- زاد إيران - المحرر
- 685 Views
أجرت وكالة أنباء “خبر أونلاين” الإيرانية المحافظة، المحسوبة على مكتب علي لاريجاني، الثلاثاء 25 يوليو/تموز 2025، حوارا مع السياسي والدبلوماسي الإيراني نصرت الله تاجيك، حول تداعيات حرب الـ12 يوما بين إيران وإسرائيل، وواقع السياسة الخارجية الإيرانية في مرحلة ما بعد الحرب، وسط حالة من الغموض والتوتر مع الغرب، وفي ما يلي نص الحوار:
هل تعتقد أن وقف إطلاق النار الحالي مستقر، أم أن إسرائيل فعلا تُعيد بناء قدراتها العسكرية تمهيدا لهجوم جديد كما يرى بعض المحللين؟
نعم إن الخوف الشعبي من هجوم وشيك من إسرائيل والولايات المتحدة تصاعد بسبب تحركات البنتاغون الأخيرة، مثل نقل طائرات التزود بالوقود إلى الخليج، وبينما قد تكون هذه التحركات تمهيدا لهجوم أو وسيلة للضغط على إيران، فإن نتيجتها الأهم هي خلق حالة من الضبابية والقلق داخل إيران.
وهذا الغموض أثار تساؤلات حول هشاشة وقف إطلاق النار وإمكانية الدخول في سلام مسلح، وبدأ يؤثر سلبا على الاقتصاد والمجتمع وحياة الناس اليومية، وبغضّ النظر عن المسؤول عن الوصول إلى هذه المرحلة، فإن استمرار حالة عدم اليقين يضر بإيران، والقلق المستمر من هجوم محتمل يزيد الأعباء النفسية والمعيشية، وقد تكون له آثار مدمّرة على المدى البعيد.
إن الاتفاق المحتمل يعتمد على طبيعة المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة، ومدى وضوح الأضرار التي لحقت بالمنشآت النووية، إلى جانب شكل التعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية والمفاوضات مع أوروبا، خاصة في ما يخص آلية الزناد، لذا، من الضروري تحليل العوامل التي تعزز استمرار وقف إطلاق النار وتلك التي تضعفه، دراسة أوزانها لتحديد الاتجاه المرجح بين الاستمرار والتصعيد، وذلك بنهج علمي يقدّر الكلفة والفائدة بدقة.
ما تفسيرك لإجراءات أوروبا ضد إيران؟ فقد حدّدت أوروبا مهلة لطهران حتى نهاية شهر أغسطس/آب 2025، ورغم هذا التهديد، شهدنا انعقاد مفاوضات في إسطنبول؟
إن مفاوضات إيران في إسطنبول كانت استمرارا لجولات سابقة دون جدول أعمال واضح، وسط قطيعة سياسية ودبلوماسية بين الطرفين يتحمل كلاهما مسؤوليتها، ولكسر الجمود، يجب استخدام تقييمات قانونية لسحب أوراق الضغط من أوروبا، وأهمها التعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
ورغم قرار إيران بسحب المفتشين، فإن عودتهم ستكون مفيدة إذا تم الحصول على مكاسب مقابل ذلك، تؤكد إيران عدم عسكرة برنامجها النووي، مما يجعل السماح بعودة المفتشين ورقة تفاوضية قوية، لذا، من غير المتوقع أن تحقق مفاوضات إسطنبول نتائج ملموسة أو تغييرات جوهرية.
أشرت إلى أن أوروبا تتحمّل جزءا من المسؤولية، هل يمكنكم توضيح ذلك أكثر؟
إن الهدف الأساسي لأوروبا من البقاء في الاتفاق النووي كان استخدام أداة آلية الزناد كوسيلة ضغط قانونية، وفي المرحلة الأولى، كان هناك تعاون فعلي بين إيران والوكالة الدولية وأوروبا، لكن بعد انسحاب ترامب، فقدت أوروبا استقلالها وظلت تحت تأثير واشنطن.
ولم تحقق إيران ما كانت تأمله ماليا وتنفيذيا، إذ لم تلتزم أوروبا بتعهداتها بعد انسحاب أمريكاـ لذلك، فإن بقاء أوروبا في الاتفاق يهدف للحفاظ على ورقة الضغط القانونية لإعادة فرض العقوبات، ويجب أن يكون هناك نقاش عميق حول هذا الواقع.
كما ينبغي مناقشة موضوع التزام أوروبا بالاتفاق النووي في مراكز الفكر والجامعات ووسائل الإعلام من زوايا مختلفة، خاصة مع شكوك إيران حول اعتبار أوروبا طرفا فعليا بسبب عدم التزامها بتعهداتها، مما يجعلها لا تختلف كثيرا عن الولايات المتحدة المنسحبة رسميا.
ويجب الانتباه لمحور ثالث يتمثل في أن العقوبات السابقة فُرضت على الملف النووي، في حين أن الولايات المتحدة شنت هجمات دمرت منشآت نووية، ولم تدن أوروبا ذلك بل أيدته ضمنيا، مما يقلل من موضوعية إعادة فرض العقوبات عبر آلية الزناد، لذلك، من المهم تحويل هذه النقاشات إلى خطاب عام متعدد المستويات في الأوساط الأكاديمية والمؤسسات ووسائل الإعلام، لإنتاج محتوى يتماشى مع مراحل تسوية النزاعات في الاتفاق النووي.
إن لكل مرحلة من مراحل تفعيل آلية الزناد مسار خاص يبدأ بعرضها على خبراء ونواب وزراء الخارجية ثم الوزراء واللجنة الاستشارية، ويجب إعداد محتوى قانوني قوي يدعم الطعن في شرعيتها وعدم إظهارها كأمر محسوم. 
ومع ذلك، لا بد من اتخاذ خطوات أخرى لأن القضية الأساسية هي التفاوض مع الولايات المتحدة، وبعد استهداف الولايات المتحدة للمنشآت النووية الإيرانية خلال المفاوضات، ينبغي علينا مراجعة موقفنا واتباع نهج جديد بدلا من التمسك بالرفض.
بعض وسائل الإعلام المحسوبة على التيارات المتشددة في إيران تقول إن التفاوض فخ لشنّ هجوم جديد على إيران، ما تفسيرك لهذا التحليل؟
إيران ليست مسؤولة عن إدارة المجلات المتشددة أو التيارات المرتبطة بها، ولا بأس في التعبير عن آراء مختلفة كجزء من المجتمع السياسي النشط فيها، لكن أصحاب القرار في النظام لا يصغون لهذه الأصوات لأنهم يعرفون كيفية إدارة شؤون إيران، وخاصة إذا كان القرار مبنيا على المساءلة وتحمل المسؤولية، فالصحف المتشددة تغير مواقفها باستمرار وتستغل ضعف ذاكرة الناس، وتتهرب من تحمل المسؤولية عند محاسبتها.
والأهم هو سياسة الدولة وقرارات المسؤولين، لأن بقاء النظام مرتبط بذلك، فالهجوم الإسرائيلي استهدف إسقاط النظام وتفكيك إيران، وكان يأمل في إثارة فوضى تؤدي إلى حرب أهلية وتقسيم إيران، وفي هذا الواقع، يجب التفكير بعقلانية وعدم التقدم بشعارات متطرفة أو تخوين، لأن هذا لا يحقق أي نتيجة.
هل يمكن، في ظل إصرار كل من إيران والولايات المتحدة على مطالبهما، أن نأمل بإمكانية فتح باب التفاوض؟
إن التفاوض لا يتعارض مع الحرب، بل قد يكون وسيلة لإنهائها بأقل تكلفة ممكنة، وفي ظل التحديات التي تواجهها إيران، تظل الدبلوماسية والتفاوض من أفضل الخيارات المتاحة، والمهم ليس ما إذا كان التفاوض يُفهم كضعف، بل كيف نجتاز هذه المرحلة بأقل الخسائر وبأعلى قدر من الكفاءة، من خلال تحقيق توازن بين الواقعية ومتطلبات الموقف الدبلوماسي.
والتفاوض لا يعني توقف العسكريين عن أداء دورهم، بل أن تعمل الدبلوماسية بالتوازي مع الجاهزية العسكرية، ففي الحرب التي استمرت 12 يوما، رافقت الدبلوماسية الميدان، مع توقع دائم لاحتمال هجوم مفاجئ من الولايات المتحدة، لذلك، لا بد من الحفاظ على استعداد عسكري ودبلوماسي متزامن، ومن الضروري البقاء على طاولة التفاوض وعدم الانسحاب منها.
كما أن وضع الشروط المسبقة ليس خيارا مناسبا؛ والأهم هو تحديد جدول أعمال واضح لما نريده من المفاوضات، والاتفاق على منح الدبلوماسية فرصة حقيقية، فإذا توفرت الإرادة لدى الطرفين، فلا حاجة للشروط، ويمكن حينها تحقيق نتائج إيجابية، ونحن نعرف طبيعة الولايات المتحدة وسجلها في عدم الالتزام، ونتعامل مع هذا الواقع منذ عقود.
وما حدث من هجوم مفاجئ خلال مفاوضات ما قبل الحرب التي استمرت 12 يوما كان نتيجة تجاهل هذا السلوك، وهو خطأ لا ينبغي تكراره، ولكن لا يصح تعميم تلك التجربة ورفض التفاوض بدعوى أنهم سيخدعوننا مجددا، فنحن نعرفهم جيدا اليوم، ومن هنا، يجب إعطاء فرصة للوسطاء، الذين نجحوا في كسر حالة الجمود وإعادة الطرفين إلى طاولة الحوار.
وعلينا تقييم ما يمكن تقديمه من تنازلات مقابل ما يمكن تحقيقه من مكاسب، بواقعية بعيدا عن المثالية؛ فالسعي لتحقيق أهداف كاملة لا ينسجم مع الواقع الحالي، خاصة بعد تضرّر قوة الردع الإقليمية لإيران، ومن المهم أن نُدرك ما إذا كان من المنطقي التمسك بالمواقف القصوى، أم أن هناك فرصة للتوصل إلى تسوية مقبولة.
وهذا النقاش يجب أن يُطرح داخل إيران ويتحول إلى خطاب وطني، ليمنح الدبلوماسيين الإيرانيين قاعدة دعم قوية تمكّنهم من خوض مفاوضات فعالة، بشرط وجود انسجام داخلي سياسي وتنفيذي.
هل ستقوم إيران، في ظل الظروف الراهنة، بتغيير عقيدتها في الردع والتوجه نحو خيارات مثل تصنيع السلاح النووي أو الانسحاب من معاهدة عدم الانتشار؟
في ظل الوضع الحالي في إيران، من المستبعد اتخاذ قرارات كبرى مثل تغيير عقيدة الردع، خاصة في ظل العجز عن اتخاذ حتى قرارات بسيطة بسبب الترهل الإداري والتداخل في إدارة إيران، فالمشكلة لا تكمن فقط في النظام السياسي، بل في آلية اتخاذ القرار المجزأة والمعقدة.
ونحن نعيش حالة من انعدام القرار، ولا أوافق على الرأي القائل إن إيران بصدد تغيير استراتيجيتها الردعية، إذ لا توجد مؤشرات واضحة على ذلك حتى الآن، وحالة الغموض النووي الراهنة قد تؤثر لاحقا في ترجيح هذا الاحتمال، سلبا أو إيجابا.
هل يمكن اعتبار التحليل القائل إن الهدف من السيطرة الإسرائيلية على سوريا هو فتح ممر بري نحو العراق ثم إيران، تحليلا واقعيا وقابلا للتحقق في الظروف الراهنة؟
في رأيي، ترتكز سياسة إسرائيل، على خلق الفوضى في محيطها لإشغال جيرانها بأنفسهم عبر التفكك أو الحروب الأهلية، مما يمنحها أعلى درجات الأمن، أما الهجوم البري الإسرائيلي، فلا يبدو عمليا، إذ لا حاجة حقيقية له في ظل امتلاكها قدرات متقدمة في الصواريخ، والقذائف، و التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، ولا يتوقع أن ترسل قوات إلى إيران أو العراق، أو تحتاج للسيطرة على سوريا والعراق لهذا الغرض.
كما أن إسرائيل تفتقر للقدرة على تنفيذ مخطط بهذا الحجم بسبب تنوعها العرقي ومشكلاتها الداخلية، ما يصعّب الحفاظ على الانسجام الداخلي، وقد أثبتت خلال 75 عاما أنها تعتمد على ضربات قصيرة المدى وسريعة، كما في الحرب التي استمرت 12 يوما، حيث سعت منذ البداية لحسم سريع، وقبولها بالهدنة كان نتيجة عدم توافق إطالة الحرب مع استراتيجيتها الخاطفة، ولهذا لا أتفق مع التحليل القائل بنيّتها تنفيذ هجوم بري واسع.
في حال اندلاع حرب جديدة ضد إيران، من هم الحلفاء المحتملون؟ وما أدوار باكستان، والصين، وروسيا؟ وماذا عن مواقف دول الخليج وتركيا؟ وكيف تُفسَّر صفقات السلاح مع الصين؟
في حال وقوع هجوم جديد، من غير المتوقع أن تحظى إيران بدعم حقيقي من أي حليف، والوضع سيبقى كما كان، ورغم إمكانية الاستفادة من حرب الأيام الـ12، لا توجد مؤشرات على تغير في الأداء الاستراتيجي أو التكتيكي، فالشعب هو الركيزة الأساسية، لكنه لم يُقدَّر بالشكل الكافي بعد الحرب، رغم دوره الحاسم، وكان الأجدر الاستجابة لمطالبه لتعزيز الرضا العام، لكن ذلك لم يُؤخذ على محمل الجد.
من المستبعد أن يتجاوز دعم باكستان، والصين، وروسيا ما قدّموه خلال حرب الأيام الـ12، والذي اقتصر على مواقف سياسية ولفظية، وينطبق الأمر ذاته على دول الخليج وتركيا، باعتبارهم منافسين لإيران ويتمنون إضعافها.
والجدير بالذكر أن شراء الأسلحة من الصين يظل محاطا بالغموض والتردد الاستراتيجي، ولا يوجد وضوح بشأن استعداد الصين للبيع، كما أن غياب قرار حاسم لتقوية الدفاعات الجوية والبحرية يثير تساؤلات، يُفترض أن تجيب عنها الجهات العسكرية، فقد تكون إيران قد طلبت بالفعل، لكنها لم تتلقَ ردا إيجابيا حتى الآن.
ومع ذلك، وردت تقارير من مصادر صينية وغير صينية تشير إلى أن إيران لم تُظهر جدية كافية في ملف شراء الأسلحة، لكن الجهات الرسمية لم توضح ما إذا كانت قد بادرت فعليا، أو لم تتحرك أصلا، أو أنها حاولت ولم تتلقَّ ردا، ما يُبقي المسألة غير واضحة حتى الآن.
ورغم ظهور بعض التسريبات حول تحرّكات محتملة، إلا أنها تفتقر للوضوح، ولم تقدم الجهات الرسمية أي توضيح للرأي العام بشأن ما جرى فعليا.
ومن المهم أن تُطرح هذه القضايا للنقاش العام، لأنها تعبّر عن تساؤلات حقيقية لدى المواطنين وتستحق إجابات صريحة، وهذا الغموض يعكس ضعفا واضحا في إدارة الملف الإعلامي، وهو من أبرز نقاط الضعف التي تؤثر على صورة إيران، ويُضاف إلى ذلك تأثير الجهاز الإداري المترهل، الذي يزيد من تعقيد الأوضاع ويُبطئ الاستجابة للتحديات.
ما هو توقّعكم لمستقبل إيران في ظل الوضع الراهن؟ وما الاستراتيجية التي توصي بها المسؤولين عن الملف الدبلوماسي؟
رغم تضرر جانب مهم من عقيدتنا الدفاعية، خاصة في ما يتعلق بالردع الإقليمي، ما زالت لدينا أوراق قوة حقيقية، فالفوضى التي خلّفتها إسرائيل في سوريا تمثل فرصة يمكن استغلالها دبلوماسيا بدلا من المواجهة العسكرية المباشرة، عبر بناء توافقات وتحالفات مع دول عربية وإقليمية، وحتى بعض الدول الغربية الرافضة للتصرفات الإسرائيلية، يمكننا تسليط الضوء على مخاطر الدور الإسرائيلي في زعزعة التوازن الداخلي بسوريا.
ومن خلال هذا الحراك الدبلوماسي وتعبئة الرأي العام باستخدام القوة الناعمة، يمكن لإيران استعادة جزء من قوة الردع المفقودة، لكن عبر أدوات دبلوماسية هذه المرة.

