 يوليو/تموز 2005، والتي أسفرت عن مقتل أكثر من خمسين شخصا في لندن.
أذكر حينها أنه تم قطع الإنترنت لساعات في عموم بريطانيا، وخاصة في لندن، هذا أمر مفهوم إذا جرى لفترة قصيرة ولهدف محدد.
لكن عندما تفرض رقابة صارمة وممتدة على الإنترنت، وهي رقابة تعترفون أنتم أنفسكم بأنها شديدة، ويمكن كسرها بسهولة باستخدام شبكات VPN غير آمنة، غالبا ما تكون برامج تجسس، فإن الناس أولا يعتادون على هذا الوضع، ويُصبحون محصنين نفسيا ضد تأثيره، وتفقد هذه السياسة أهميتها لديهم.
ثانيا، عندما تحتاجون فعلا إلى هذا الإجراء في لحظة مفصلية، تفقدون تأثيره، بل ويصبح سلاحا مضادا لكم.
من الطبيعي أن يُقطع الإنترنت في فترة استثنائية لساعات محدودة، لكن إذا طال هذا القطع، فإن النتيجة هي أن الأداة التي كان من الممكن أن تخدمكم في مجال الإعلام والدعاية تصبح بالكامل في خدمة العدو والمعتدي على بلدكم، وبذلك تكونون قد نزعتم سلاح أنفسكم بأيديكم.
وقد تكرر هذا الأمر في إيران مرارا، وظهر بوضوح في الهجمات الأخيرة من إسرائيل والولايات المتحدة، لقد — على حد تعبير سعدي — قيدتم الحجارة وأطلقتم الكلاب، الأداة التي كان يمكن استخدامها للدفاع عن البلاد، عن النظام، وعن المصالح الوطنية، تم تسليمها للعدو.
قطع الإنترنت، بلا شك، له ما يبرره، وقد يكون مفهوما للبعض، لكن آثاره السلبية تفوق بكثير أية مبررات محتملة له، وإذا استمر قطع الإنترنت لفترات طويلة، فلن يكون مؤثرا على المدى البعيد، بل سيأتي بنتائج عكسية.
كما رأينا في الأحداث الأخيرة، فقد انقلب الوضع بالكامل ضد إيران؛ إذ لم تهيمن الرواية المضادة فحسب، بل فُرضت على إيران روايات كاذبة، وتم خلق أجواء من الرعب والتهديد، وتعبئة الرأي العام ضد إيران، وبهذا نكون قد سلمنا هذا السلاح بأيدينا للعدو، وكأننا — كما يُقال — من شدّة الخوف من الموت، أقدمنا على الانتحار.

كيف يمكن لإيران أن تنفّذ عمليات نفسية وحربا نفسية ضد إسرائيل؟
العمليات النفسية هي جزء من مجموعة أدوات وإجراءات يمكن لأي دولة تنفيذها، وتُعدّ واحدة من وسائل التأثير المتاحة، إذا تأملنا في الأمر، نجد أن معظم دول العالم — من أمريكا وأوروبا إلى تركيا والدول العربية وأمريكا اللاتينية وإسرائيل — تملك آليات تعتمد عليها النخب السياسية، والمثقفون، ووسائل الإعلام، والرأي العام، من أجل كسب العقول والقلوب.
وهذا يتم ضمن برامج طويلة الأمد تُصنّف ضمن الدبلوماسية العامة والموجهة إلى الشعوب والمجتمعات.
أما إيران، فإما أنها لم تملك هذا السلاح من الأساس، أو أساءت استخدامه، أو — على العكس — عملت ضد مصلحتها به، فإيران لا تملك لوبيا فاعلا في المجتمع الدولي، ولم تدعم أنصارها أو المؤيدين لها، سواء من الإيرانيين أو غير الإيرانيين، بل تركت هذا المجال مفتوحا أمام أعدائها.
من الطبيعي أنه إذا أرادت إيران أن تتعلّم من التجربة التي مرّت بها، ومن العدوان الذي شنّه المعتدون عليها، فعليها أن تعتمد خطة طويلة الأمد، لا سريعة النتائج، بل قائمة على الصبر والتخطيط العميق والدقيق والواسع.
يجب أن تأخذ الدبلوماسية العامة على محمل الجد، وأن تركز على التأثير في الرأي العام العالمي، وفي وسائل الإعلام، والنخب، وصنّاع القرار، العمليات النفسية التي أشرتم إليها تُعد جزءا من هذا المسار.
بهذا النهج، يمكن لإيران أن تدّعي أنها ستنجح على المدى المتوسط والبعيد، أما من دون ذلك، فإن خوض معركة كسب العقول والرأي العام الدولي، واللعب بورقة الحرب النفسية، لن يأتي بنتيجة بين ليلة وضحاها.
الأمر يتطلب تخطيطا استراتيجيا بعيد المدى يبدأ بإعطاء ثماره تدريجيا في المدى المتوسط، ليبلغ ذروته في المدى البعيد، وهذا بالطبع لا يمكن أن يتحقق إلا بتغيير في السياسات الداخلية والخارجية، بما يشمل تعديلات سياسية واستراتيجية على المستويين الداخلي والإقليمي والدولي.
هل تعتقد أن العمليات النفسية يجب أن تكون هجومية أم دفاعية؟
إذا نُفذت بشكل صحيح، فهي الاثنين معا، إسرائيل تمارس هذا الأسلوب منذ سنوات، جزء من هذه العمليات يجب أن يُخطط له مسبقا على المدى الطويل وبصورة هجومية، وهذا بطبيعة الحال لا يعطي نتائجه بين ليلة وضحاها، لكنه يكون مؤثرا على المدى البعيد.
أما الجزء الآخر، فيتعلق بالأحداث المفاجئة وغير المتوقعة، والتي يمكن اتخاذ قرارات للتعامل معها حسب الموقف، لذلك، ووفقا للظروف والقضايا المختلفة، ينبغي أن تكون العمليات النفسية هجومية ودفاعية في آن واحد.
لا يجوز أن ننتظر دائما حتى يقع الهجوم لنفكر في الدفاع، بل لا بد من المبادرة والاستباق في هذا المجال، ومع ذلك، هناك أوقات تفرض فيها الضرورة أن تكون العملية دفاعية بطبيعتها.

