إيران في العناوين: رسائل الردع “العابر للمنطقة” وهندسة الحلف الشرقي

كتب: الترجمان

تعكس عناوين الصحف الإيرانية الصادرة اليوم الخميس 21 مايو/أيار 2026، مشهدا سياسيا وعسكريا بالغ الكثافة والتعقيد، يتداخل فيه البعد الإقليمي الساخن مع التوجهات الاستراتيجية الدولية لطهران. ويأتي صدور هذا العدد متزامنا مع الذكرى السنوية الثانية لضحايا طائرة الرئيس الراحل إبراهيم رئيسي ومرافقيه، حيث أفردت الصحف بمختلف توجهاتها ومشاربها السياسية مساحات واسعة لمأسسة “النموذج الإداري والثوري” للرئيس الراحل، مستندة إلى التوجيهات وبيانات الطمأنينة الصادرة عن المرشد الأعلى الثابتة خلف غطاء الردع الميداني.

وعلى الصعيد الخارجي، تبرز لغة “الردع العسكري العابر للمنطقة” كقاسم مشترك حاسم بين الصحف الأصولية وتلك المحسوبة على الحرس الثوري بينما تسلط الصحف المعتدلة والإصلاحية والاقتصادية الضوء على “الدبلوماسية الشرقية متعددة الأبعاد”، متمثلة في القمة الروسية الصينية الأخيرة في بكين كأداة دولية لإعادة توازن القوى، بالتزامن مع رصد مؤشرات الاستقرار المالي الداخلي وانتعاش بورصة طهران رغم التحديات الهيكلية في قطاعات الطاقة.

“الحرس الثوري” يحذر: ردع يتجاوز المنطقة وإعادة الأعداء إلى صوابهم

تصدر مانشيت صحيفة “خراسان” الأصولية عنوان حاسم: “پاسخ، فراتر از منطقه” (الرد، أبعد من المنطقة)، مشيرة إلى التحذير الصادر عن الحرس الثوري الإيراني بأن أي حرب إقليمية يتم التلويح بها أو مغامرة عسكرية تستهدف سيادة البلاد، ستواجه برد صارم لن يقتصر على النطاق الجغرافي للمنطقة، بل سيمتد مع تكرار التجاوزات إلى ما هو أبعد من ذلك بكثير. 

وفي السياق نفسه، وتحت عنوان “الگوی تلاش خستگی‌ناپذیر برای ملت” (نموذج الجهد الدؤوب من أجل الأمة)، نقلت الصحيفة بيان المرشد الأعلى بمناسبة ذكرى شهداء الخدمة، واصفا فترة رئاسة إبراهيم رئيسي بأنها مقياس للتفاني والحرص على استقلال البلاد وثباتها.

Image

من جانبها، قدمت صحيفة “جوان” (المحسوبة على الحرس الثوري) قراءة شديدة الصرامة للمشهد الميداني عبر مانشيت ضخم ومصمم بصريًا بخريطة طبوغرافية مجسمة للممرات المائية الحيوية: “به خاك سياه‌تان می‌نشانیم” (سندفنكم في التراب الأسود)، وإلى جواره عنوان فرعي حاد: “سپاه هشدار جنگ فرامنطقه‌ای داد” (الحرس الثوري يوجه تحذيرًا من حرب عابرة للمنطقة). 

ونقلت الصحيفة تصريحات رئيس البرلمان، محمد باقر قاليباف، التي أكد فيها أن “الأعداء يخطئون تمامًا في تقدير الموقف إذا اعتقدوا أن الضغوط الاقتصادية والنفسية ستجبر إيران على الاستسلام”، متوعدًا بأن الرد العسكري الإيراني جاهز تماما لإعادة تدوير حسابات الخصوم وجعلهم يندمون على أي تعرض لأمن البلاد.

Image

وفي ذات معسكر الردع، ركزت صحيفة “قدس” على البعد الروحي والشعبي للرئيس الراحل، مصدرة صفحتها الأولى بصورة بارزة للرئيس رئيسي وهو يصلي في الروضة الرضوية بضريح الإمام علي بن موسى الرضا في مدينة مشهد تحت مانشيت: “خادم الرضا ومحبوب جمهور” (خادم الرضا ومحبوب الشعب)، معتبرة أن التلاحم بين القيادة والشعب هو الركيزة الأساسية التي حطمت تهديدات الأعداء، ومبرزة في الوقت ذاته التحذير العسكري المشترك تحت عنوان: “هشدار جنگ فرامنطقه‌ای” (تحذير من حرب عابرة للمنطقة).

Image

وفي سياق ترسيخ هذه القوة، جاء مانشيت صحيفة “كيهان” الأصولية ليعلن بوضوح: “تجاوز اگر تکرار شود جنگ را به فراتر از منطقه می‌کشانیم” (إذا تكرر العدوان، فسننقل الحرب إلى أبعد من المنطقة). وأشارت الصحيفة إلى الجاهزية العالية لـ القوات المسلحة في البر والبحر، معتبرة أن أي حماقة يرتكبها الأعداء ستعني فتح جبهات غير متوقعة تتجاوز الحدود التقليدية للصراع، مبرزة في محورها الميداني تعزيز الأسطول الداخلي للإغاثة عبر لفتة لوجستية تمثلت في إضافة 200 سيارة و400 دراجة نارية لـ الهلال الأحمر لرفع درجة الجاهزية في عموم المحافظات.

Image

إرث “رئيسي” داخليا: معيار الدولة الثورية

من زاوية تعبئوية واجتماعية لافتة، أفردت صحيفة “همشهري” (التابعة لبلدية طهران) صفحتها الأولى بالكامل تقريباً لتخليد ذكرى الرئيس الراحل، متخذة من تصريحات المرشد الأعلى مانشيتا رئيسيا باللون الأصفر العريض: “شهید رئیسی؛ معيار خدمت” (الشهيد رئيسي؛ معيار الخدمة). وربطت الصحيفة عبر شبكة مفاهيمية مصورة بين أسلوب إدارة رئيسي وبين خمسة أركان أساسية حددتها كنموذج للدولة:

  • الشعبية: عبر اللقاءات الميدانية المباشرة والعيش البسيط والالتحام بالقواعد الشعبية.
  • المسؤولية :  بالتواجد في قلب الأزمات والمتابعة اللصيقة للمشاريع التنموية في المحافظات.
  • الدبلوماسية النشطة والنافعة: من خلال تعزيز سياسة الجوار، والاتحاق بالتكتلات الكبرى مثل “بريكس” ومنظمة “شانغهاي”.
  • الروحانية : المتمثلة في الإخلاص والعمل الجهادي لرضا الله.
  • تمكين الشباب: بإفساح المجال للجيل الجديد من الكوادر المتخصصة لإدارة مفاصل الدولة.

تسييل القوة: تحركات مجلس الشيوخ الأمريكي وتحذيرات الدبلوماسية المعتدلة

على الجانب الآخر، ركزت صحيفة “جمهوري إسلامي” المعتدلة على المسارات القانونية والدبلوماسية لتطويق التصعيد، وجاء مانشيت صفحتها الأولى ليعلن: “تصویب طرح محدودسازی اختیارات جنگی ترامپ در سنای آمریکا و محکومیت حملات نظامی آمریکا و اسرائیل به ایران توسط روسیه و چین” (تصويت مجلس الشيوخ الأمريكي على مشروع قانون يحدد صلاحيات ترامب الحربية ضد إيران، وإدانة الهجمات العسكرية الأمريكية والإسرائيلية على إيران من قبل روسيا والصين).

وأبرزت الصحيفة التحركات الدولية الداعمة للموقف الإيراني، مشيرة إلى أن التراجع الأمريكي الحذر يعود إلى قيود تشريعية داخل واشنطن وإدراك دولي لخطورة الموقف، دون أن تغفل الإشارة إلى تحذير سپاه الصارم عاقبة أي مغامرة طائشة.

Image

أما صحيفة “مردم سالاري” الحزبية، فقد ناقشت المشهد من زاوية التناقضات السياسية والتحركات الإقليمية، متسائلة في مانشيت عريض: “معجزه قرن یا معمار شکاف؟” (معجزة القرن أم مهندس الانشقاق؟) في قراءة نقدية لبعض التحركات السياسية الداخلية، ومبرزة من جهة أخرى تحذيرات قاليباف بأن “العدو يبحث عن دورة جديدة من الحرب”، بالتزامن مع رصد تأثيرات الحصار البحري المحتمل على الاقتصاد العالمي جراء التوترات في الممرات المائية الحيوية.

Image

التعددية القطبية و”تناغم الشرق” في مواجهة الغرب

شكلت القمة الروسية الصينية الأخيرة مادة دسمة للتحليل واستشراف المستقبل في الصحف المعتدلة والإصلاحية كأداة ردع دبلوماسية وسياسية موازية للردع العسكري في الميدان.

حيث أفردت صحيفة “اطلاعات” العريقة صفحتها الأولى لتحليل الخيارات الاستراتيجية لطهران تحت مانشيت رئيسي: “گزینه‌های جدید ایران برای مقابله با تهاجم دشمن” (خيارات إيران الجديدة لمواجهة عدوان العدو)، مستعرضة آراء خبراء ومحللين يؤكدون أن طهران تمتلك أوراقًا سياسية وعسكرية غير تقليدية لإجهاض المخططات الغربية. وفي أعلى الصفحة، أبرزت الصحيفة الموقف المشترك لبكين وموسكو تحت عنوان: “سران چین و روسیه: حمله به ایران نقض قوانین بین‌المللی است” (قادة الصين وروسيا: الهجوم على إيران انتهاك للقوانين الدولية).

Image

وفي السياق الاستراتيجي ذاته، جاء مانشيت صحيفة “إيران” الحكومية ليركز على التمدد الآسيوي في مواجهة الهيمنة الغربية، واضعة صورة ضخمة للرئيسين الصيني والروسي تحت عنوان: “نقشه راه مسکو و پکن برای نظم چند قطبی” (خارطة طريق موسكو وبكين لنظام متعدد الأقطاب). وربطت الصحيفة بين هذا التحالف وبين استقرار الأمن الإقليمي، معتبرة أن تعزيز العلاقات الشرقية يمثل حائط صد منيع أمام الطموحات العسكرية للإدارة الأمريكية الحالية.

Image

من جهتها، وصفت صحيفة “اعتماد” الإصلاحية هذا الحراك الشرقي بـ “همگرایی جبهه شرق” (تقارب جبهة الشرق)، مشيرة في تحليلها إلى أن الصين وروسيا وإيران يقفون اليوم في جبهة تنسيقية متقدمة لمواجهة الضغوط الأمريكية، معتبرة أن هذا التقارب يعيد صياغة موازين القوى في منطقة غرب آسيا والعالم بأسره.

Image

الجبهة الاقتصادية: البورصة تتنفس الصعداء وأجراس إنذار في قطاع الطاقة

على الجانب التحليلي والاقتصادي، اتخذت صحيفة “دنيای اقتصاد” (اليومية الاقتصادية الأبرز) مسارا واقعيا يناقش التحديات الهيكلية الداخلية بعيدا عن الخطاب الحماسي المحض. 

وجاء مانشيت الصحيفة الرئيسي ليطلق جرس إنذار بنيوي للمسؤولين: “سیگنال غلط به سرمایه‌گذاران برق” (إشارة خاطئة للمستثمرين في قطاع الكهرباء)، متسائلة في عنوان فرعي: “چرا تولید برق پاسخگوی مصرف‌کنندگان نیست؟” (لماذا لا يلبي إنتاج الكهرباء احتياجات المستهلكين؟). وانتقدت الصحيفة السياسات التسعيرية وهيكلية الاستثمار التي تحول دون جذب الرساميل الحيوية لتطوير البنية التحتية الحساسة للطاقة وسط أجواء التوتر الإقليمي.

ومع ذلك، رصدت الصحيفة مؤشرا إيجابيا على صعيد المال والاستثمار تحت عنوان: “احیای امید در بورس تهران” (إحياء الأمل في بورصة طهران)، مشيرة إلى أن سوق الأوراق المالية بدأ يتنفس الصعداء ويستعيد توازنه تدريجيا عقب استيعاب الصدمات السياسية الخارجية، مما يعكس مرونة نسبية في مواجهة أجواء الحرب وتراجع حدة القلق من اندلاع مواجهة عسكرية وشيكة.

Image

توضح جولة الصحافة الإيرانية الشاملة اليوم أن طهران، بجميع تياراتها السياسية والمهنية، صاغت معادلة ردع موحدة ومعلنة ركيزتها: “أي مواجهة عسكرية قادمة لن تكون محلية أو محصورة، بل ستكون عابرة للمنطقة وبأدوات غير تقليدية يفرضها الميدان”.

وبينما يتولى الجناح الأصولي والعسكري (خراسان، وجوان، وقدس، وكيهان) تصدير لغة القوة والقبضة الحديدية مستندا إلى إرث رئيسي التعبوي وتوجيهات القيادة العليا لتمتين الجبهة الداخلية، يتحرك الجناح المعتدل والإصلاحي والاقتصادي (جمهوری اسلامی،و اطلاعات، واعتماد، ودنیای اقتصاد) لتسييل هذه القوة ميدانيا ودولياً. 

ويتم ذلك عبر الاستناد إلى مظلة التحالفات الشرقية المتقدمة (موسكو وبكين) وبناء نظام متعدد الأقطاب يحجم اندفاعة التهديدات الأمريكية ويوفر غطاء سياسيا يسمح للداخل الإيراني بالالتفات إلى معالجة الملفات الاقتصادية الحيوية، وإحياء مؤشرات البورصة والأسواق المالية تحت لواء الواقعية السياسية وحسابات الميدان المعقدة.