من دعم الاحتجاجات إلى فتح قنوات التفاوض…تطور الموقف الأمريكي من إيران

Image

في خضم تصاعد التوتر بين واشنطن وطهران، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الإثنين 12 يناير/ كانون الثاني 2025، أن إيران قد تقدمت بطلب لبدء مفاوضات جديدة مع الولايات المتحدة بشأن برنامجها النووي، مؤكدا أن قنوات الاتصال فتحت خلال الأيام الأخيرة وأن التحضيرات لعقد اجتماع محتمل بين الجانبين جارية، الإعلان الذي يأتي في توقيت حساس يتزامن مع اضطرابات داخلية واسعة في إيران وتحركات عسكرية أمريكية لافتة في المنطقة.

Image

وأوضح ترامب، في تصريحات أدلى بها على متن الطائرة الرئاسية، أن طهران أبدت رغبتها في الحوار بعد فترة من الضغوط المتزايدة، مشيرا إلى أن هذا الطلب لا يعني بالضرورة تراجع واشنطن عن سياساتها الحالية، لافتا إلى أن الولايات المتحدة تتعامل مع هذه المبادرة بحذر، في ظل استمرار التطورات الميدانية داخل إيران وخارجها.

كما أكد الرئيس الأمريكي أن خيار اللقاء مع المسؤولين الإيرانيين لا يزال مطروحا، لكنه في الوقت نفسه شدد على أن الإعداد للاجتماع لا يقيد واشنطن عن اتخاذ قرارات أخرى إذا رأت أن الظروف تفرض ذلك، مصرحا أن أي حوار محتمل يجب أن يفهم في إطار أوسع يشمل سلوك إيران الإقليمي والداخلي، وليس الملف النووي وحده.

Image

وفي هذا الشأن، كانت صحيفة وول ستريت جورنال قد أفادت نقلا عن مسؤولين أميركيين، بأن الرئيس الأميركي يعتزم عقد اجتماع يوم الثلاثاء 13 يناير/ كانون الثاني بحضور كبار مسؤولي إدارته لبحث خيارات محددة للرد على الاحتجاجات في إيران، وذكرت الصحيفة أن الاجتماع سيتناول دراسة خطوات محتملة لاحقة، من بينها تنفيذ ضربات عسكرية، واستخدام أسلحة سيبرانية سرية ضد أهداف عسكرية ومدنية داخل إيران، وفرض عقوبات إضافية على الحكومة الإيرانية، إلى جانب تعزيز الموارد والتيارات المناهضة للحكومة في الفضاء الإلكتروني.

Image

من جانبه، قال عباس عراقجي، وزير الخارجية الإيراني، في تصريحات له خلال اجتماع مع سفراء الدول الأجنبية المقيمين في طهران الإثنين 12 يناير/ كانون الثاني أن بلاده مستعدة للحرب وللتفاوض في آن واحد، وأكد عراقجي أن طهران لا تسعى إلى الحرب، لكنها جاهزة لها بالكامل، مشددا في الوقت نفسه على استعداد بلاده للدخول في مفاوضات، شرط أن تكون عادلة، قائمة على المساواة في الحقوق، وتحكمها قاعدة الاحترام المتبادل.

Image

وفي سياق متصل، اعتبر عراقجي أن الاحتجاجات الواسعة التي تشهدها إيران تحولت إلى مواجهات عنيفة ودامية بهدف توفير ذريعة لتدخل عسكري أمريكي، مشيرا إلى أن مستوى العنف ازداد خلال عطلة نهاية الأسبوع، كذلك حمل عراقجي تهديدات ترامب مسؤولية تفاقم العنف، قائلا أن من وصفهم بجماعات إرهابية استغلت الوضع لاستهداف المحتجين وقوات الأمن، مؤكدا امتلاك طهران تسجيلات تظهر توزيع أسلحة بين المتظاهرين.

تعليقا على ذلك، يرى مراقبون أن تلك التصريحات تعكس محاولة الإدارة الأمريكية الجمع بين مسارين متوازيين، أولهما إبقاء باب الدبلوماسية مفتوحا، وثانيهما الاستمرار في ممارسة الضغوط السياسية والأمنية، فواشنطن، بحسب الخطاب الرسمي، ترى أن التفاوض لا يمكن أن يكون بديلا عن معالجة ما تصفه بمخاوفها إزاء تصرفات طهران في الداخل والخارج، كذلك فإن إعلان الاستعداد للتفاوض في هذا التوقيت قد يهدف إلى إرسال رسالة مزدوجة، مفادها أن الولايات المتحدة لا ترفض الحلول السياسية، لكنها في المقابل لن تتعامل مع الحوار باعتباره تنازلا أو تراجعا عن أدوات الضغط المتاحة لديها. وهو ما يفسر الربط المتكرر في تصريحات ترامب بين المفاوضات المحتملة واستمرار دراسة خيارات أخرى.

Image

تصريحات ترامب حول المظاهرات والرسائل الموجهة إلى طهران

بالتوازي مع الحديث عن المفاوضات، كانت لهجة الرئيس الأمريكي أخذت في التصاعد تجاه ما يجري داخل إيران، خصوصا فيما يتعلق بالمظاهرات والاحتجاجات الواسعة التي شهدتها مدن عديدة منذ انطلاقها في 30 ديسمبر/ كانون الأول 2025، حيث وصف ترامب التطورات بأنها تعكس حالة غضب شعبي متزايدة، مشيرا إلى أن الإدارة الأمريكية تتابع ما يحدث عن كثب.

فخلال الأيام الماضية، أطلق الرئيس الأمريكي سلسلة تصريحات حذر فيها من استخدام العنف ضد المتظاهرين، معتبرا أن أي تصعيد أمني داخلي ستكون له تبعات سياسية وأمنية، وقال إن على قادة إيران تجنب إطلاق النار وقمع المتظاهرين الذي يمارسونه كلما دعت الحاجة، مضيفا أن استمرار سقوط الضحايا قد يدفع الولايات المتحدة إلى اتخاذ خطوات أشد.

Image

كما ربط ترامب موقفه من الاحتجاجات بالحديث عن الخطوط الحمراء، مشيرا إلى أن تجاوزها قد يغير طبيعة التعامل الأمريكي مع طهران، وأكد أن الجيش الأمريكي يدرس الوضع، وأن الخيارات المطروحة تشمل مجموعة واسعة من الإجراءات، من دون الدخول في تفاصيل دقيقة حول طبيعتها أو توقيتها.

وفي سياق متصل، أعلن الرئيس الأمريكي أنه على تواصل مع أطراف معارضة للحكومة الإيرانية، دون أن يكشف عن طبيعة هذه الاتصالات أو مستواها، وقد أثار هذا الإعلان تساؤلات حول حدود الدور الأمريكي في الملف الداخلي الإيراني، وما إذا كان هذا التواصل يندرج ضمن الدعم السياسي أو يتجاوز ذلك إلى أشكال أخرى.

كذلك تطرق ترامب إلى مسألة قطع الإنترنت داخل إيران، معتبرا أن هذه الخطوة تهدف إلى عزل المحتجين ومنع وصول المعلومات إلى الخارج، وأشار إلى أنه يدرس سبل المساعدة في إعادة خدمات الاتصال، في إطار ما وصفه بدعم حرية التعبير وتداول المعلومات.

ورغم حدة هذه التصريحات، حرص الرئيس الأمريكي في أكثر من مناسبة على التأكيد أن واشنطن لا تسعى إلى التصعيد من أجل التصعيد، بل إلى تغيير السلوك، وفق تعبيره، ومع ذلك، فيرى الخبراء أن استخدامه لغة تهديدية واضحة قد شكل أحد أبرز ملامح الموقف الأمريكي خلال المرحلة الأخيرة.

موقف الإدارة الأمريكية…هل تنوي واشنطن دخول حرب مع طهران؟

على مستوى الإدارة الأمريكية ككل، يبدو الموقف أكثر توازنا وحذرا مقارنة بالتصريحات الرئاسية المباشرة، فالتقارير الصادرة عن مؤسسات إعلامية وتحليلية أمريكية تشير إلى أن واشنطن تدرس طيفا واسعا من الخيارات، لكنها لم تحسم قرارها باللجوء إلى عمل عسكري واسع النطاق، كما تشير أن التحركات العسكرية الأمريكية الأخيرة في المنطقة، بما في ذلك تعزيز الوجود الجوي واللوجستي، تندرج في إطار سياسة ردع واستعداد، وليس بالضرورة تمهيدا لحرب برية شاملة، فغياب مؤشرات رئيسية، مثل نقل وحدات مدرعة كبيرة أو تعبئة شاملة للقوات، يعزز هذا التقدير.

كما تشير التحليلات إلى أن الإدارة الأمريكية تدرك تعقيدات أي مواجهة عسكرية مع إيران، سواء من حيث الجغرافيا أو القدرات العسكرية أو التداعيات الإقليمية، ولذلك، فإن الخيار العسكري، رغم حضوره في الخطاب، لا ينظر إليه كخيار أول، بل كأداة ضغط أخيرة.

وفيما يتعلق بسؤال الحرب، يرى محللون أن إدارة ترامب تميل إلى استخدام التهديد العسكري كوسيلة ردع ورسالة سياسية، أكثر من كونها خطة عمل فورية، فالرئيس الأمريكي، المعروف بأسلوبه التصعيدي في الخطاب، غالبا ما يوظف لغة القوة لتحسين شروط التفاوض أو لفرض وقائع سياسية.

Image

ومع ذلك، يحذر مراقبون من أن استمرار التوتر وارتفاع مستوى التصريحات قد يزيد من مخاطر سوء التقدير أو وقوع حوادث غير محسوبة، سواء عبر أطراف إقليمية أو من خلال أخطاء ميدانية، وهو ما يجعل المشهد قابلا للتطور في اتجاهات متعددة.

في المحصلة، يمكن القول إن الموقف الأمريكي من المظاهرات في إيران يقوم على مزيج من الدعم السياسي العلني، والضغط الدبلوماسي والاقتصادي، والاستعداد العسكري الاحترازي، مع إبقاء خيار التفاوض حاضرا، أما الحرب الشاملة، فرغم تداولها في الخطاب والتحليلات، لا تزال حتى الآن احتمالا نظريا أكثر منها قرارا وشيكا.

وبين عرض التفاوض والتلويح بالقوة، تواصل واشنطن إدارة الأزمة بأسلوب يهدف إلى تحقيق أكبر قدر من النفوذ بأقل كلفة ممكنة، في انتظار ما ستسفر عنه التطورات داخل إيران وعلى طاولة السياسة الدولية.

كلمات مفتاحية: