- زاد إيران - المحرر
- 116 Views
كتب: الترجمان
أثار المقال الذي نشره وزير الخارجية الإيراني الأسبق محمد جواد ظریف في مجلة فورین أفيرز عاصفة سياسية وإعلامية غير مسبوقة داخل إيران وخارجها. فالمقال الذي تضمن خارطة طريق من 25 بندا – 12 التزاما إيرانيا و13 مطلبا من الولايات المتحدة – لإنهاء الحرب والتوصل إلى وقف دائم لإطلاق النار، لم يُقرأ بوصفه مجرد مبادرة دبلوماسية، بل تحوّل إلى ساحة اشتباك بين رؤيتين متعارضتين: هل هو “فخ تاريخي” نُصب لواشنطن؟ أم إشارة ضعف في ذروة المواجهة؟
التفاعلات التي أعقبت نشر المقال كشفت عن انقسام عميق في تقييم معنى “الدبلوماسية” في زمن الحرب، وحدود النقد الداخلي، وسؤال من يملك حق الحديث باسم المصلحة الوطنية.

الداخل الإيراني… بين دبلوماسية الاستجداء واتهام الإشارة إلى الضعف
لم يكد الحبر الذي كُتب به المقال يجف، حتى بدأت موجة عاتية من الهجوم الداخلي تقودها التيارات الراديكالية والمحافظة المتشددة. لم يكن الهجوم نقديا بالمعنى السياسي التقليدي، بل اتخذ طابعا أمنيا وعاطفيا حادا.
أشد الانتقادات جاءت من التيار الأصولي المتشدد. فقد هاجم حسین شریعتمداری، رئيس تحرير صحيفة کیهان، المقال بلهجة حادة، واعتبره نموذجا لما وصفه بـ“دبلوماسية الاستجداء”، في تعارض – بحسب رأيه – مع نهج “العزة والمقاومة”.
أما رجل الدين والمنشد المعروف سعید حدادیان فذهب أبعد من النقد السياسي، إذ منح ظريف “مهلة ثلاثة أيام” للتراجع، ملوّحا بالتحرك أمام منزله، في خطاب وُصف بأنه تصعيدي وغير مسبوق في حدته.
ولم تتوقف الأمور عند حدود الخطاب، إذ أُحرقت فتاة صورة ظريف في أحد التجمعات، مع إطلاق شعارات من قبيل “الموت للمساوم”.

المعترضون قدّموا عدة مبررات لرفضهم المبادرة وهي على النحو التالي:
- إرسال إشارة ضعف في لحظة توازن عسكري حساس: إذ رأى بعضهم أن الحديث عن “أفضل توقيت للسلام” يوحي بأن إيران تخشى تغيّر ميزان القوى لاحقا، ما قد يغري الخصم بالمزيد من التصعيد.
- إظهار انقسام داخلي: في وقت تؤكد فيه المؤسسة العسكرية والسياسية على “المقاومة”، فإن طرح مبادرة تفاوضية علنية قد يُفهم خارجياً بوصفه تبايناً في الموقف الوطني.
- عدم واقعية البنود: خصوصا ما يتعلق برفع كامل للعقوبات، وتعويضات، وربط إيران بالاقتصاد العالمي، وهي مطالب رأى منتقدون أنها غير قابلة للتحقق في ظل إدارة ترامب.
- غموض الالتزامات الأميركية: إذ اعتبر بعض المحللين أن التزامات إيران في المقترح واضحة وقابلة للقياس (خفض التخصيب، وقيود صاروخية…)، بينما التزامات واشنطن فضفاضة زمنيا وإجرائيا.
وفي السياق ذاته، كتب النائب السابق في البرلمان الإيراني نظام موسوی أن سياسة ظريف الخارجية طُبقت ثماني سنوات وأدت – حسب رأيه – إلى آليات ضغط كـ“آلية الزناد” وحربين لاحقتين، داعيا إياه إلى الصمت ثمانية أشهر “احتراما لخيار المقاومة”.

ارتدادات داخل التيار الأصولي… نقد للأسلوب لا للمضمون
اللافت أن موجة الاعتراض لم تسر في اتجاه واحد. فقد وجّهت شخصيات أصولية انتقادات حادة لأسلوب الهجوم على ظريف، حتى إن كانت لا تتبنى مواقفه.
كتب السیاسی والصحفی عبدالله كنجی أن من يدّعي الانتماء للثورة يجب أن ينتقد “من دون انفعال أو إهانة”، معتبرا أن التهديد والتشهير لا ينسجمان مع الأخلاق الدينية. كما حذّر منشدون آخرون، بينهم میثم مطیعی، من أن تضخيم الخلافات قد يفاقم الاستقطاب الداخلي.
بدوره، اعتبر حسام الدين آشنا أن “الاندفاع” و”اختطاف الشارع” لا يخدمان المصلحة الوطنية، داعيا إلى ضبط الخطاب العام وتجنب كلمات قد يُندم عليها لاحقا.
هذه المواقف تكشف أن الخلاف لم يعد فقط حول مضمون المقال، بل حول قواعد الاشتباك السياسي نفسها، وحدود النقد، ومخاطر تحويل السجال إلى صراع هوياتي في لحظة حساسة.
ظريف يرد… “لسنا دعاة انقسام بل كسر احتكار السردية”
في رسالة مفتوحة إلى الفتاة التي أحرقت صورته، أكد ظريف أن مبادرته لا تستهدف خلق انقسام داخلي، بل “إيصال صوت إيران إلى العالم وكسر الاحتكار الدعائي الإسرائيلي”. وأعاد التأكيد أن إيران “لم ولن تنحني”، جامعا بين مفردات الصمود والحديث عن السلام.
هذا الرد عكس محاولة لإعادة تأطير المبادرة باعتبارها جزءا من معركة أوسع على “الرواية”، لا تنازلا سياسيا. وهو ما يلتقي مع القراءة التي قدّمها بعض المحللين في الخارج.

ظريف يرفع سقف الخطاب: “مطالب إيران عادلة.. لا تهددوا الإيرانيين”
وفي سياق تصاعد السجال، وجّه محمد جواد ظريف رسالة حادة إلى من وصفهم بـ“المعتدين”، معتبرا أن “التهديد، وارتكاب جرائم الحرب، واللجوء إلى الألفاظ النابية والإهانات الرخيصة، ليست سوى تعبير عن عجز كامل”.
وأكد أن الإيرانيين، على امتداد تاريخهم، واجهوا كل أشكال العدوان، “حتى بأسلحتهم الشخصية”، في إشارة إلى استعداد مجتمعي يتجاوز الحسابات الرسمية. وشدد على أن “مطالب إيران عادلة ومعقولة، وعلى الآخرين احترامها قبل فوات الأوان”، مختتماً رسالته بوسم يحمل دلالة ردعية واضحة: “لا تهددوا الإيرانيين أبداً”.
بهذا الخطاب، لم يكتفِ ظريف بالدفاع عن مبادرته، بل أعاد تموضعها ضمن معادلة مزدوجة تجمع بين لغة الدبلوماسية ورسائل الصلابة الوطنية.
الخارج… “خطوة ذكية” و”فخ تاريخي”
على الضفة الأخرى، بدت القراءة مختلفة تماما. فقد اعتبر رئيس الوزراء ووزير الخارجية القطري الأسبق حمد بن جاسم آل ثاني أن طرح ظريف “ذكي”، لأنه يضع إيران في موقع المبادِر إلى الحل، ويلقي الكرة في ملعب واشنطن. ووفق هذا المنطق، فإن من يقدّم أول مقترح شامل يتحكم في سردية النقاش الدبلوماسي.
أما الاستراتيجي الأميركي دیمون هارت فذهب أبعد من ذلك، واصفا المقال بأنه “فخ للتاريخ”. تحليله استند إلى ثلاث نقاط رئيسية:
- تبخير الغطاء الدبلوماسي الأميركي: فإذا رفضت واشنطن عرضا مفصلا للسلام وردّت بالقوة، فإنها تخسر شرعيتها الأخلاقية أمام الرأي العام العالمي.
- صناعة وثيقة تاريخية: نشر المقترح في مجلة مرجعية يجعل منه “سندا” يمكن العودة إليه في أي تصعيد مستقبلي، لإثبات أن إيران عرضت مخرجا سياسيا.
- تحدي الرواية الغربية: عبر نقل إيران من موقع “مصدر عدم الاستقرار” إلى موقع “الطرف الباحث عن حل”.
من هذه الزاوية، لا يُقرأ المقال كاستجداء، بل كأداة “قوة ناعمة” ترفع كلفة أي هجوم محتمل على إيران.
بين الدبلوماسية والميدان… هل هو بيان عودة سياسية؟
في الداخل، طُرحت تساؤلات حول توقيت المقال: هل هو إعلان عودة سياسية لتيار التكنوقراط المرتبط بـ الرئيس الأسبق حسن روحانی؟ أم رسالة منسّقة لإيصال إشارة تفاوض إلى البيت الأبيض؟ أم مجرد اجتهاد شخصي؟
بعض القراءات رأت في المقال “مانيفستو” لتيار يؤمن بأن إنهاء الحرب يتطلب الجمع بين القوة العسكرية والنافذة الدبلوماسية. هذا الطرح عبّر عنه صراحة الكاتب والسياسي محمد قوجانی الذي حذّر من “تقليص المقاومة إلى حرب” و”تقليص السلام إلى استسلام”، مؤكداً أن الاستراتيجية الأنجح تقوم على تلازم “الميدان والدبلوماسية”.
قوجاني اعتبر أن هدف واشنطن ليس احتلال الأرض بل “احتلال الذهن”، وأن إطالة أمد الحرب قد تقلب ميزان الرابحين والخاسرين استراتيجياً. ومن هنا، فإن مبادرة ظريف – سواء اتُفق معها أم لا – تدخل في إطار معركة منع “الحرب الأبدية”.
جوهر الانقسام… صراع تعريفات
تكشف مجمل التفاعلات أن الخلاف لا يدور فقط حول بنود اتفاق افتراضي، بل حول تعريفات أساسية:
- هل الدبلوماسية في زمن الحرب أداة ردع أم علامة تراجع؟
- هل طرح مبادرة علنية يعزز الموقف التفاوضي أم يضعفه؟
- هل الأولوية لتوحيد الخطاب أم لتعدد الأصوات المتخصصة؟
المدافعون عن ظريف يرون أن تقديم حزمة شاملة ينقل إيران من موقع الدفاع إلى موقع المبادرة، ويصعّب على واشنطن بناء إجماع دولي ضدها. أما معارضوه فيخشون أن يُفهم ذلك كتنازل أو انقسام، بما يشجع الخصم على رفع سقف مطالبه.
فخ لواشنطن أم اختبار للوحدة الداخلية؟
سواء نجحت المبادرة في تغيير مسار الأحداث أم لا، فإنها حققت أمرا مؤكدا: أعادت فتح النقاش حول دور الدبلوماسية وحدودها في لحظة صراع مفتوح. المقال تحوّل من نص في مجلة دولية إلى اختبار داخلي لمفهوم “الوحدة الوطنية”، وإلى أداة في معركة السرديات بين طهران وواشنطن.
بين من يراه “فخا تاريخيا” يُدين خصوم إيران أمام العالم، ومن يراه “إشارة ضعف” في توقيت خاطئ، يبقى السؤال مفتوحا: هل ستُحسم المعركة في الميدان فقط، أم أيضا في صفحات المجلات ومنصات الرأي العام العالمي؟
في كل الأحوال، يبدو أن ظريف لم يكتب مقالا عاديا، بل ألقى حجرا في مياه راكدة، لتتكشف على سطحها كل التوترات الكامنة بين منطق الحرب ومنطق السياسة، وبين صراع البنادق وصراع الروايات.

