العودة بعد 20 عاما.. ما تأثير تولي لاريجاني مسؤولية “مجلس الدفاع” على مستقبل الأمن القومي؟

كتب: ربيع السعدني 

في خطوة أثارت زخما سياسيا واسعا، أصدر الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، مرسوما رئاسيا يعيد تعيين السياسي المخضرم علي لاريجاني أمينا عاما للمجلس الأعلى للأمن القومي، ليعود بقوة إلى صدارة المشهد السياسي الإيراني، هذا القرار لم يكن مجرد تعيين روتيني، بل إشارة قوية إلى إعادة تشكيل الاستراتيجيات الأمنية في زمن التحديات الإقليمية والدولية المتصاعدة. 

وفي خطوة بارزة تعكس رؤية استراتيجية، أصدر المرشد الإيراني، علي خامنئي، مرسوما رسميا بتعيين لاريجاني ممثلا له في المجلس الأعلى للأمن القومي، وجاء في نص المرسوم: “بسم الله الرحمن الرحيم، نظرا لتولي علي أحمديان منصبا حكوميا رفيعا، أعين علي لاريجاني ممثلا للقيادة في المجلس الأعلى للأمن القومي، استنادا إلى المادة 176 من الدستور”.

لاريجاني، الذي يحمل في جعبته عقودا من الخبرة السياسية والإدارية، يستعد الآن لقيادة واحدة من أهم المؤسسات في البلاد، في خطوة تؤكد ثقة القيادة في قدراته على مواجهة التحديات المستقبلية، خلفا لـ علي أكبر أحمديان الذي عُين بموجب مرسوم رئاسي، من الرئيس مسعود بزشكيان، مبعوثا خاصا له ورئيسا للهيئة المعنية بتطوير الخطط الوطنية والاستراتيجية في البلاد.

من هو علي لاريجاني؟

علي أردشير لاريجاني، المولود في عام 1953 في مدينة النجف الأشرف، ليس مجرد اسم في الساحة السياسية الإيرانية، بل رمز للثبات والتأثير. 

نشأ في عائلة دينية مرموقة، حيث كان والده، آية الله ميرزا هاشم آملي، مرجعا دينيا بارزا، وينحدر من منطقة لاريجان في محافظة مازندران، تزوج لاريجاني في عام 1977 من فريدة مطهري، ابنة العالم الديني البارز مرتضى مطهري، ورُزق بأربعة أبناء: فاطمة وسارة ومرتضى ومحمد رضا.

حياته الأكاديمية لم تكن أقل تميزا، حيث حصل على بكالوريوس في علوم الحاسوب من جامعة شريف للتكنولوجيا، وتابع دراسته العليا في الفلسفة بدرجتي الماجستير والدكتوراه من جامعة طهران، كما أثرى المكتبة الفكرية بكتب ومقالات حول فلسفة كانط ومواضيع سياسية وفكرية، مما جعله محاضرا جامعيا مرموقا.

من الحرس الثوري إلى قلب السلطة

بدأ لاريجاني مسيرته في الحرس الثوري عام 1982، حيث شغل مناصب عليا مثل نائب قائد الحرس ورئيس أركانه. 

لاحقا، تولى منصب وزير الثقافة والإرشاد الإسلامي في حكومة هاشمي رفسنجاني، ثم ترأس هيئة الإذاعة والتلفزيون الإيرانية من 1993 إلى 2004، خلال هذه الفترة، أسس قنوات بارزة مثل قناة العالم والكوثر، وساهم في إنتاج أعمال درامية تاريخية مثل “ولاية عشق” و”مريم العذراء”، مما عزز الرواية الثقافية الإيرانية.

ترشح لاريجاني للرئاسة في الانتخابات الرئاسية عام 2005، وحصل على المركز السادس في التصويت ثم عُيّن أمينا للمجلس الأعلى للأمن القومي، حيث قاد المفاوضات النووية الإيرانية حتى استقالته عام 2007 بسبب خلافات مع الرئيس أحمدي نجاد، لكنه عاد بقوة كرئيس للبرلمان، من 2008 إلى 2020، حيث لعب دورا محوريا في تمرير الاتفاق النووي عام 2015، لاحقا ترشح للرئاسة عامي 2015 و2016، لكن مجلس صيانة الدستور لم يُصادق على مؤهلاته.

في 28 مايو/أيار 2020، تلقى قرارا آخر من قائد الثورة بتعيينه مستشارا، كما تم تعيينه عضوا في مجمع تشخيص مصلحة النظام. وساهم في صياغة الاتفاقية الاستراتيجية مع الصين لمدة 25 عاما.

عودة إلى المشهد الأمني

تعيين لاريجاني أمينا للمجلس الأعلى للأمن القومي في أغسطس/آب 2025 لم يكن مفاجئا تماما، فقد أشارت تقارير وكالة أنباء فارس مطبع الشهر الجاي إلى هذا التوجه، لكن التوقيت يحمل دلالات عميقة، حيث تأتي هذه الخطوة وسط تصاعد التوترات الإقليمية، خصوصا بعد الحرب القصيرة التي استمرت 12 يوما مع الكيان الإسرائيلي، وزيارته الأخيرة إلى موسكو ولقاؤه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في يوليو/ تموز 2025 أظهرت دوره الحاسم كمبعوث استراتيجي، حيث نجح في دفع ملفات حساسة على الساحتين الإقليمية والدولية.

في لقاءاته العامة واجتماعاته، شدد على أهمية تفادي الصراعات غير المبررة، داعيا إلى الاعتماد على العقلانية والحوار لحل التحديات الأمنية وفي ختام مفاوضات مكثفة مع أوروبا، بقيادة خافيير سولانا، مسؤول السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي آنذاك، تم التوصل إلى مشروع اتفاقية تتضمن 11 بندا، لكن أحمدي نجاد عارض هذا الاتفاق علنا وبشدة، مما دفع لاريجاني إلى تقديم استقالته ومع استمرار التوترات، تصاعدت الضغوط والعقوبات حتى انتهاء فترة إدارة أحمدي نجاد.

دور استراتيجي في زمن التحديات

لاريجاني، المعروف بقدرته التحليلية ومهارته في إدارة الأزمات، يواجه الآن مسؤولية ضخمة، وفقا للمرسوم الرئاسي، يُطلب منه مراقبة قضايا الأمن القومي، مع التركيز على التهديدات الناشئة والتكنولوجية، وإعادة صياغة المفاهيم الاستراتيجية بنهج ذكي وشعبي. 

الهدف؟ 

تحقيق أمن مستدام يحمي الثورة، ويصون المصالح الوطنية، ويعزز السيادة الإيرانية.

مرسوم رئاسي يرسم الطريق

نص المرسوم الرئاسي، الصادر باسم الرئيس مسعود بزشكيان، يعكس رؤية طموحة:

“بسم الله الرحمن الرحيم

علي أردشير لاريجاني،

بناء على المادة 176 من الدستور، وبفضل التزامكم وخبرتكم الإدارية العميقة، يُعيَّنكم أمينا للمجلس الأعلى للأمن القومي.. نأمل منكم، بالتوكل على الله وبالتعاون مع أعضاء المجلس، أن تراقبوا قضايا الأمن القومي بعناية، مع التركيز على التهديدات الناشئة، وإعادة صياغة الاستراتيجيات بنهج ذكي يتماشى مع توجيهات المرشد الأعلى، لضمان أمن مستدام على المستويات الوطنية والإقليمية والدولية”.

تأييد من القيادات

لم يتأخر التهاني بالتدفق، حيث كتب مستشار المرشد الأعلى للشؤون الدولية، علي أكبر ولايتي، على منصة “إكس”:

“تعيين علي لاريجاني خطوة استراتيجية في وقت حساس. خبرته وتعليمه يعكسان بصيرة النظام، وسيسهم في تقدم الأمن القومي”.

ونقلت وكالة أنباء الطلبة الإيرانية “إيسنا” عن نصير زاده وزير الدفاع ودعم القوات المسلحة في رسالة تهنئة وجهها إلى لاريجاني وصفها بأنها خطوة رائدة ولعب أدوار: “أتقدم بأحر التهاني على تعيينكم المستحق أمينا للمجلس الأعلى للأمن القومي، وهو قرار يعكس ثقة النظام في سجلكم المتميز وتفانيكم الثوري ورؤيتكم الاستراتيجية”.

وأضاف، إن “خبرتكم السياسية ونظرة الثاقبة ستشكلان إضافة مهمة لهذا المنصب الحيوي”، واختتم الوزير رسالته متمنيا للاريجاني التوفيق والنجاح تحت القيادة الحكيمة للقائد الأعلى.

وفي رسالة تهنئة للدكتور علي لاريجاني، كتب إسكندر مؤمني، وزير الداخلية: “إن وجودكم في هذا المنصب سيساهم بشكل كبير في تعزيز أسس الأمن والمصالح الوطنية وتحقيق الأهداف السامية للنظام المقدس لإيران”، وأكد محمود واعظي، نائب الأمين العام لحزب الاعتدال والتنمية: “إن الروح الحزبية والنهج المعتدل للاريجاني سيكون مصدر تطور إيجابي في عملية صنع القرار المستقبلية لأمانة المجلس الأعلى للأمن القومي”.

وأفادت وكالة الأنباء الإيرانية الرسمية (إرنا) بأن وزير الخارجية عباس عراقجي أرسل رسالة رسمية إلى لاريجاني، أكد فيها استعداده الكامل، إلى جانب فريق وزارة الخارجية، للتعاون الوثيق معه لتعزيز المصالح الوطنية وأمن إيران، ودعم هيبتها وتقدمها على الساحة الدولية.

وفي رسالته، عبّر عراقجي عن تقديره للتعيين المستحق للاريجاني، مشيدا بالدور الحيوي الذي سيلعبه في قيادة المجلس، كما أشاد بالجهود المتميزة للسيد علي أكبر أحمديان، سلف لاريجاني في المنصب، متمنيا له دوام الصحة والعافية. وأكد عراقجي التزام وزارته بالعمل جنبا إلى جنب مع الأمين العام الجديد، لاسيما في مجال الدبلوماسية والسياسة الخارجية، لتحقيق أهداف إيران الاستراتيجية وتعزيز مكانتها العالمية.

كما اعتبر المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي، تعيين علي لاريجاني أمينا للمجلس الأعلى للأمن القومي قرارا يصب في صالح البلاد ورفاهيتها، قائلا: “نعتقد أن كل قرار يتخذه أركان النظام هو بالتأكيد قرار يصب في صالح البلاد ورفاهيتها”. 

وفي إشارة إلى رسالة التهنئة التي وجهها عراقجي بهذه المناسبة، وصف خامنئي لاريجاني بأنه “شخصية متعلمة وذات خبرة عالية ومختبرة للبلاد” و”رجل محترم”، وأعرب عن أمله في أن يساعد وجوده في تعزيز أهداف البلاد وضمان الأمن القومي. 

تتطلب قضايا الأمن القومي والملفات الحساسة قرارات دقيقة ومتناغمة، حيث يمكن لخبرة لاريجاني العميقة ومعرفته الواسعة أن تشكل محورا حاسما في تعزيز كفاءة إدارة هذه المجالات وبفضل سجله البارز في التعامل مع الملف النووي والدبلوماسية الإقليمية، من المتوقع أن يركز بشكل أكبر على صياغة سياسات استراتيجية تحقق التوازن بين القوة الصلبة والناعمة في ميدان الأمن القومي، يعكس ذلك نهجه المتمرس كسياسي يجيد التفاعل مع مكونات النظام، مستخدما أدوات متنوعة للتعامل ببراعة مع الأطراف الخارجية.

قائد في مواجهة العواصف

مع عودته إلى منصب أمين المجلس الأعلى للأمن القومي، يواجه لاريجاني تحديات معقدة، من التوترات الإقليمية إلى التهديدات التكنولوجية. 

لكنه، بتاريخه الحافل وخبرته الواسعة، يبدو جاهزا لقيادة المجلس نحو تحقيق رؤية إيران للأمن المستدام، زياراته الأخيرة إلى سوريا ولبنان، ودوره في سرد أحداث الحرب الأخيرة، تؤكد قدرته على الجمع بين الدبلوماسية الذكية والتحليل الاستراتيجي.

عودة الأسطورة السياسية
تعيين علي لاريجاني ليس مجرد تغيير إداري، بل عودة لشخصية سياسية استثنائية، تمتلك القدرة على تشكيل المستقبل الاستراتيجي لإيران، بينما يتولى قيادة المجلس الأعلى للأمن القومي، يترقب العالم كيف سيساهم هذا القائد المحنك في تعزيز مكانة إيران في عالم مضطرب.