- زاد إيران - المحرر
- 356 Views
تشهد العلاقات بين الولايات المتحدة وإيران مرحلة شديدة التعقيد، تتداخل فيها مظاهر التصعيد العسكري مع مؤشرات حذرة على عودة المسار الدبلوماسي. ففي الوقت الذي تصاعد فيه الخطاب الأمريكي المهدد، مدعوما بتحركات عسكرية وحشود بحرية في منطقة الخليج، برزت بالتوازي إشارات متزايدة توحي بإمكانية إعادة فتح قنوات التفاوض بين الطرفين بعد سنوات من الجمود والتوتر. هذا التناقض بين منطق القوة ومنطق التفاوض أعاد الملف الإيراني الأمريكي إلى صدارة الاهتمام السياسي والإعلامي، باعتباره أحد أخطر ملفات الاستقرار الإقليمي والدولي.
اللافت في المرحلة الراهنة أن الحديث عن التفاوض لم يعد مجرد تسريبات أو تحليلات إعلامية، بل بات يستند إلى تصريحات رسمية وشبه رسمية، إضافة إلى تحركات دبلوماسية نشطة تقودها أطراف إقليمية فاعلة مثل تركيا وقطر ومصر، مع دور تقليدي أقل بروزا لسلطنة عمان، فيما تحدثت تقارير غربية وإقليمية عن استعداد أمريكي للقاء مسؤولين إيرانيين، مقابل دراسة إيرانية محتملة لفكرة المفاوضات المباشرة، في تحول ملحوظ مقارنة بمواقف سابقة كانت تستبعد هذا الخيار تماما، ليتوج كل ذلك بإعلان إيراني رسمي باحتمال بدء جولة جديدة من المفاوضات.
في المقابل، استمر الخطاب الأمريكي المزدوج، الذي يجمع بين الدعوة إلى اتفاق مقبول والتحذير من عواقب عسكرية قاسية في حال فشل المسار الدبلوماسي، ما عمق حالة عدم اليقين داخليا وخارجيا، داخل إيران، انعكس هذا الغموض في انقسام واضح بين من يرى في اللحظة الحالية فرصة أخيرة لتجنب مواجهة خطيرة، ومن يعتبر أن التلويح بالتفاوض ليس سوى أداة ضغط لفرض تنازلات إضافية.
التحركات الإقليمية والدولية… دبلوماسية متعددة المسارات لتفادي الانفجار
حسب خبراء، فإن أحد أبرز سمات المرحلة الراهنة هو بروز ما يمكن وصفه بالدبلوماسية الشبكية أو متعددة المسارات، حيث لم يعد التفاوض، أو التمهيد له، مقتصرا على قناة واحدة، بل يجري عبر شبكة من الوسطاء الإقليميين والدوليين، لكل منهم وظيفة محددة في المعادلة، فبحسب تقارير، تلعب تركيا دور المنصة السياسية المحتملة لأي لقاء مباشر، مستفيدة من علاقاتها المتوازنة نسبيا مع كل من طهران وواشنطن، إضافة إلى موقعها الجيوسياسي وعلاقاتها مع حلف شمال الأطلسي.
في هذا الإطار، اكتسبت زيارة وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي الأخيرة إلى أنقرة أهمية خاصة، لا سيما في ظل تصريحاته التي أكد فيها استعداد إيران لحوار متكافئ ومحترم وخال من الإملاءات، مع التشديد في الوقت نفسه على أن نطاق أي تفاوض محتمل يجب أن يقتصر على الملف النووي، دون التطرق إلى القدرات الصاروخية أو القضايا الإقليمية. هذا الموقف يعكس ثبات الخطوط الحمراء الإيرانية، لكنه في الوقت ذاته يفتح نافذة تفاوضية محددة المعالم، وهو ما ينسجم مع المقاربة التركية القائمة على فصل الملفات والبدء بالمسار النووي كمدخل لخفض التوتر.

إلى جانب تركيا، برز الدور القطري بوصفه حلقة وصل مالية وسياسية حساسة، فقد أشارت تقارير عديدة إلى أن الدوحة تضطلع بدور محوري في ملف الأصول الإيرانية المجمدة، والتي ينظر إليها داخل طهران كاختبار عملي لجدية أي مسار تفاوضي. زيارة رئيس الوزراء ووزير الخارجية القطري الأخيرة إلى طهران الأحد الأول من فبراير/ شباط 2026، وإن كانت قصيرة ومحدودة التصريحات، أضافت إلى مناخ التكهنات حول نقل رسائل مباشرة من واشنطن إلى القيادة الإيرانية، خصوصا في ظل خبرة قطر السابقة في إدارة قنوات اتصال معقدة بين أطراف متخاصمة.

أما مصر، فقد طرحت بوصفها وسيطا محتملا في ملف العلاقة بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية، في محاولة لإعادة بناء الثقة الفنية التي تضررت بشدة خلال السنوات الماضية. في المقابل، حافظت روسيا على موقعها كضامن تقني محتمل في حال التوصل إلى تفاهم حول نقل جزء من اليورانيوم عالي التخصيب، وهو ما يمنح موسكو دورًا تنفيذيًا مباشرًا يتجاوز الوساطة السياسية التقليدية.


هذا التداخل في الأدوار يعكس، حسب قراءات إيرانية وغربية، إدراكا إقليميا ودوليا متزايدا بأن أي فشل في احتواء الأزمة قد يقود إلى مواجهة واسعة تتجاوز حدود إيران والولايات المتحدة، وتمتد تداعياتها إلى أسواق الطاقة والاستقرار الإقليمي. لذلك، تبدو هذه الدبلوماسية متعددة المسارات محاولة جماعية لإدارة الوقت، وتخفيف منسوب المخاطر، وخلق مساحة تفاوضية قبل الوصول إلى ساعة الصفر الإقليمية التي يخشاها الجميع.
الدولة الإيرانية والمؤسسات الرسمية… براجماتية حذرة وخطوط حمراء ثابتة
على مستوى الدولة الإيرانية، فيمكن رصد مقاربة تقوم على مزيج من البراجماتية الحذرة والتشدد المبدئي، فالتصريحات الأولية الصادرة عن وزارة الخارجية، ولا سيما على لسان المتحدث الرسمي إسماعيل بقائي، تؤكد أن طهران لا ترفض الدبلوماسية من حيث المبدأ، لكنها تشدد على أن أي مسار تفاوضي يجب أن يستند إلى رفع العقوبات بوصفه أولوية أساسية، وأن يتم في إطار احترام متبادل ومن دون تهديد أو ضغط. التصريحات اللاحقة، والتي صدرت الإثنين 2 فبراير/ شباط 2026، التي أفادت بصدور أمر رسمي من الرئيس الإيراني، مسعود بزشكيان، باستئناف المفاوضات النووية مع الولايات المتحدة واحتمال لقاء بين شخصيتان من الجانبين، والتي ترجح القراءات أنهم عراقجي وستيف ويتكاف، مبعوث ترامب لشئون الشرق الأوسط، تأتي كحلقة أخرى من المقاربة نفسها.


إلا أن الأمر ليس بيد الحكومة الإيرانية ورئيسها وحدها، ففي هذا السياق، تلعب المؤسسات السيادية، وعلى رأسها المجلس الأعلى للأمن القومي، دورا مركزيا في ضبط إيقاع الرسائل السياسية، فتغريدة لاريجاني، التي تعدت المليون مشاهدة وآلاف المشاركة خلال ساعات من نزولها، لم تكن مجرد تعليق عابر، بل جاءت في توقيت محسوب، بعد سلسلة تحركات إقليمية، وقبل تصاعد محتمل في التهديدات. وهي بذلك تمثل، وفق قراءة العديد من المحللين، رسالة مزدوجة، رسالة إلى الخارج مفادها أن طهران منفتحة على مسار تفاوضي منظم، ورسالة إلى الداخل تؤكد أن الدولة ما زالت تمسك بزمام المبادرة ولا تنجرّ إلى منطق الحرب.

في المقابل، لا تغفل الدولة الإيرانية عن أهمية الردع العسكري في دعم الموقف التفاوضي. فالرسائل غير المباشرة التي نقلت عبر وسائل إعلام أجنبية بشأن استعداد إيران لاستهداف قواعد أمريكية، وحتى واشنطن نفسها في حال وقوع هجوم، تعكس استراتيجية قائمة على الجمع بين الدبلوماسية والقوة. هذا النهج يهدف إلى منع الولايات المتحدة من الاعتقاد بأن طهران تسعى إلى التفاوض من موقع ضعف، وهو ما أكده أكثر من مسؤول عسكري وسياسي في تصريحات متفرقة.
الأصوليون والإصلاحيون… انقسام داخلي حول جدوى التفاوض وحدوده
داخل المشهد السياسي الإيراني، يتجلى انقسام واضح بين التيارات المختلفة بشأن فرضية التفاوض مع الولايات المتحدة، فالتيار الأصولي، الذي يمثله نواب وشخصيات مثل كامران غضنفري، عضو لجنة الشئون الخارجية في البرلمان الإيراني، يتخذ موقفا متشددا يربط أي حديث عن التفاوض بخطر الوقوع في فخ الضغوط الأمريكية. غضنفري يرى أن تراجع ترامب عن خيار الهجوم لم يكن نتيجة مرونة دبلوماسية، بل بسبب رسائل ردع واضحة أرسلها المسؤولون العسكريون الإيرانيون، محذرا من أن تصريحات بعض المسؤولين الحكوميين الضعيفة، على حد وصفه، قد تفسر في واشنطن بوصفها استعدادا لتقديم تنازلات.

فمن وجهة نظر هذا التيار، فإن التفاوض في ظل التهديد يعد خطأ استراتيجيا، لأن الولايات المتحدة، وفق قراءتهم، تستخدم الدبلوماسية كأداة لاستكمال ما فشلت في تحقيقه عبر التصعيد العسكري أو زعزعة الاستقرار الداخلي، لذلك، يركز الأصوليون على ضرورة الحفاظ على موقف صلب، وعدم إرسال إشارات متناقضة قد تُضعف موقع إيران التفاوضي أو تمس بما يعتبرونه كرامة وسيادة وطنية.

في المقابل، يتبنى الإصلاحيون مقاربة مختلفة، تقوم على اعتبار التفاوض أداة ضرورية لإدارة الأزمات وتخفيف الضغوط الاقتصادية والاجتماعية، فهؤلاء لا ينكرون مخاطر التفاوض مع واشنطن، لكنهم يرون أن البديل، وهو الانزلاق إلى مواجهة عسكرية أو استمرار العقوبات من وجهة نظرهم، أكثر كلفة على المدى المتوسط والبعيد. بعض الأصوات الإصلاحية تشير إلى أن تجربة السنوات الماضية أثبتت محدودية الرهان على الصمود وحده، وأن الدبلوماسية، رغم هشاشتها، تبقى المسار الأقل كلفة.

هذا الانقسام لا يعني بالضرورة صراعا مباشرا داخل مؤسسات الدولة، لكنه يعكس تنوعا في القراءات والتقديرات والذي في الغالب ما تحاول القيادة الإيرانية احتوائه عبر خطاب جامع يؤكد الثوابت الوطنية، مع ترك هامش للمناورة السياسية. غير أن حساسية المرحلة الراهنة تجعل أي تصريح أو خطوة محسوبة بدقة، لأن انعكاساتها لا تقتصر على الداخل، بل تمتد إلى حسابات الطرف الأمريكي وحلفائه.
بين الواقعية السياسية وتشاؤم التجربة
إلى جانب المواقف الرسمية والحزبية، تبرز تحليلات خبراء ودبلوماسيين سابقين تقدم قراءة أكثر توازنا للمشهد، فصباح زنكنه، الدبلوماسي الإيراني الأسبق، يرى أن نجاح أي تفاوض مشروط بوجود شعور نسبي بالعدالة لدى الطرفين، وهو ما يفتقده المسار الحالي بسبب فجوة كبيرة بين المطالب الغربية والوقائع الميدانية. فمن وجهة نظره، فإن الإصرار على مطالب غير متوازنة، مثل خفض جذري للقدرات النووية دون رفع ملموس للعقوبات، يجعل أي اتفاق مستدام أمرا شبه مستحيل.

زنكنه يشدد أيضا على أن أزمة الثقة تشكل العائق الأكبر أمام أي تقدم، فانسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي السابق ترك أثرا عميقا في الوعي السياسي الإيراني، وجعل طهران أكثر حذرا تجاه أي وعود جديدة، وفي المقابل، يرى أن واشنطن بدورها تتذرع بعدم الثقة لتبرير الضغوط، ما يخلق حلقة مفرغة لا يمكن كسرها إلا عبر خطوات عملية متبادلة، تبدأ برفع جزئي أو مرحلي للعقوبات.
في السياق ذاته، يشير محللون دوليون، مثل دنيس سيترونوفيتش، إلى أن الدول الإقليمية باتت تدرك أن أي حملة عسكرية ضد إيران ستؤدي إلى تصعيد خارج السيطرة، ما يفسر اندفاعها نحو دعم مسار تفاوضي، ولو محدود. هؤلاء يرون أن الهدف الواقعي في المرحلة الراهنة ليس التوصل إلى اتفاق شامل، بل وقف التصعيد وشراء الوقت عبر تفاهمات مرحلية.
سيناريوهات مفتوحة بين التفاوض والتصعيد
في ضوء كل ما سبق، يمكن القول إن احتمالات التفاوض بين الولايات المتحدة وإيران باتت أكثر حضورا من أي وقت مضى، لكنها لا تزال، حتى في حالة عقدها، محاطة بهشاشة شديدة. فالمسار الدبلوماسي يتحرك في حقل ألغام سياسي وأمني، حيث يمكن لأي خطأ في الحسابات أو تغير مفاجئ في المواقف أن يعيد الأزمة إلى مربع التصعيد.

الداخل الإيراني يعكس هذا التعقيد بوضوح، فالدولة تحاول إدارة التوازن بين الردع والدبلوماسية، أصوليون يحذرون من الانخداع بلغة التفاوض، إصلاحيون يرون في الحوار مخرجا من الضغوط الخانقة، وخبراء يؤكدون أن أي نجاح مشروط بخطوات متبادلة تعيد الحد الأدنى من الثقة. وبين هذه المواقف المتباينة، يبقى السؤال مفتوحا، هل ستنجح دبلوماسية الدقيقة التسعين كما تدعوها الصحف الإيرانية في تجنيب المنطقة مواجهة مدمّرة، أم أننا أمام هدنة مؤقتة تسبق جولة جديدة من الصراع؟

