- زاد إيران - المحرر
- 437 Views
ترجمة: سارة شعبان المزين
أجرت وكالة “خبر أونلاين” الإيرانية، المحسوبة على مكتب علي لاريجاني، مستشار المرشد الأعلى، الثلاثاء 15 يوليو/تموز 2025، حوارا مع الدكتور مقصود فرستخواه، الخبير وأستاذ علم الاجتماع، حول تداعيات مشاعر التضامن الشعبي في الأزمات الأخيرة، محذرا من محاولات احتكار هذا التلاحم المجتمعي من قبل السلطة، ومؤكدا أن المرحلة الراهنة تتطلب مبادرات صادقة من الحُكم لإعادة بناء الثقة والاعتراف بالتنوع داخل المجتمع.
وفي ما يلي نص الحوار:
هل يعود عدم خروج الناس للاحتجاج خلال الحرب الأخيرة إلى السمة “المزدوجة” للمجتمع الإيراني التي تجمع بين التمسك بالبقاء والأمل في المستقبل، وهل كنتم تتوقعون هذا الموقف؟
برأيي، لم يكن سلوك المجتمع الإيراني خلال حرب الأيام الاثني عشر مفاجئا؛ فالمجتمع الإيراني يريد أن يعيش، ولذلك عندما واجه عدوانا عسكريا من قوة أجنبية، فعّل جهازه المناعي تلقائيا، وحاول أن يدافع عن نفسه من خلال التضامن والمشاركة والوحدة، إذ لم تكن هناك خيارات أخرى أمامه.
من وجهة نظر الباحثين إحدى تعريفات التنمية هي أن يكون لدى المجتمع درجة عالية من حرية الاختيار، أي أن تتوفّر له بدائل متعددة. لكن مجتمعنا من المجتمعات التي لا تملك الكثير من الخيارات، ولهذا فهو مضطر لأن يدافع عن نفسه، عن أرضه، عن ثقافته وتاريخه، وعن كيانه من أجل مستقبل أبنائه.
ومع ذلك، يجب ألا نبالغ في توصيف هذا الوضع، أو نذهب إلى الطرف الآخر من التقدير؛ فلا يزال المجتمع يحمل تباينات واختلافات في الرأي تجاه السياسات، لكن يمكن القول إن الناس قد توحّدوا في تنوّعهم.
وبالنظر إلى الطابع المتناقض (المزدوج) للمجتمع، يجب ألا نغفل عن جانبه الآخر؛ فلا يمكنني بصفتي باحثا أن أتجاهل ظاهرة مغادرة الناس للمدن، أو الإقبال الواسع على الشراء من المتاجر.
ومع كل ذلك، لا أزال أشعر بالأمل تجاه قيم التضامن، وأثمّن هذا الشعب الذي تجاوز الخلافات، وسعى بكل وعي للدفاع عن كيانه في وجه العدو الخارجي.

إذا كانت استجابة الناس خلال حرب الـ12 يوما شكّلت نوعا من التضامن، فما الذي يُتوقّع اليوم من الحُكم في تعامله مع هذا الشعب المتضامن؟
أنا دائما ما قلت إن كل نظام يحمل معه قدرا من القيود، لكنه في اللحظة ذاتها يوفّر إمكانيات أيضا. الناس يعلمون أن في داخل هذا النظام فرصة ممكنة، ولا يرغبون في تقويضه بالكامل حتى لا ينهار الأساس الذي يقفون عليه، رغم إدراكهم لوجود الكثير من القيود.
وفي ظل هذا الواقع، اختار الناس أن يتضامنوا، وأن يضعوا جانبا مشاعر الاستياء التي تراكمت لديهم خلال السنوات الماضية. الآن جاء دور الحُكم.
يجب على عقلاء الحكم أن يقدّموا المصلحة العامة على مصالحهم الخاصة، وأن يتحاورون في مختلف المستويات، من الخبراء إلى المسؤولين الكبار، وأن يعتمدوا على تقارير دقيقة لإنصاف الناس.
فعلى الحكم أن يُرسل إشارات صادقة وسريعة، وأن يمنح هذا التلاحم الشعبي معنى حقيقيا من خلال الاعتراف بالتنوّع الموجود في المجتمع.

إذا أردنا أن نتحدث بشكل ملموس عن “أداء حق الشعب”، فما الخطوات أو الإجراءات التي تشيرون إليها؟
في رأيي، أداء حق الشعب يبدأ قبل كل شيء بتفعيل الدبلوماسية العقلانية. القول إننا لا نتفاوض هو موقف عاطفي، بينما الشعوب المتقدمة وصلت إلى السلام من خلال التعقّل.
علينا أن نجمع الخبراء والمتخصصين، وأن نبحث سبل تحريك الدبلوماسية بشكل فعّال. في العلاقات الدولية، الصداقة والعداء يتغيران بناء على الأداء، وليس على مواقف جامدة.
ما تحتاجه الدولة الآن هو أن تفتح المجال لعقلاء المجتمع كي يشاركوا في منظومة صنع القرار، لأننا بحاجة إلى ردّ فعل عقلاني وسريع. المجتمع الإيراني في هذه اللحظة لا يحتمل التأخير أو التردد.
كذلك يجب إعادة النظر في ملفات الأشخاص الذين سُلبت حقوقهم أو سُجنوا ظلما. على السلطة القضائية أن تتعامل مع هذه القضايا باستقلالية تامة. صحيح أن هناك أصواتا متشددة، لكن لا بد من أن يكون هناك حضور فعّال للنخب العاقلة التي تستطيع أن توازن المشهد.
في هذا التضامن الشعبي الذي شهدناه، برز تنوّع كبير في أنماط الحياة والانتماءات. حتى الفتيات اللواتي لا يرتدين الزي الذي تفرضه بعض التيارات المتشددة شاركن في هذا التلاحم. تنوّع قومي، ديني، مذهبي، لغوي، وسياسي كان حاضرا، وهذا دليل على أن المجتمع توحّد رغم اختلافه.
المطلوب الآن هو أن تعترف الدولة بهذا الواقع، كما هو، بكل جماله وتعدّده، وأن تتوقف عن محاسبة الناس على ملبسهم أو أسلوب حياتهم. يجب أن يشعر الناس أن الدولة لم تعد في مواجهة مع تفاصيلهم اليومية.
كذلك من الضروري الاستفادة من الإيرانيين المقيمين في الخارج. لدينا كفاءات علمية واقتصادية ناجحة، والكثير منهم لا يزالون مرتبطين عاطفيا بإيران. علينا أن نستثمر هذا الانتماء، وأن نستخدم خبراتهم ومكانتهم في المحافل الدولية.
كما يجب التعامل بسرعة مع آثار ما بعد الحرب. توقف الرحلات الجوية خلق مشكلات كبيرة، خصوصا للذين لديهم احتياجات طبية ملحّة. مشاريع اقتصادية توقفت، والجامعات تعيش في حالة من الغموض. كل ذلك يحتاج إلى حلول سريعة تعيد الطمأنينة إلى المجتمع.
في تقييم مرونة النظام السياسي والإداري في البلاد، برأيكم: هل تستطيع منظومة الحُكم أن تنفّذ ما أشرتم إليه من خطوات وإصلاحات؟
أنا قلق جدا، ولا يمكنني في هذه اللحظة أن أتحدث بخلاف ما يهمس به عقلي. أشعر باضطراب، وهناك دلائل مقلقة كثيرة لا يمكن تجاهلها. أخشى أن تظل حالات اللاعقلانية قائمة، وأن تبقى الخلافات من دون حل، وأن تُقيّد أيدي وأقدام أولئك القادرين على خدمة البلد.
نحن الآن في وضع يحتاج فيه النظام إلى الابتكار والإبداع، سواء من الداخل أو من الخارج. نحن بحاجة إلى شجاعة. في هذه الظروف، نحتاج إلى أشخاص مخلصين ومستعدين للتضحية، يقفون بثبات من أجل مصلحة الوطن، تماما كما فعل الجنود الذين ضحّوا بحياتهم دفاعا عن البلاد. هؤلاء أيضا يجب أن يتحلّوا بالشجاعة في مواقعهم.
للأسف، هياكل النظام لدينا مصمَّمة بشكل يسمح للتيارات المتشددة بالتغلغل فيها، ولا تملك القدرة على صدّ التشدد. حتى الآن، هناك أصوات تُسمع عبر التلفزيون الرسمي تضرّ بالبلاد أكثر مما تنفع.
أنا الآن أعيش تلك الثنائية التي ذكرتموها في بداية الحوار؛ من جهة أشعر بالقلق، ومن جهة أخرى لدي أمل. أعيش حالة من الخوف والرجاء. رأيت مؤشرات إيجابية، لكنني كذلك رأيت ما يدعو إلى القلق.
آمل أن نتمكن من العودة إلى مسار الحياة بأقل الخسائر الممكنة.

هل هناك خشية من أن تُستغل حالة التضامن الشعبي الحالية بشكل انتقائي، بطريقة تُقصي مبدأ الوحدة في التنوّع؟
بعض الأطراف بدأت تستغل هذه الوحدة لصالحها، لكن عليهم أن يعلموا أن الضمائر الحية، وكذلك الأجيال القادمة، لن تغفر لهم هذا السلوك. هؤلاء سيُلعنون من قِبل التاريخ، لأن هذا النمط من التفكير لا يخلّف إلا أرضا محروقة خلفه.
أين هو في هذا التضامن الشعبي ما يمكن أن يبرّر التصرفات الراديكالية؟ هذا السلوك هو مصادرة للواقع بطريقة انتقائية، وستكون له عواقب وخيمة.
علينا جميعا أن ندرك أن أي تغيّر غير محسوب في البنية السياسية للبلاد يمكن أن يعرّض إيران للخطر، بل ويزيد من تأخّرها. لذلك يجب أن نتدارك الأمر قبل أن تقع الكارثة.
هل تعتقد أن مسعود بزشکیان قادر على اتخاذ قرارات شجاعة وعقلانية في هذا الظرف الحرج؟
أرغب كثيرا في أن أُعبّر عن رأيي بصراحة، لكن هناك اعتبارات أخلاقية وفكرية ومعرفية تجعل الأمور أكثر تعقيدا. بشكل عام، توجد لدى مسعود بزشکیان صفات تؤهّله للقيام بهذا الدور. أنا أعرفه، فهو ليس من الذين يسعون وراء الامتيازات والمصالح، وكان دائما إلى جانب الناس.
لكن الوضع معقّد، ويبدو أن هناك حالة من التردّد داخل البنية الإدارية ومراكز صنع القرار، تمنع تقديم دعم كامل لرئيس الجمهورية، مما يصعّب عليه اتخاذ خطوة تاريخية حاسمة في هذا التوقيت.
تمرّ إيران اليوم بمنعطف لا يمكن إنقاذها فيه عبر المسار العادي للأمور، خاصة في ظل كل هذا التشدد. ولكن إذا ما أُنجزت خطوات جادة، سريعة، تاريخية، عقلانية ومبنية على التضحية، فقد نتمكن من تجاوز هذا المنعطف. ومع ذلك، لا نزال نتمسّك بالأمل ونواصل العيش به.

